بدايـة الخَلْـق..
- الأسئلة الكبرى التي ينبغي لكل ذي لب أن يبحث عن إجاباتها، لماذا خلقنا؟ وإلام سنؤول؟ وما نهاية المطاف؟ وربما أين كنا قبل أن نخلق؟ وكيف بدأ كل هذا الأمر؟ وكيف سينتهي؟ صاحبي هولندي الجنسية، في بداية السبعين من عمره، يحمل درجة الدكتوراة في علوم الأديان، تعرفت عليه من خلال محاضرة ألقيتها باللغة الإنجليزية، لمجموعة من المسلمين غير الناطقين بالعربية، كان عنوان المحاضرة (لماذا خلقنا الله؟)، جلس معي بعد المحاضرة تبادلنا أرقام الهواتف، وبدأت لقاءاتنا من حينها، حتى توطدت العلاقة بيننا. - حدثني عن دراستك وتخصصك في الأديان؟! كان هذا النقاش في بدايات اجتماعاتنا، نلتقي في أحد المقاهي، أو في منزلي، أو في استراحة المسجد. - منذ صغري، كان لدي فضول أن أتعرف على الاختلاف بين الشعوب، كانت البدايات، اختلاف ألوان الناس، وأشكالهم، ولغاتهم، وأحجامهم، وفي نهاية الأمر، وقبل التحاقي بالجامعة، وجدت أن أهم اختلاف بين البشر، هو الاختلاف في معتقداتهم، وأديانهم، وشعائرهم؛ فقررت دراسة (علم الأديان)، حتى أنهيت درجة الدكتوراة، ودرست هذا العلم، حتى التقاعد، قبل سبع سنين؛ حيث اعتنقت دين الله (الإسلام). - كيف حصل ذلك؟ - لقد نشرت الكثير من الأبحاث، وسافرت إلى أقصى شرق الأرض، وجنوبها، وشمالها، والحمدلله أن زوجتي لم تضجر من كثرة ترحالي؛ بل كانت معي دائما؛ حيث لم يرزقنا الله ذرية، واعتنقت الإسلام معي، وفي النهاية وجدت أن الدين الحق هو الإسلام، وكل عقيدة أخرى إما أنها من تأليف البشر أو تحريفهم. كنت أحاوره، من باب معرفة نظرة (غير المسلمين) لديننا، شعرت أنني أثقلت عليه. - هل أتابع أسئلتي، أم تراني تطفلت كثير؟! قاطعني: - أبدا، أبدا، الحديث معك ممتع، وسوف يأتي دوري لأثقل عليك بالأسئلة، قالها مبتسمًا. - وما الذي جعلك تقتنع أن الإسلام هو الدين الحقّ؟! - ابتداء، هناك تشابه بين الإسلام والنصرانية واليهودية في نقاط كثيرة، مثل خلق آدم وإبليس، والنزول إلى الأرض إلى غير ذلك، ولكن عندما تدخل في التفاصيل، لا تجد إجابة واضحة، محدّدة، صحيحة، دقيقة، إلا في الإسلام، مثلا (بداية الخلق) إلا من خلال القرآن، والسنة الصحيحة، وهذه كانت نقطة البداية بالنسبة لي للدخول في دين الله. - زدني شرحا: - تابع حديثه: - في الحديث عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «قام فينا النبي - صلى الله عليه وسلم - مقامًا فأخبرني عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، ودخل أهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظ ونسيه من نسيه»، هذا الحديث في صحيح البخاري ومسلم، بيّن فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة بداية الخلق بوحي من عند الله -عز وجل-، وربما هو الحديث ذاته بتفصيل آخر، عن عمرو بن أخطب - رضي الله عنه - قال: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفجر فصعد المنبر فخطبنا حتى صلاة الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا». أبهرني صاحبي، بإتقانه للرواية، علمت أنه قضى سنة كاملة في مصر يتعلم اللغة العربية. تابع حديثه: - تابعت شروح هذا الحديث بوصفه بداية لترتيب بداية الخلق، وذلك أن هذا العلم،- أعني كيف بدأ الخلق- من الأمور التي أعلم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - صحابته، وهو أوثق مصدر وأصدقه، ويمكن الاعتماد عليه لمعرفة بداية الخلق، في الشرح وجدت ما يلي: هذا الحديث الدال على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس وأن الله تعالى أعطاه قوة لم يعطها أحدا غيره فقد صلى الفجر - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وصعد المنبر وخطب الناس حتى أذن الظهر ثم نزل فصلى الظهر، ثم عاد فصعد المنبر وخطب حتى أذن العصر فنزل وصلى العصر، ثم صعد المنبر فخطب حتى غابت الشمس، يعني يوما كاملا من صلاة الفجر إلى غروب الشمس وهو - صلى الله عليه وسلم - يخطب ولم يذكر أنه خرج إلى البيت ليتغدى أو نحو ذلك! فإما أن يكون صائما، وإما أن يكون قد انشغل بما هو أهم، وكذلك أيضا لم يذكر أنه صلى راتبة الظهر فيكون هنا اشتغل عن الراتبة بما هو أهم؛ لأن موعظة الناس وتعليم الناس أهم من الراتبة؛ فإن دار الأمر بين أداء الراتبة والتعليم فالتعليم أفضل. قال: وأخبرنا بما كان وما يكون يعني مما أطلعه الله عليه، وليس يعلم الغيب إلا من أطلعه الله عليه فقط؛ فأعلمه الله -عز وجل- في ذلك اليوم شيئا من علوم الغيب الماضية ومن الغيوب المستقبلة، وأخبر بها - صلى الله عليه وسلم - فأعلمنا أحفظنا، يعني: منا من علم وحفظ وبقى ذلك في ذهنه، ومنا من لم يحفظ، ففي هذا دليل على قوة النبي - صلى الله عليه وسلم - ونشاطه وحرصه على إبلاغ الرسالة حتى قام يوما كاملا. يعني الذي حفظ ذلك هو الذي صار أعلم القوم بهذا الأمر. ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتُدِئت إلى أن تفنى إلى أن تبعث، فشمل ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد، في تيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم، ويقرّب ذلك -مع كون معجزاته لا مِرية في كفرها- أنه -صلى الله عليه وسلم- أُعطي جوامع الكلم. فيه: معجزة له - صلى الله عليه وسلم - بخرق الأوقات، والمباركة فيها، حتى اتسعت لنشر ذلك كله, قوله: «فخطبنا حتى غربت الشمس»، ظاهره أن خطبته - صلى الله عليه وسلم - استمرت طول النهار؛ فيحتمل أن يكون حقيقة، ويحتمل أن يكون على سبيل التغليب؛ فتكون بين الخُطب وقفة والله أعلم. أما قوله «فأعلمنا أحفظنا» يعني: من كان أعلم منا حفظ تلك الأشياء أكثر من غيره، أو المراد أن من حفظها أكثر عُدَّ اليوم أعلم.
لاتوجد تعليقات