سلسلة الأخلاق الإسلامية .. العزم والعزيمة قوة القلب التي تحوِّل المعرفة إلى عمل
- العزيمة خُلُق إيماني وسلوكي يجمع بين وضوح الغاية وقوة القرار ومباشرة السبب والصبر حتى تمام العمل
- لا يمدح الإسلام قوة الإرادة لذاتها وإنما يمدح العزيمة إذا اتجهت إلى الرشد والخير
- تظهر العزيمة أول ما تظهر في المحافظة على الفرائض ولا سيما حين تزاحمها الشواغل أو يثقلها الفتور
ليس صاحب العزيمة من لا تعترضه المشقة، بل من يعرف وجهته، ويستعين بربه، ويبدأ بما يستطيع، ثم يثبت كلما دعاه الطريق إلى التراجع، والذي يغيّر الحياة حقًّا هو العزم؛ فكم من إنسان عرف الخير ولم يفعله! وأبصر الطريق ولم يسلكه! وامتلك القدرة ثم بددها التردد والتسويف! وكم من آخر بدأ بإمكانات قليلة، فلما صدق قصده، واستعان بالله، وثبت على العمل، فتح الله له أبوابًا لم تكن تخطر له على بال.
والعزيمة خُلُق إيماني وسلوكي يجمع بين وضوح الغاية، وقوة القرار، ومباشرة السبب، والصبر حتى تمام العمل، وهي لا تعني أن يندفع المرء بلا بصيرة، ولا أن يتشبث برأيه بعد ظهور خطئه؛ فالعزيمة المحمودة هي العزيمة على الرشد، يقودها العلم، وتسبقها المشورة، ويصحبها التوكل، ويحرسها الصبر.
ما العزم؟
العزم في اللغة يدل على القصد المؤكد والجد والقطع في الأمر. يقال: عزم على الشيء؛ إذا عقد قلبه عليه وقصد إمضاءه. وقال الخليل بن أحمد: «العزم ما عُقد عليه القلب من أمر أنت فاعله». وقال الراغب الأصفهاني: هو «عقد القلب على إمضاء الأمر», عليه فالعزم ليس مجرد خاطر يمر بالنفس، ولا رغبة تستحسن الخير من بعيد، وإنما هو انتقال من التمني إلى القرار، ومن القرار إلى التنفيذ، وقد تبدأ الحركة بإرادة، ثم يقوى الميل فيصير همًّا، فإذا استقر القصد وتهيأ صاحبه للعمل صار عزمًا. أما الهمة فهي مقدار ما يطلبه الإنسان وعلو غايته؛ فقد تكون همته عالية، ولكنها تظل حلمًا إن لم تسندها عزيمة.
والحزم غير العزم وإن تقاربا؛ فالحزم جودة النظر في العواقب، وضبط الأمر قبل الإقدام، والعزم قوة المضي بعد تبين الصواب. وبعبارة جامعة: الحزم يحسن الاختيار، والعزم يحسن التنفيذ. ومن كمال المؤمن أن يجمع بين بصيرة تمنعه من التهور، وإرادة تمنعه من العجز.
العزيمة التي يريدها الإسلام
لا يمدح الإسلام قوة الإرادة لذاتها؛ فقد يعزم الإنسان على باطل، أو يصر على رأي ظهر فساده، وإنما يمدح العزيمة إذا اتجهت إلى الرشد والخير؛ ولهذا كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد»؛ فقيّد العزيمة بالرشد؛، لأن القوة بلا هداية قد تفسد، كما أن المعرفة بلا عزيمة تبقى عاجزة عن صناعة الأثر، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(آل عمران: 159)، ترسم هذه الآية منهج القرار الراشد: لين في القيادة، وعفو واستغفار، ثم مشاورة تجمع الخبرات، ثم عزم ينهي التردد، ثم توكل يحرر القلب من الخوف. فليس العزم إلغاءً للمشورة، وليس التوكل تركًا للأسباب؛ بل إذا بُحث الأمر، واستُشير أهل الخبرة، واستخير الله، وظهر وجه الصواب، جاء وقت الإمضاء بلا تردد مستنزف.
العزم في القرآن: صبر ومسؤولية وثبات
يربط القرآن العزم بالمواقف التي تحتاج إلى قوة داخلية طويلة النفس، لا إلى حماسة مؤقتة. قال -تعالى-: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}(آل عمران: 186)، فالصبر على الابتلاء، والتقوى عند الاستفزاز، والثبات أمام الأذى من أعمال القلوب الكبيرة. وفي وصايا لقمان لابنه اجتمعت العبادة والإصلاح والصبر:{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}(لقمان: 17).
وتبلغ قوة العزم ذروتها حين يملك الإنسان القدرة على الرد ثم يختار ما هو أزكى لقلبه وأصلح لعلاقاته: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}(الشورى: 43)، فالعفو ليس ضعفًا في الإرادة، بل قد يحتاج إلى عزيمة أشد من الانتقام؛ لأنه مقاومة لغضب النفس، وتقديم لمرضاة الله وحسن العاقبة.
ومن أجل هذا مدح الله صفوة رسله بقوة الصبر والثبات، فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الأحقاف: 35). لقد طال طريقهم، واشتد تكذيب أقوامهم، ومع ذلك لم يحملهم بطء الثمرة على اليأس، ولا الأذى على ترك الرسالة. وهذا هو الفارق بين أمنية تستعجل النتائج، ورسالة يحملها صاحبها حتى يؤدي أمانتها.
المنهج النبوي في صناعة العزيمة
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، يجمع هذا الحديث القصير برنامجًا كاملًا لبناء الإنسان القوي:
- «احرص على ما ينفعك»: اختر غاية نافعة تستحق وقتك، ولا تبدد قوتك في أهداف صغيرة أو أعمال لا ثمرة لها. والحرص طاقة مركزة؛ فإذا توزعت النفس بين مقاصد كثيرة ضعفت عن بلوغ شيء منها.
- «واستعن بالله»: لا تغتر بقدرتك ولا تعتمد على نفسك وحدها. خذ بالأسباب، واسأل ربك التوفيق والتثبيت؛ فالعبد يعزم، ولكن الله هو الذي يهب القوة ويفتح الطريق ويبارك العمل.
- «ولا تعجز»: لا تستسلم للكسل، ولا تجعل الخوف من الفشل عذرًا لعدم البداية. وإذا فاتك شيء بعد بذل السبب، فلا تستهلك قوتك في الحسرة؛ بل تعلم، وقدّر الله حق قدره، ثم استأنف السير.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعزم في دعائه، ويعلم أصحابه أن يسألوا الله بثقة ورجاء، فقال: «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني؛ فإنه لا مستكره له» متفق عليه. وعزم المسألة هنا هو صدق الطلب، وحضور القلب، وحسن الرجاء بالله، لا الاعتراض على حكمته أو استعجال إجابته.
مجالات العزيمة
للعزيمة مجالات متعددة تظهر فيها قوتها وأثرها؛ فهي لا تقتصر على جانب واحد من حياة الإنسان، بل تمتد إلى العبادة والعلم والعمل ومواجهة التحديات، ومن أبرز مجالاتها:
- العزيمة في العبادة
تظهر العزيمة أول ما تظهر في المحافظة على الفرائض، ولا سيما حين تزاحمها الشواغل أو يثقلها الفتور، وليست العزيمة أن يحمل المرء نفسه على برنامج شاق أيامًا ثم ينقطع؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» متفق عليه. إنما العزيمة أن يبني عبادة ثابتة، وأن يعود سريعًا إذا فتر، وألا يجعل العثرة إذنًا بترك الطريق.
- العزيمة في التوبة
من شروط التوبة الصادقة الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة إليه، مع رد الحقوق إلى أصحابها إن تعلق الذنب بحق آدمي. ولا يعني ذلك أن يضمن التائب لنفسه العصمة في المستقبل، بل أن يكون عند توبته صادق القلب، قاطع الصلة بأسباب المعصية. فإن غلبته نفسه بعد ذلك جدد التوبة ولم ييأس؛ لأن اليأس باب آخر من أبواب الشيطان.
- العزيمة في طلب العلم
العلم لا ينال بالأماني ولا بجمع الكتب وحده، وإنما بالصبر على الفهم والمراجعة والسؤال، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن يتعلم كتابة اليهود، فاجتهد حتى تعلمها في مدة وجيزة، وصار يقرأ للنبي - صلى الله عليه وسلم - كتبهم ويكتب إليهم. لم يقف عند صعوبة المهمة، بل حول التكليف إلى خطة وعمل. وهكذا طالب العلم: يحدد فنه، ويلزم منهجًا، ويصبر على بطء الثمرة، ويعرف أن التراكم الصغير يصنع بعد حين ملكة راسخة.
- العزيمة في الدعوة والإصلاح
الدعوة إلى الله تحتاج إلى علم وحكمة وصبر؛ لأن المصلح يتعامل مع نفوس وعادات ومصالح متشابكة، فلا تضعفه قلة المستجيبين، ولا تدفعه العجلة إلى الغلظة، ولا يحمله الأذى على ترك الرحمة، عزيمته ليست خصومة مع الناس، بل وفاء للحق ورحمة بالخلق، واقتداء بأولي العزم الذين ثبتوا من غير يأس ولا انتقام للنفس.
- العزيمة في المسؤولية والقيادة
صاحب العزيمة لا يكتفي بإصدار التعليمات، بل يبادر ويتحمل التبعة، وقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق الناس نحو الصوت، فتلقاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - راجعًا بعدما سبقهم واستبرأ الخبر، وهو يقول: «لن تراعوا، لن تراعوا» متفق عليه، فالقائد الحق يتقدم عند الخطر، ويمنح من حوله الطمأنينة، ويجمع بين الشجاعة وحسن التقدير.
لاتوجد تعليقات