شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع المُعَاوَمَةِ
- نهى الإسلام عن المعامَلاتِ الَّتي يَكونُ ظاهرُها البيعَ وباطِنُها أكْل الأموالِ بالباطلِ أو الَّتي تَشتمِلُ على غَررٍ وجَهالةٍ وربَّما تُضِرُّ بالبائعِ أو المشتري
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ المُحَاقَلَةِ، والْمُزَابَنَةِ، والمُعَاوَمَةِ، والمُخَابَرَةِ». قَالَ أَحَدُهُمَا: بَيْعُ السِّنِينَ هِيَ المُعَاوَمَةُ، وعَنْ الثُّنْيَا، ورَخَّصَ فِي العَرَايَا»، وعَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ، وفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ سِنِينَ. الحديثان أخرجهما في الباب السابق.
- في الحَديثِ الأول: يقولُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما-: «نَهَى رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُحاقَلةِ، والمُزابَنةِ» وسبق بيانها، «والمُعَاومةِ»: وهي «بيعُ السِّنينَ»، وهو بيعُ ثَمَرِ نَخْلةٍ، أو نَخلاتٍ بأعيانِها أو ما شابَه، سَنتَينِ أو ثلاثًا؛ ومِنَ المَعلومِ أنَّ هذا الثَّمَرَ لمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، ولا يُعلمُ مِقداره، «والمُخابَرةِ»: وهي العمَلُ في الأرْضِ ببعضِ ما يَخْرُجُ منها، والبَذْرُ من العاملِ، وهذا فيه جَهالةٌ بما لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، وكذلك نهى «عَن الثُّنْيا»: وهو أنْ يُباعَ الثَّمَرُ، ويُسْتثنى منه جزءٌ غيرُ مَعلومِ القَدْرِ، وفي رِوايةٍ قال: «إلَّا أنْ يُعْلَمَ»، أي: إلَّا أن يكونَ الجُزءُ المستَثنى في البيعِ؛ معلومَ القَدْرِ، وقد رَخَّصَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - «في العَرايا» وسبق بيانه.
فوائد الحديث
- اهتمَّ الإسلامُ اهتمامًا بالغاً بحِفظِ أمْوالِ النَّاسِ، وحرَصَ حِرصاً شديداً على عدَمِ ضَياعِها؛ ولذلك نهى عن أنواعِ مِنَ المعامَلاتِ؛ كتِلْك الَّتي يَكونُ ظاهرُها البيعَ وباطِنُها أكْلَ الأموالِ بالباطلِ، أو الَّتي تَشتمِلُ على غَررٍ وجَهالةٍ، وربَّما تُضِرُّ بالبائعِ أو المشتري.

باب: بيعُ العَبْد بالعَبْدين
عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْهِجْرَةِ، ولَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «بِعْنِيهِ» فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَداً بَعْدُ، حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟». الحديث أخرجه مسلم في المُساقاه (3/1225) باب: جواز بيع الحَيوان بالحيوان منْ جنسه مُتفاضلاً.
في هذا الحديثِ يَرْوي جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما- أنَّه جاءَ عبدٌ مملوكٌ، فَبايعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وعَاهَدَه على الهِجرةِ، وذلك أنَّ مِن شُروطِ المبايَعةِ آنذاكَ الهِجرةَ إلى المدينةِ، ولم يَدْرِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه عَبْدٌ مَملوكٌ، والمبايَعةُ على الهجرةِ تَتعارَضُ مع عُبوديَّتِه، ولو عَلِم - صلى الله عليه وسلم - أنَّه عبدٌ؛ ما بايَعَه إلَّا بإذنِ سَيِّدِه.- قوله: «فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ» أي: فجاءَ سَيِّدُه يَطلُبُه، ليَرجِعَ معه إلى بَلدِه، فَقَالَ لَهُ -النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «بِعْنِيهِ» أي: فطَلَبَ منه النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبيعَه هذا العبدَ، فَاشتراهُ منه - صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم - بِعبدَيْنِ أَسْوديْنِ.
أَعَبْدٌ هُوَ؟
- قوله: «ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَداً بَعْدُ، حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟» أي: ثُمَّ إنّه - صلى الله عليه وسلم - لم يَشرَعْ بالمبايَعةِ مع أحدٍ بعْدَ هذا العبدِ، حتَّى يَسألَه: «أعبدٌ هو؟» أي: أَأنت عبدٌ أو حُرٌّ؟ وذلك حِفظًا لحُقوقِ مالكِه، إنْ كان المبايِعُ عبْداً.
فوائد الحديث
- فيه: أنّ أخْذُ البيعةِ تكون مِنَ الحُرِّ لا مِنَ العبدِ؛ لأنَّه مملوكٌ لِسيِّدهِ، فلا يَملِكُ التَّصرُّفَ بِنفْسِه.
- أنّ المُبايَعةُ هي المعاقَدةُ والمُعاهَدةُ، وسُمِّيت بذلك تَشبيهًا بالمُعاوَضةِ الماليَّةِ، كأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَبيعُ ما عندَه لصاحبِه؛ فمِن طرَفِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَعْدٌ بالثَّوابِ والجنّة، ومِن طَرَفِ المبايِعينَ له: الْتزامُ الطَّاعةِ له.
- وفيه: جوازُ بيعِ عبدٍ بعبدين، سواءً كانت القِيمةُ متّفقةً أو مختلفة، وهذا مُجْمعٌ عليه إذا بِيعَ نقداً، وكذا حُكم سائر الحيوان.
- وفيه: ما كان عليه النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن مَكارمِ الأخلاقِ، والإحسانِ العامِّ للناس؛ فَإنَّه كَرِهَ أنْ يَردَّ العبدَ خائباً مِمَّا قَصدَه مِنَ الهِجرةِ، ومُلازَمَةِ الصُّحبَةِ له.
التحذير من احتكار السّلع
عن معمر بن عبدالله - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحتكر إلا خاطئ، والاحتكار هو شراء السلع، وحبسها لتقلَّ في السوق، ويرتفع سعرها على المشتري؛ وقد اتفق الأئمة الأربعة على تحريم الاحتكار، وإنما الخلاف هو في نوع السلع التي يحرم احتكارها، والراجح والله أعلم هو حرمة الاحتكار في كل ما يحتاج إليه الناس، وكما كان من سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ يفقَّه المسلمين في أحكام البيع وآدابه ، كذلك كانت سُنَّة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه -، فلقد مر يومًا في السوق فرأى حاطبَ بن أبي بلتعة- رضي الله عنه - يبيع زبيبًا، فقال له: إما أنْ ترفع السعر، وإما أنْ تدخل بيتك فتبيع كيف شئت، وكذلك كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - يمر بدرته في السوق فيضرب ويقول: لا يبع في سوقنا إلا من فقه، وإلا أكل الرِّبا، شاء أم أبى. وكذلك فلقد سطَّر الأئمة- رحمهم الله- جملة من المصنفات في هذا الباب؛ وذلك ليفقهوا الراعي والرعية في أحكام البيع ومعاملاته، يقول الإمام الماوردي: لما اتسع نطاق التجارة وأصبحت موردًا لأهل الإعواز من البلاد كافة ، يتناولون فيها حاجتهم من المال، وقع غش فاحش في التجارة، وصارت الصيارف من اليهود وغيرهم يعطون مالهم بالرِّبا، على أنْ يعاد عليهم المثل في نهاية العام مثلَين وأكثر منه، فأقام الرشيد محتسبًا؛ ليكون بالأسواق لفحص الأوزان والمكاييل من الغش، وينظر في معاملات التجارة؛ لتكون جاريةً على سنن العدل؛ حتى لا تُجامل الشرفاء على الضعفاء، والأغنياء على الفقراء؛ ا.هـ. وقال- رحمه الله-: وأما المعاملات المنكرة كالرِّبا والبيوع الفاسدة، وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به إذا كان متفقًا على حظره، فعلى والى الحسبة إنكاره والمنع منه، والزجر عليه، وأمره في التأديب مختلف بحسب الأحوال وشدة الحظر، ومما يتعلق بالمعاملات غش المبيعات وتدليس الأثمان، فينكره ويمنع منه، ويؤدب عليه بحسب الحال فيه، روي عن النبي -[- أنه قال: «ليس منا من غش»، ويمنع من تصرية المواشي، وتحفيل ضروعها عند البيع للنهي عنه؛ فإنه نوع من التدليس.
لاتوجد تعليقات