شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَّهْيُّ عن ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ البَغِيِّ وحُلْوَانِ الكَاهِنِ
- حرص الإسلامُ على اتِّخاِذ سُبُلِ الرِّزقِ الطيِّبةِ والبُعدِ عن كُلِّ كسب خَبيث
- نَهَى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكلْبِ وأخْذِ ثَمَنِه مُطلقاً وما يُكتسب مِنْ ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، ومَهْرِ الْبَغِيِّ، وحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» رواه مسلم في المساقاة (3/1198) باب: تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنّهي بيع السنّور.
- في هذا الحديثِ نَهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ثَلاثةِ أشياءَ:
الأوَّلُ: النهي عن بيع الكلب
نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكلْبِ، وأخْذِ ثَمَنِه مُطلقاً، وما يتمَّ كَسْبُهُ مِنْ ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ؛ وذلك لأنَّ الكلْبَ مَنْهِيٌّ عَنِ اقتنائِهِ وتَربيتِهِ، إلَّا كلْبَ الماشيةِ والحَرْث. قيل: إنَّ هذا حكْمٌ عامٌّ، سُواءٌ كان مُعلَّماً على الصَّيدِ أو غيرَ مُعلَّمٍ، أو كان ممَّا يَجوزُ اقتِناؤه، أو ممَّا لا يَجوزُ اقتِناؤُه.- والصحيح: أنّه يُستثنَى مِن ذلك كَلبُ الحِراسةِ والصَّيدِ؛ لأنَّه ذُو مَنفَعةٍ، مأذونٍ فيه، كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنِ اقتَنى كَلباً إلَّا كَلباً ضارياً لصَيدٍ، أو كَلبَ ماشيةٍ، فإنَّه يَنقُصُ مِن أجرِه كُلَّ يَومٍ قيراطانِ»؛ متفق عليه.
الثاني: النهي عن مَهْرِ البَغِي
- قوله: «ومَهْرِ البَغِي» هو ما تُعطاه على الزّنا، وسُمّي مَهْراً لكَونِه على صُورتِه، أو على سبيل المجاز، إذْ هو حَرام؛ لأنه في مقابلة حرام، فمَهْرِ البَغيِّ، وهو الثَّمَنُ الَّذي تَتَقاضاهُ الزَّانيةُ مُقابلَ تَسليمِ نفْسِها للرجُلِ الأجْنبيِّ، وقدْ كانوا في الجاهليَّةِ يُكرِهون إماءَهم على الزِّنا والاكتسابِ به، فأنْكَرَ الإسلامُ عليهم ذلك، كما في قَولِ اللهِ -تعالى-: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور: 33), في حديث أبي هريرة: «نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كَسْبِ الإمَاء». زاد أبو داود: من حديث رافع بن خُديج: «نَهَى عن كسْبِ الأمَة، حتّى يُعْلمَ مَنْ أينَ هو؟».
الثالث: النهي عن حلوان الكاهن
- قوله: «وحُلْوانِ الكَاهِن» وهو ما يُعطَاه على كهانته، وأصْله مِنَ الحَلاوة، شُبّه بالشيء الحُلو؛ مِنْ حيث إنه يأخذه سَهلاً بلا كلفةٍ ولا مَشقّة، قال الحافظ: وهو حرامٌ بالإجْماع، لما فيه مِنْ أخَذ العِوض على أمرٍ بَاطل، وفي معناه: التنجيم والضرب بالحصى، وغير ذلك ممّا يَتعاطاه العَرّافون من استطلاع الغيب». «الفتح» (4/ 427).
أنواع الكهانة
وقال الخطابي: «الكهنة قومٌ لهم أذهانٌ حادّة، ونفوسٌ شريرة، وطباعٌ نارية، فألِفَتهم الشياطين لما بينهم مِنَ التّناسب في هذه الأمُور، ومساعدتهم بكلّ ما تَصل قُدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية، خُصُوصاً في العرب، لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أربعة أصناف:النوع الأول: التلقي من الجن
منها: ما يتلقّونه مِنَ الجنّ، فإنّ الجنّ كانوا يَصْعدُون إلى جِهة السّماء، فيركبُ بعضُهم بعضاً إلى أنْ يدنُو الأعلى؛ بحيثُ يسمعُ الكلام، فيُلقيه إلى الذي يليه إلى أنْ يتلقّاه مَنْ يلقيه في أذُن الكاهن، فيزيدُ فيه، فلمّا جاء الإسلام ونَزَل القرآن، حُرسَت السّماء مِنَ الشّياطين، وأُرْسلت عليهم الشُّهُب، فبقيَ مَن اسْتراقِهم ما يَتخطّفُه الأعلى، فيُلقيه إلى الأسْفل قبل أنْ يُصيبه الشّهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله -تعالى-: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} (الصافات: 10)، وكانت إصابةُ الكهان قبل الإسلام كثيرة جدًّا؛ كما جاء في أخبار شقّ وسطيح ونحوهما، وأمّا في الإسْلام فقد ندر ذلك جدّاً، حتى كادَ يَضمحلُ، ولله الحمد.النوع الثاني: ما يُخبر الجنّيّ به مَنْ يُواليه
ما يُخبر الجنّيّ به مَنْ يُواليه، بما غابَ عن غيره ممّا لا يطلع عليه الإنسان غالباً، أو يطّلع عليه مَنْ قرُب منه لا من بعد.النوع الثالث: ما يُستندُ إلى الظَنٍّ والتخمينٍ
ما يُستندُ إلى ظَنٍّ وتخمينٍ وحدس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة؛ مع كثرة الكذب فيه.النوع الرابع: ما يستند إلى التّجربة والعادة
رابعها: ما يستند إلى التّجربة والعادة، فيستدلُّ على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يُضَاهي السِّحر، وقد يعتقد بعضهم في ذلك بالزّجر والطَّرْق والنُّجوم، وكلُّ ذلك مذمومٌ شرعًا، وورد في ذمّ الكِهَانة ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الحاكم: من حديث أبي هريرة رفعه: «ومَنْ أتَى كاهِناً أو عَرّافاً فصدَّقه بما يقول، فقد كَفَر بما أنزلَ على مُحمّد». ولمسلم: من حديث امرأة من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومَنْ أتَى عَرّافاً أو سَاحِراً أو كاهناً؛ فصَدّقه بما يقول، لمْ تُقبل له صلاةُ أرْبعينَ يوماً». «الفتح» (10/ 216). - قال الحافظ: «والوعيدُ قد جاء تارةً بعدَم قَبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين من الآتي، أشارَ إلى ذلك القرطبي، والعَرّاف: مَنْ يَستخرج الوقوف على المغيبات؛ بِضَربٍ مِنْ فعلٍ أو قول». انتهى. - قال شيخ الإسلام: «وصناعةُ التّنْجيم، وأخذُ الأجْرة عليها، وبذلها، حَرامٌ بإجْماع المسلمين، وعلى وُلاة أمُور المُسْلمين المَنْع من ذلك، والقيام في ذلك؛ مِنْ أفضل الجِهادِ في سبيل الله». «مجموع الفتاوى» (35/ 197).فوائد الحَديثِ
- تحريم بيع الكلب؛ إلا كلبَ الصّيد المعلّم.
- وفيه: الحثُّ على تَجنُّبِ البُيوعِ الخَبيثةِ، ببَيعِ المُحرَّماتِ أو المَنْهيِّ عنه.
- حِرصُ الإسلامُ على اتِّخاِذ سُبُلِ الرِّزقِ الطيِّبةِ، والبُعدِ عن كُلِّ سَبيلٍ خَبيثةٍ.
باب: النَّهْيُّ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِراً - رضي الله عنه -: عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ؟ قَالَ: «زَجَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ»، أخرجه مسلم في الباب السابق، في هذا الحديثِ يقولُ جابِرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما-: «زَجرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- عن ثَمَنِ الكَلبِ»، أي: نَهَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكَلبِ أو شِرائِه بشدّةٍ، لأنَّ الكَلبَ لا يُؤكَلُ، ويَحرَّمٌ اقتناؤه؛ إلا الكلبَ المُعلّم للصّيد والحِراسة كما سبق. قال: «والسِّنَّوْرِ» أي: نَهَى أيضاً عن ثَمَنِ السِّنَّوْرِ، وهو القِطُّ، قيل: هو لا مَنفَعةَ له، أو هو كالمُتوحِّشُ الذي لا يُقدَر على تَسليمه، وقد ذهبَ جماعةٌ من العلماء إلى جواز بيع السّنّور، منْ أهل المَذَاهب الأربعة وغيرهم، وذهبَ بعضُ أهلِ العلم إلى تَحْريمه وهُم الظّاهريّة، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة ومجاهد وجابر بن زيد، وحكاه المُنذري عن طاووس، وهو الراجحُ الذي يدلُّ عليه النَّصّ، كما في حديث الباب، وعند البيهقي: عن جابر أيضاً: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم- عنْ أكل الهِرّة، وأكلِ ثَمَنها, وقد ذهبَ بعض أهلُ العلمِ إلى تَضعيف هذه الأحاديث؟ ولكن قولهم مَرْدُود.- قال الحافظ النووي في «المجموع»: «وأمّا ما ذَكره الخَطّابي وابن المنذر، أنَّ الحديث ضعيفٌ، فغلطٌ منهما؛ لأنَّ الحديثَ في صحيح مسلم بإسنادٍ صحيح», وقال الشوكاني في «النيل» ردَّاً على الجُمْهور؛ الذين حَمَلُوا النّهيَ في الحديث على كراهة التّنْزيه، وأنَّ بيعه ليسَ مِنْ مَكارِم الأخْلاق والمُرُوءات، فقال: «ولا يَخْفى أنَّ هذا إخْراجُ النّهْي عن معناه الحَقيقي؛ بلا مُقتضٍ».
- وقال البيهقي في السنن: ردّاً على الجُمهور أيضاً: «وقد حَمَله بعض أهل العلم على الهرّ إذا تَوحشّ فلمْ يُقْدر على تَسْليمه، ومنْهم مَنْ زَعَمَ أنّ ذلك كان في ابتداء الإسْلام، حين كان مَحْكُوماً بنَجَاسته؟ ثُمّ حين صارَ مَحكوماً بطهارة سُؤْره؛ حَلّ ثَمنُه، وليسَ على واحدٍ مِنْ هذين القَولين دلالةٌ بيّنة». انتهى.
- وجزم الإمام ابنُ القيم بتَحْريم بيعه في «زاد المعاد»، وقال: «وكذلك أفْتَى أبو هريرة - رضي الله عنه -، وهو مذهبُ طاووس ومجاهد وجابر بن زيد، وجميع أهل الظّاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي اختيار أبي بكر، وهو الصواب لصحّة الحديث بذلك، وعدم ما يُعَارضه، فوجبَ القَولُ به». انتهى وقال ابن المنذر: «إنْ ثَبَتَ عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم- النّهيُّ عن بيعه؛ فبيعه باطلٌ، وإلا فجائز». انتهى, قد عرفتَ ثُبُوت الحديث، فلازم مذهب ابن المنذر: تحريم بيعه.
لاتوجد تعليقات