الشباب المسلم 1315
النجاح الحقيقي
يظن كثير من الشباب أن النجاح يُقاس بما يملكه من مال، أو بما يبلغه من منصب، أو بما يحققه من شهرة وإنجازات، غير أن ميزان الإسلام أعمق من ذلك وأبقى؛ فالنجاح الحقيقي ليس أن تجمع الدنيا بين يديك، وإنما أن تجعلها في يدك لا في قلبك، وأن تعمر دنياك بما ينفعك، دون أن تخسر آخرتك.
لقد أباح الله لعباده أن يسعوا في الأرض، وأن يتعلم وا، ويتقنوا أعمالهم، ويبنوا مستقبلهم، بل جعل ذلك من العبادة إذا صلحت النية، قال -تعالى-: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص: 77)؛ فالإسلام لا يدعو إلى ترك الدنيا، وإنما يدعو إلى ألا تكون الدنيا هي الغاية الكبرى. وكم من إنسانٍ نجح في دراسته أو تجارته أو وظيفته، لكنه ضيَّع صلاته، وفرَّط في دينه، وانشغل بشهواته، فكانت خسارته أعظم من كل نجاحٍ حققه! وفي المقابل، قد يجمع المؤمن بين التفوق في دنياه والاستقامة على طاعة ربه، فيكون من الرابحين في الدارين. أيها الشاب، اجعل نجاحك مقرونًا بمرضاة الله، ولا تسمح لطموحك أن يقودك إلى معصية الله، ولا لإنجازاتك أن تُنسيك عبادتك، ولا لمستقبلك أن يحجب عنك آخرتك؛ فإن الدنيا ممر، والآخرة هي دار القرار. فإذا ربحت دينك مع دنياك، فقد فزت الفوز كله، أما إذا ربحت الدنيا وخسرت الآخرة، فما ربحت إلا سرابًا، {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} (آل عمران: 185).حافظ على الصلاة
قد تزدحم أيام الجامعة بالمحاضرات، والاختبارات، والمشاريع، لكن لا تجعل شيئًا منها سببًا للتفريط في الصلاة؛ فهي أعظم ما افترضه الله بعد التوحيد، وأول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة، وهي سرُّ التوفيق، وعنوان الثبات، وسبب البركة في العلم والعمر، قال -تعالى-: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} (البقرة: 45)، وقال -سبحانه-: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} (العنكبوت: 45)، فاجعل الصلاة أول أولوياتك، واعلم أن من حفظ حدود الله حفظه الله، ومن أقام الصلاة أقام الله أمره، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع.الاستقامة أعظم مظاهر القوة
يظن بعض الناس أن الاستقامة تحرم الإنسان من متع الحياة، والواقع أن الاستقامة هي أعظم مظاهر القوة؛ لأنها تعني الثبات على الحق، ومجاهدة النفس، ومقاومة الهوى، والصبر على الطاعة، وكل ذلك لا يقدر عليه إلا أصحاب الإيمان الصادق والعزائم القوية، والمستقيم لا تغيره الفتن، ولا تزعزعه الشبهات، ولا تجرفه الشهوات، لأنه جعل رضا الله غايته، وسار على هدي كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. وقد وعد الله أهل الاستقامة بالطمأنينة والتوفيق، فقال -سبحانه-: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا}.لا تستصغر البدايات
من أكبر الأخطاء أن يستعجل الشاب الثمرة قبل أن يغرس البذرة، أو يقيس بدايته بنهايات الآخرين، فتذكر أن كل طبيبٍ كان يومًا طالبًا، وكل حافظٍ للقرآن بدأ بآية، فلا تحتقر الأعمال الصغيرة، ولا تيأس من التقدم البطيء؛ فإن الإنجازات العظيمة لا تُولد في يومٍ واحد، وإنما تُبنى بالصبر، وتُثمر بالمداومة، ويباركها الإخلاص، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ»، فاثبت على طريقك، وواظب على العمل، فإن القليل مع الاستمرار يصنع الكثير مع مرور الأيام.الفرق بين الشهوات والشبهات
«الشبهات» و «الشهوات» هما أصلا الشّرّ في الحياة، وهما من أمراض القلوب الخطيرة، التي تنافي الخشية من الله -تعالى-، والفرق بين الشهوة والشبهة: أن الشهوة هي تقديم الهوى على طاعة الله ومرضاته، كمن يفعل الأمور المحرمة، ومن يتلذذ بشرب المسكرات، وأما الشُّبْهَة فهي التباس الحق بالباطل واختلاطه، ومرض الشبهات والشهوات، كلاهما مذكور في القرآن الكريم، قال -تعالى-: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} (الأحزاب:32)، فهذا مرض الشهوة.أغلى ما تملكه هو دينك

وكلّ كسر الفتى فالدين جابره والكسر في الدين صعب غير ملتئم
لا تقارن نفسك بغيرك
من أكثر ما يرهق الشاب أن يقارن بداياته بنهاية غيره؛ فينظر إلى من سبقه في العلم أو النجاح، وينسى أن لكل إنسان ظروفه، وقدراته، ورحلته الخاصة، وقد قسم الله الأرزاق والمواهب بين عباده بحكمته، فقال -سبحانه-: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (الزخرف: 32)، فامضِ في طريقك، وأحسن العمل، واستعن بالله، وثق بأن سعيك لن يضيع، قال -تعالى-: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} (النجم: 39-40)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، فالنجاح الحقيقي ليس أن تتفوق على غيرك، وإنما أن تقترب كل يوم خطوةً من رضا ربك، وتحقيق رسالتك في الحياة.مقياس العزة والكرامة
مقياس العزة والكرامة هو: الإيمان بالله وبرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، والانقياد لشرعه؛ لأنّ المؤمن بالله والمسلم أمره إليه عبدٌ لله وحده وليس عبداً لأحدٍ من الخلق، فأيقن أنّك بدينك الحق «الإسلام» أعز إنسان على وجه الأرض، وأنّ الذلة والهوان في الكفر بالرحيم الرحمن؛ لأنّ الكفار لما تخلوا عن عبادة الله وأشركوا معه غيره صاروا عبيداً لبعضهم بعضا وأسرى لشهواتهم وأهوائهم الضالة.كن صاحب رسالة
المؤمن الحق لا يعيش لنفسه وحدها، وإنما يحمل رسالة إصلاح وخير أينما حلَّ، فكن قدوةً في أخلاقك، وأمانتك، وانضباطك، قال -تعالى-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: 33)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس أنفعهم للناس»، فلعل كلمةً طيبة، أو خلقًا حسنًا، أو موقفًا كريمًا، يكون سببًا في هداية قلب، أو تفريج كربة، أو تغيير حياة إنسان، فيبقى أثره لك في الدنيا، وأجره مدخرًا لك عند الله.لا تؤجل التوبة
لا شك أنَّ خير أيام الإنسان هي أيام شبابه، فمن وفقه الله للطاعة فيها فقد نال نعمةً عظيمة، قال -تعالى-: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور: 31)، وقال : {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (آل عمران: 133)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك»، فلا تؤجل توبتك، ولا تؤخر صلاحك، فإن العمر بيد الله، ولا يضمن أحدٌ أن يدرك الغد، واجعل أجمل سنوات عمرك في طاعة ربك، فإن من نشأ في عبادة الله كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «وشابٌّ نشأ في عبادة الله».النجاح عبادة
اعلم -أيها الشاب- أن تصحيح النية هو مفتاح البركة والتوفيق؛ فإذا أخلصت نيتك لله، تحول طلبك للعلم إلى عبادة، وسعيك في التحصيل والتفوق إلى عملٍ صالح تؤجر عليه، فاجعل دراستك وسيلةً لخدمة دينك، ونفع أمتك، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
لاتوجد تعليقات