المرأة المسلمة 1303
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس»، كثير من مشكلات البيوت تنشأ من المقارنات والطموحات المادية المفرطة، أما القناعة، فهي مفتاح الرضا، وباب السكينة، وسبب لاستقرار النفوس.
فقه الحقوق بين الزوجين
تقوم الحياة الزوجية في الإسلام على ميزان دقيق من العدل والإحسان، يجمع بين الحقوق والواجبات، ويؤسس لعلاقة تقوم على التكامل لا التنازع، وعلى الرحمة لا المغالبة، قال الله -تعالى-: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: 228)، وهي قاعدة عظيمة تُقرِّر مبدأ التوازن؛ فللمرأة حقوق كما عليها واجبات، وللرجل كذلك، غير أن هذا التوازن لا يُفهم بمعادلات حسابية جامدة، بل بروح المعروف الذي يحكم العلاقة ويضبط تفاصيلها.
النفقة وحسن العشرة من أعظم حقوق الزوجة: النفقة، وحسن العشرة، والرفق بها، وصيانة كرامتها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «استوصوا بالنساء خيرًا»؛ فالإحسان إليها ليس تفضّلًا، بل هو واجب شرعي، ومظهر من مظاهر كمال الرجولة، كما أن من حقها أن تعيش في بيئة آمنة نفسيًا، تُحفظ فيها مشاعرها، ويُراعى فيها ضعفها الفِطري. الطاعة في المعروف وفي المقابل، فإن من حقوق الزوج: الطاعة في المعروف، وحفظ بيته، وصيانة عرضه، والقيام بشؤونه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت»، وهذه الطاعة ليست خضوعًا مهينًا، بل هي تنظيم للعلاقة داخل الأسرة، يحقق الاستقرار ويمنع الفوضى. الإحسان والتغافل غير أن فقه الحقوق لا يقف عند حدود (ما لي وما عليّ)، بل يرتقي إلى مستوى الإحسان والتغافل؛ فكم من بيوت هُدمت بسبب التدقيق في الحقوق! وكم من أسرٍ استقرت حين غلب فيها العفو والتسامح! يقول ابن عباس - رضي الله عنه -: «إني لأتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي»، في إشارة إلى أن المعاملة بالمثل في الإحسان أساس دوام المودة. المشكلة في كثير من البيوت إن المشكلة في كثير من البيوت ليست في جهل الحقوق، بل في ضعف الأخلاق عند أدائها؛ فالمعرفة وحدها لا تكفي، ما لم تُدعّم بالصبر، والحلم، وحسن الظن؛ فالزواج ليس عقد حقوق فحسب، بل هو ميثاق أخلاق، وخلاصة القول: إن فقه الحقوق بين الزوجين هو فقه توازن ورحمة، لا فقه خصومة ومطالبة، وإذا أُدّيت الحقوق بروح الإحسان، تحوّل البيت إلى سكن حقيقي، تُظلّله المودة، وتغمره الرحمة، وتُثمر فيه الطمأنينة والاستقرار.أثـر الكلمـة في الإصـلاح
عند وقوع الخطأ، لا يكون التحدي في تشخيصه بقدر ما يكون في كيفية معالجته؛ فالكلمة المختارة هي التي تحدد المصير: أَنُصلح الخطأ أم نخسر القلوب؟ فكم من نصيحةٍ لم يُعمل بها بسوء عبارة! وكم من تقويمٍ نجح بلطف خطاب! وقد أرشد الشرع إلى هذا الأصل العظيم بقوله -تعالى-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، وإن كان هذا التوجيه عاما، فإن الزوجة والأبناء أولى الناس بأن يُخاطَبوا بالحُسنى؛ فهم أقرب القلوب وأشدها تأثرًا بالكلمة. وكان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في التربية والإصلاح قمّة في اللطف والحكمة؛ فلم يكن يواجه المخطئ بالتقريع أو الفضيحة، بل يقول: (ما بال أقوام)، فيُوصل الرسالة، ويعالج الخطأ، ويحفظ في الوقت ذاته ماء الوجه، ويصون الودّ. إن الكلمة الجارحة، ولا سيما في حق الطفل، ليست مجرد وصف عابر، بل هي كرصاصة تُصيب ثقته بنفسه، فتُضعف همته، وربما قتلت طموحه في مهده، أما الكلمة الطيبة المشجعة، فهي وقود النجاح، وبذرة الثقة، التي تنمو مع الأيام حتى تُثمر شخصية متوازنة واثقة، فاختر كلماتك عند الإصلاح؛ فإنك لا تعالج موقفًا فحسب، بل تبني إنسانًا.«اللبنة» الأولى في جدار الأسرة
تُعدّ الكلمة اللَّبِنة الأولى في بناء الأسرة؛ فإمّا أن تكون لبنة صلبة تُشدّ بها أركان البيت، أو تتحول إلى معول هدم يُحدث التصدع في الجدران، حتى يوشك السقف أن ينهار على ساكنيه، فالكلمة الطيبة ليست مجرد لفظ حسن، بل هي بيئة تُنشئ الطمأنينة، ومناخٌ يُهيئ للنمو النفسي والتربوي داخل البيت؛ وتبني الثقة بين القلوب، وتزرع المودة في النفوس، وتمتص الغضب عند اشتداد الأزمات، وقد صوّر القرآن أثرها تصويرًا بديعًا، فقال -تعالى-: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} (إبراهيم: 24)، فثبات البيوت يبدأ من طيب الكلم، وارتفاعها في معاني السكينة إنما يكون بما يُغرس فيها من حسن القول، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والكلمة الطيبة صدقة»، وأحقّ الناس بهذه الصدقة هم الزوجة والأبناء؛ فهم أولى ببرّ اللسان كما هم أولى ببرّ الجَنان، وقد لخّص عمر بن الخطاب -]- هذا المعنى في عبارة جامعة فقال: «البرّ شيء هين: وجه طليق، وكلام لين»، فليكن لسانك في بيتك مصدر دفءٍ لا جفاء، وباب بناءٍ لا هدم؛ فإن البيوت لا تقوم على الجدران، بل على الكلمات التي تُقال فيها.
مِعول الهدم الصامت!
الكلمة القاسية، والسخرية الجارحة، والنقد اللاذع؛ ليست مجرد عبارات عابرة، بل هي كالأحماض الخفية التي تتسلل إلى الروابط الأسرية فتأكلها رويدًا رويدًا حتى تنفصم عُراها؛ فهي تُولّد الحقد في الصدور، وتكسر القلوب في صمت، وتدفع الأبناء إلى الهروب العاطفي خارج جدران البيت بحثًا عن دفءٍ مفقود، وقد ضرب الله لذلك مثلًا بليغًا، فقال -تعالى-: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} (إبراهيم: 26)؛ فالبيت الذي تسوده الكلمة الخبيثة بيتٌ لا قرار فيه ولا استقرار، وإن بدا قائمًا في الظاهر؛ ولمّا كانت الكلمة بهذه الخطورة، حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من التهاون فيها، فقال: «وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا! يهوي بها في جهنم»، فكيف إذا كانت تلك الكلمات تُطلق داخل البيوت، فتُشعل نار الخلافات، وتُعمّق الجراح، وتُهدم المودة؟ وقد لخّص لقمان الحكيم أثر الكلمة حين قال لابنه: «يا بني، إن من الكلام ما هو أشد من الحجر، وأنفذ من إبر الشجر، وأمرّ من الصبر»، في إشارة إلى أن الكلمة قد تكون جرحًا لا يُرى، لكنه يترك أثرًا لا يُنسى، فاحفظي لسانك، فإن الكلمة في البيت إما أن تكون جسرًا للمحبة، أو معولًا للهدم.خلاصات تربوية
إن المرأة الصالحة ليست من يخلو بيتها من الخطأ، بل من تُسارع إلى تصحيحه، وتستلهم الدروس من تجاربها، فتجعل من بيتها ملاذًا للسكينة، لا ميدانًا للنزاع، فكلما أحسنت المرأة إدارة مشاعرها واختيار كلماتها، ازدهر بيتها بالمودة والرحمة، وساد فيه الأمن والاطمئنان.من أخطاء النساء في الحياة الزوجية
الحياة الزوجية ميدان رحمة وسكن، غير أن بعض الأخطاء - وإن كانت بدافع العاطفة - قد تُضعف هذا البناء وتُعكّر صفوه ومن أبرز هذه الأخطاء:- الإكثار من اللوم والعتاب: فبعض النساء تُكثر من النقد وتتبع الأخطاء، حتى تتحول الحياة إلى محكمة دائمة، وهذا يُورث النفور ويُطفئ المودة. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر»، وهو توجيه إلى النظر بعين التوازن لا بعين السخط.
- المقارنة بالآخرين: سواء كانت مقارنة بالرجال الآخرين أو بالبيوت الأخرى، فهي تزرع السخط في النفس، وتُشعر الزوج بالعجز أو التقصير، وتهدم الرضا الذي هو أساس السعادة.
أثر الدعاء في استقرار الأسرة
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء»، الدعاء هو سلاح المرأة المؤمنة وملجؤها في الشدائد، ووسيلتها لتثبيت أركان بيتها، كم من بيت أصلحه دعاء! وكم من قلب اهتدى بمناجاة خالصة في جوف الليل! فلا تغفلي عن هذا الباب العظيم، واجعليه ركيزة لاستقرار أسرتك وسلامها النفسي والروحي.
لاتوجد تعليقات