المرأة المسلمة 1309
العيد مناسبةٌ تربوية عظيمة لتعزيز معاني البر وصلة الرحم داخل الأسرة؛ فزيارة الوالدين، وإكرام الأقارب، والسؤال عن المحتاجين، وإدخال السرور على الكبار والصغار، كلها عباداتٌ جليلة يحبها الله -تعالى-.
العِيد شعيرةٌ عظيمة
العيد في الإسلام ليس مجرد مناسبةٍ للفرح العابر أو الترفيه المؤقت؛ بل شعيرةٌ عظيمة تتجلّى فيها معاني الإيمان والشكر والطاعة والألفة بين المسلمين؛ ولذلك قرن الله -تعالى- العيد بالتكبير فقال -سبحانه-: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة: 185)؛ ليبقى العيد مرتبطًا بذكر الله وتعظيمه، لا بالغفلة والانشغال بالدنيا وحدها.
وقد شرع الإسلام في العيد إظهار الفرح المشروع، وإدخال السرور على الأهل والأبناء، وتجديد المحبة وصلة الأرحام، ونشر معاني الرحمة والتسامح والتراحم داخل الأسرة والمجتمع؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا»، فالعيد شعارٌ من شعائر الإسلام، تظهر فيه وحدة المسلمين وأخوتهم وفرحتهم بطاعة الله وفضله. ومن جميل آداب العيد أن يبدأ المسلم يومه بالتكبير والذكر وصلاة العيد، وأن يحرص على الكلمة الطيبة، وزيارة الأقارب، ومواساة المحتاجين، وإدخال البهجة على القلوب، مع الابتعاد عن كل ما يفسد جمال العيد وروحه من خصوماتٍ أو إسرافٍ أو معاصٍ أو تضييعٍ للصلوات، فليس المقصود من العيد مجرد المظاهر والزينة، وإنما تحقيق معاني الطاعة والقرب من الله -تعالى-؛ ولهذا قال بعض السلف: «ليس العيد لمن لبس الجديد، وإنما العيد لمن طاعته تزيد»؛ فالعيد الحقيقي هو عيد القلب بطاعة الله، وفرحة النفس بالقرب منه، واجتماع الأسرة على المودة والإيمان والرحمة.حين تجتمع القلوب في العيد
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، ومن أعظم المواسم التي تتجلّى فيها معاني صلة الرحم والتواصل الاجتماعي أيامُ العيد؛ حيث تجتمع القلوب بعد تفرّق، وتتجدد المودة بين الأقارب والأحبة، وتُحيا معاني الرحمة والتسامح والإحسان؛ فزيارة الأقارب، وبرُّ الوالدين، والسؤال عن الكبير، وإدخال السرور على الصغير، وتفقّد المحتاجين والمحرومين، كلها عباداتٌ جليلة تُقرّب إلى الله -تعالى-، وتزيد الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع.{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}..
قال الله -تعالى-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: 83)، فالكلمة الطيبة من أعظم ما تؤلّف القلوب وتزرع المودة بين الناس، وكذلك البشاشة، وحسن الخلق، والعفو، والتسامح، وإظهار المحبة للأقارب والأصدقاء والجيران. فكم من قلوبٍ أعادتها كلمةٌ صادقة! وكم من خصوماتٍ أذابتها تهنئةٌ لطيفة أو زيارةٌ مباركة! وكم من نفوسٍ امتلأت سرورًا بسبب موقفٍ كريم أو ابتسامةٍ صادقة! وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ لكَ صدقةٌ»، فكيف إذا اجتمعت البشاشة مع صلة الرحم، والعفو عند المقدرة، وإحياء معاني الأخوة والتراحم في أيامٍ عظيمةٍ مباركة؟! إن العاقل من يجعل العيد فرصةً لتصفية النفوس، ولمّ الشمل، وإصلاح ذات البين؛ فالأعياد لا تكتمل بهجتها إلا بالمحبة الصادقة والقلوب المتسامحة.العِيد موسم بهجةٍ
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيامُ التَّشريقِ أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وذِكرٍ للهِ»، وفي هذا بيانٌ لجمال التوازن الذي جاءت به الشريعة الإسلامية؛ فالإسلام لا يمنع الفرح، ولا يحارب مظاهر السرور المباح، بل يدعو إلى الفرح المنضبط الذي يبقى موصولًا بذكر الله وطاعته، بعيدًا عن الغفلة والمعصية؛ فأيام العيد مواسمُ بهجةٍ وأنسٍ واجتماعٍ للأهل والأحبة، يُظهر فيها المسلم السرور، ويُدخل الفرح على أهله وأولاده، ويتوسّع في المباحات، لكن دون أن يتحول ذلك إلى إسرافٍ أو تضييعٍ للصلوات أو انشغالٍ باللهو عن ذكر الله -تعالى-، قال -سبحانه-: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} (الأعراف: 31)، ومن جمال التربية الإيمانية داخل الأسرة المسلمة أن يتعلم الأبناء أن الفرح الحقيقي لا ينفصل عن الطاعة، وأن العيد ليس إجازةً من العبادة، بل موسمٌ تُحيا فيه شعائر الإسلام من صلاةٍ وذكرٍ وتكبيرٍ وصلة رحمٍ وإحسان؛ فالسعيد حقا من جمع في عيده بين بهجة القلب، واستقامة السلوك، وتعظيم حدود الله -تعالى-.
حقيقة البَركة وبم تنال؟
قال الشيخ عبدالرزاق عبد المحسن البدر: إنّ من المطالب العزيزة الغالية التي يرجوها كلُّ مسلم لنفسه ولأهله وولده وماله ولإخوانه المسلمين البركة، وهي مطلب عظيم رفيع، وكلٌّ يرجو أن تحلَّ عليه بركة يسعد بها في دنياه وأخراه، ويهنأ بها في معاشه ومعاده ويوم يلقى ربه وسيده ومولاه، والبركة منَّة الله على من شاء من عباده فهي بيده -سبحانه وتعالى-؛ إذ أزمّة الأمور كلِّها بيده -جلّ وعلا- {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }( فاطر: 1)، وهو -سبحانه- الذي يبارك من شاء، قال -جل وعلا- فيما ذكره عن عيسى -عليه السلام-:{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} ( مريم: 31 ) ولا تُنال إلا بطاعته -عزّ وجلّ- واتباع رضاه، والبعد عن عِصيانه{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(الأعراف: 96 ).السّلف وإحياء أيام العِيد
كان السلف يحيون أيام العيد بالتكبير وإظهار شعائر الإسلام، لما في ذلك من تعظيمٍ لله وإحياءٍ لمعاني الإيمان في النفوس؛ فالتكبير ليس مجرد كلماتٍ تُقال، بل هو رسالةٌ تربوية تُذكّر القلوب بعظمة الله، وأن الفرح الحقيقي إنما يكون بطاعته وفضله وهدايته، وما أجمل أن يسمع الأبناء تكبيرات العيد تتردد في بيوتهم من آبائهم وأمهاتهم! فتترسخ في قلوبهم هيبة الشعائر، ومحبة العبادة، والاعتزاز بهوية الإسلام، فينشؤون وهم يربطون العيد بالذكر والطاعة، لا بالمظاهر والغفلة وحدها.خلق العفاف
العفاف كلمةٌ عظيمة ومطلبٌ جليل؛ يطمع في نيله الشرفاء والفضلاء، والكرماء والنزهاء، ولا يرضى أحدٌ لنفسه ولا لذويه أن يُنسب إلى ضدِّه ونقيضه من فسقٍ أو فجورٍ أو خنًا أو فساد أو غير ذلك، والله -عزَّوجل- أمر عباده بالعفاف، وأمر به نبيُه - صلى الله عليه وسلم -، ويترتب على العفاف من الآثار والخيرات الغِزار في الدنيا والآخرة ما لا يحصيه إلا الله -تعالى-، قال الله -عز وجل- : {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } (النور:33).زيادة العمر بصلة الرّحم
قال الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله-: معنى زيادة العمر بصلة الرّحم في حديث «مَن أحبَّ أن يُنْسَأ له في أثره»، تكون الزيادة بالبركة، وتكون الزيادة بالسنين، وقد تكون مُعلَّقةً، فقد يكتب اللهُ لإنسانٍ مئة سنةٍ على صلة رحمه، والآخر كتب له ثمانين على صلة رحمه، والثالث كتب له ستين على صلة رحمه، قَدَرٌ مُعلَّقٌ على هذه الأسباب.العِيد هو فرحة الطاعة
العيد الحقيقي هو فرحة الطاعة، وسكينة القلب، واجتماع الأسرة على الإيمان والمحبة؛ ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يربط الأعياد بذكر الله وشكره وتعظيمه، حتى تبقى فرحة المسلم موصولةً بخالقه -سبحانه- لا بزينة الدنيا وحدها.
لاتوجد تعليقات