الأربعون الوقفية الموجزة 14 ..وقف الخيل في سبيل الله
- الوقف في الإسلام مؤسسة شرعية أسهمت في بناء المجتمع الإسلامي وتنظيم مجالات الحياة العامة وقد تطوّر مع الزمن ليشمل صورًا متعددة ومجالات أوسع
- يدل حديث وقف الخيل في سبيل الله على عِظم فضل الوقف واتساع دائرته ليشمل الحيوان وليس فقط العقار والمنقولات ما يؤكد مرونة التشريع الوقفي وشموليته
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويًا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، وذلك بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.
الحديث الرابع عشر: وقف الخيل في سبيل الله
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، بوّب البخاري للحديث بابًا أسماه: (باب من احتبس فرسًا في سبيل الله)، لقوله -تعالى-: {وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ}، وفيه ترغيب وتوجيه لبابٍ من أبواب جريان الحسنات بعد الممات، وبيان لفضل الخيل وجعلها في سبيل الله -سبحانه وتعالى-.معنى الحبس والوقف
و(الحبس) من ألفاظ الوقف، والوقف هو الحبس، فيقال: وقفت الدابة وقفًا؛ أي حبستها في سبيل الله, والحبس هو المنع، وهو يدل على التأبيد، فيقال: وقف فلان أرضه وقفًا مؤبدًا إذا جعلها حبيسًا لا تباع ولا تورث.- والوقف عند الحنابلة هو: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة؛ فمن احتبس فرسًا للجهاد في سبيل الله، فأطعمه وأشبعه، وسقاه وأرواه، وتحمّل روثه وبوله، فكل ذلك في ميزان حسناته إلى يوم القيامة.
- وقوله: (وروثه) يراد به ثواب ذلك، لا أن الأرواث تُوزن بذاتها، يقول الإمام الشوكاني: فيه دليل على جواز وقف الحيوان، والحيوان من المملوك المنقول الذي تبقى عينه بعد الانتفاع به غالبًا، ولو لم يجز وقفه لما رتب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الأجر العظيم.
- وعنون البخاري بعد الباب المتقدم ببابين، قال: (باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة), وروى فيه حديثين:
الخيل في الجهاد وفضائلها
والخيل هي الأساس في الجهاد في سبيل الله؛ لقوله -تعالى-: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}، وروى ابن ماجه من حديث تميم الداري مرفوعًا: «من ارتبط فرسًا في سبيل الله ثم عالج علفه بيده كان له بكل حبة حسنة»، وروى الترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ الخيل لثلاثة: هي لرجل أجر، وهي لرجل ستر، وهي على رجل وزر...». فأما الذي هي له أُجر، فهو الذي يتخذها في سبيل الله ويعدّها له، فهي له أجر، لا يغيب في بطونها شيء إلا كتب الله له أجرًا.الأوقاف الإسلامية والرحمة بالحيوان
وأوقاف المسلمين تعدّت حاجة الإنسان لتفي بحاجة الحيوان؛ فقد وُجدت في كتب التاريخ أوقاف خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقاف للخيول المسنّة والعاجزة، كوقف أرض المرج الأخضر بدمشق، كما وُقفت في العهود الإسلامية العديد من الأوقاف التي خُصص ريعها لخدمة الحيوانات والرفق بها. والحضارة الإسلامية كانت أكثر حضارات العالم إنسانية، ولها السبق في الرفق بالحيوان، لا باعتبارها ممارسة اجتماعية أو عرفًا، بل باعتبارها عبادة يتقرّب بها إلى الله -تعالى-؛ فالرحمة بالحيوان قد تدخل صاحبها الجنة، والقسوة عليه قد تدخله النار.حكم الحديث وفوائده
- جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويُستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات وغير المنقولات من باب أولى، وكل ما ينتفع به المسلمون من جنسه، ومن وسائل النقل الحديثة.
- أن المرء يُؤجر بنيته كما يُؤجر العامل، وأنه لا بأس بذكر الشيء المستقذر بلفظه عند الحاجة.
- أن أفضل الخيل ما أُعد للجهاد ومدافعة الأعداء والتدريب على الفروسية.
- أن الخيل لا غنى عنها في كل زمان، وأن الخير ملازم لها إلى يوم القيامة، وفي ذلك تفضيل لها على غيرها من الدواب.
- أن كل من احتبس فرسًا وجعلها وأعدها للجهاد تقربًا إلى الله -سبحانه وتعالى-، فإن في كل حركة وفعل لها يُكتب له في حسناته.

الأوقاف ونهضة الأمة الإسلامية
تُعَدُّ الأوقاف من أهم أسباب نهضة الأمة الإسلامية؛ لما لها من أثرٍ كبير في دعم العلم والدعوة والرعاية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. فقد أسهمت -عبر التاريخ- في إنشاء المدارس والمساجد والمكتبات والمستشفيات، ورعاية الفقراء وطلاب العلم، ما عزّز قوة المجتمع واستقراره، ويمتاز الوقف بكونه عملًا مستدامًا يستمر نفعه وأثره؛ ولذلك كان من أعظم أبواب الصدقة الجارية. وفي واقعنا المعاصر، تبرز الحاجة إلى إحياء ثقافة الوقف وتطوير مؤسساته؛ لدعم التعليم والصحة والعمل الخيري، والإسهام في معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية، بما يسهم في بناء مجتمعٍ قويٍّ متكافلٍ ومتوازن.
لاتوجد تعليقات