الأربعون الوقفية الموجزة 18.. فضل وقف المساجد
- المسجد منارةُ الإيمان ومدرسةُ التربية ومنبعُ الهداية ومجمعُ المسلمين على الطاعة والألفة
- الأجر المذكور إنما يكون ببناء المسجد لا بمجرد جعل الأرض مسجدًا أو إحاطتها دون بناء
- من شارك في بناء مسجد ولو بقدر موضع سجود فله عند الله أجرٌ عظيم
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.
الحديث الثامن عشر: فضل وقف المساجد
عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ ،وفي لفظ لمسلم: بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»، فضّل الله -سبحانه وتعالى- بعض الأماكن على بعض، ومن تلك الأماكن التي فضلها الله -عز وجل- على غيرها: المساجد، قال -تعالى-: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}، والعمارة المراد بها: إقامة البناء وتشييده، وتلك من علامات الإيمان بالله والخشية والهداية، فقد حث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحض على بناء المساجد، ووعد مشيديها بالثواب الجزيل والأجر العظيم، لمكانتها في الإسلام، وحاجة المسلمين إليها في سائر البلاد والأزمان.أجر عظيم مشروط بشرطين
وهذا الأجر العظيم والثواب الجزيل مشروط بشرطين -كسائر الطاعات-: الأول: أن يكون خالصًا لله -سبحانه وتعالى- ويبتغى به وجه الله -عز وجل-. والثاني: أن يكون موافقًا للشرع الذي أمر الله به -سبحانه وتعالى-، وقد زاد البخاري في رواية: بنى الله له مثله في الجنة، والمماثلة الواردة في الحديث جاءت لإيضاح أن الجزاء من جنس العمل، فهي تعني المثلية في الكم لا في الكيف؛ لأن موضع شبر في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ كما صح بذلك الخبر عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -. قال النووي: يحتمل قوله - صلى الله عليه وسلم - أمرين: أحدهما: أن يكون (مثله) معناه: بنى الله له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها؛ فإنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والثاني: معناه: أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا، وقال الألباني: أي: مثله في الشرف والفضل والتوقير؛ لأنه جزاء المسجد، فيكون مثلاً له في صفات الشرف.الترغيب في بناء المساجد
وترغيباً في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها -ولو كانت صغيرة- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من بنى مسجداً قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة»، ومفحص القطاة: موضعها الذي تجثم فيه وتبيض، والقطاة: طائر من أنواع الحمام، كأنها تفحص عنه التراب أي: تكشفه، والفحص: البحث والكشف، وقد خصّ القطاة بهذا لأنها لا تبيض في شجرة ولا على رأس جبل؛ إنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطير؛ فلذلك شبه به المسجد، ولأنها توصف بالصدق؛ ففيه إشارة إلى اعتبار إخلاص النية، وصدقها في البناء، ومعلوم أن مفحص القطاة: مكان صغير جداً، لا يمكن بحال أن يتسع لمصل؛ فدل على أن أيّ تبرع يُسهم في بناء مسجد موعودٌ صاحبه بأجر عظيم.مكانة المسجد في الإسلام
وللمسجد مكانة عظيمة في الإسلام؛ و المساجد بيوت الله -عز وجل-، وقد أضافها الله -عز وجل- إلى نفسه إضافة تعظيم وتشريف؛ فقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}، وهي أحب البقاع إليه؛ فقد صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أحب البلاد إلى الله: مساجِدُها.قاعدة أساسية للدعوة
والمسجد قاعدة أساسية تنبعث منها الدعوة الإسلامية، ورسالته هي رسالة الإسلام؛ رسالة التوحيد والهداية، وقد كانت المساجد في عهودها الزاهرة؛ جامعات علمٍ، ومنابر هدى، ومراكز إشعاع في عواصم العالم ومدنه الكبرى، مثل: المدينة، ومكة، والقدس، وبغداد، ودمشق، والقاهرة، والقيروان، وغيرها.فوائد الحديث
- أن الأجر المذكور يحصل ببناء المسجد؛ لا أن يجعل الأرض مسجدًا من غير بناء، وأنه لا يكفي في ذلك تحويطه من غير حصول مسمى البناء، والتنكير في مسجد للشيوع؛ فيدخل فيه الكبير والصغير.
- أن كل من اشترك في بناء مسجد وساهم في حصة ولو قدر موضع سجود؛ فله الأجر العظيم من الله -تعالى-.
- الحثّ والترغيب في بناء المساجد في الأمصار والقرى، والمحالّ ونحوها؛ بحسب الحاجة.
- أن العمل بلا إخلاص لا نفع فيه، فالذي يبني المساجد للرياء والسمعة والمباهاة ليس بانيًا لله، فلا يناله الأجر الوارد في الحديث.
مكانة المسجد في الإسلام
لا يخفى ما للمسجد من مكانةٍ سامية في الإسلام؛ فهو منارةُ الإيمان، ومدرسةُ التربية، ومنبعُ الهداية، ومجمعُ المسلمين على الطاعة والألفة، تتوثق فيه عرى الأخوة، وتلتقي فيه القلوب قبل الأبدان، ويُعرف فيه المحتاج فيُعان، والضعيف فيُواسَى، والحائر فيُرشد، فهو بيت العبادة، ومأوى الفضائل، ومنطلق الدعوة والإصلاح؛ ولذلك شهد الله -تعالى- بالإيمان لعُمَّار مساجده، فقال -سبحانه-: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (التوبة: 18)، وأثنى عليهم بقوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} (النور)، كما رغَّب النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمارة المساجد، وبشَّر من بنى لله مسجدًا بأن يبني الله له بيتًا في الجنة، ومن عظيم شأن المسجد أن أول عملٍ قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة كان بناء المسجد؛ ليكون القلب النابض للدولة المسلمة، ومركز العبادة، ومنارة العلم، ومقرَّ الشورى، ومأوى الفقراء وأهل الصُّفَّة، وملجأ أصحاب الحاجات والهموم. ومن أروع الشواهد على ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد، فرأى أبا أمامة - رضي الله عنه - جالسًا في غير وقت الصلاة، فسأله عن حاله، فأخبره أن الهموم والديون أثقلته، فعلَّمه ذلك الدعاء العظيم الذي يذهب الله به الهم، ويقضي به الدين، فكان سببًا في تفريج كربه. وهكذا ظلَّ المسجد في الإسلام بيتًا للإيمان، ومأوى للطمأنينة، وملاذًا للمهمومين، ومنطلقًا للإصلاح والخير، ولا يجحد رسالته العظيمة وأثره المبارك في بناء الفرد والمجتمع إلا جاهل بحقائق الإسلام، أو مكابر يعاند الواقع والتاريخ.
لاتوجد تعليقات