رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 4 مايو، 2026 0 تعليق

الأربعون الوقفية  الموجزة 13 ..  وقف المراكب  في سبيل الله

  • الوقف في سبيل الله من أفضل وجوه الإنفاق وأعظمها أجرًا وأعمها فائدة وأدومها نفعًا وأبقاها أثراً
  • من عظيم فضل الله على عباده أنه يضاعف الأجر على يسير الأعمال فيمنح الكثير على القليل ويجزي بالإحسان أضعافًا مضاعفة
 

منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويًا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، وذلك بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.

الحديث الثالث عشر .. وقف المراكب في سبيل الله

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رسول اللهُ - صلى الله عليه وسلم -: «لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ». الوقف في سبيل الله من أفضل وجوه الإنفاق، وأعظمها أجرًا، وأعمها فائدة، وأدومها نفعًا، وأبقاها أثراً، وقد بين نبينا - صلى الله عليه وسلم - فضل الإنفاق، والتصدق في سبيل الله، وثماره وآثاره، ومضاعفة الأجر لصاحبه، ففي الحديث: أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بناقة فيها خطام، فقال: هذه في سبيل الله أي: صدقة في سبيل الله -سبحانه وتعالى-؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة، كلها مخطومة، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: معنى: «مخطومة»  أي: فيها خطام، وهو قريب من الزمام، قيل: يحتمل أن المراد: له أجر سبعمائة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنة بها سبعمائة، كل واحدة منهن مخطومة، يركبهن حيث شاء للتنزه، كما جاء في خيل الجنة ونجبها؛ وهذا الاحتمال أظهر.

مضاعفة الحسنات

         وقد وردت في السنة أحاديث بمضاعفة الحسنة إلى سبعمائة ضعف؛ فعن عياض بن غطيف قال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابه -وامرأته تحيفة قاعدة عند رأسه-، قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله لقد بات بأجر! قال أبو عبيدة: ما بت بأجر، وكان مقبلًا بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه، وقال: ألا تسألوني عما قلت؟ قالوا: ما أعجبنا ما قلت؛ فنسألك عنه، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:  من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضًا أو ما زاد أذى؛ فالحسنة بعشرة أمثالها، والصوم جُنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله -عز وجل- ببلاء في جسده فهو له حطة. واستدل العلماء من الحديث أن الناقة من دواب الجنة، ومن وسائل التنقل فيها، وكذلك الخيل؛ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان، فحملت عليه ثم طار بك حيث شئت في الجنة، وفي الجنة من الطيور والدواب مالا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى-، قال -تعالى فيما يناله أهل الجنة من النعيم-: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ}.

الفرس التي حبست في سبيل الله

قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا في سَبِيل الله، إيمانًا بالله، وتَصْدِيقًا بِوَعْدِه، فإن شِبَعَهُ وريَّه ورَوْثَهُ وبَوْلَه في مِيْزَانه يوم القيامة».(رواه البخاري).

 معنى في سبيل الله

         وقد تنوعت عبارات السلف في بيان معنى (في سبيل الله)، فقال سعيد بن جبير: يعني: في طاعة الله. وقال مكحول: يعني به: الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل، وإعداد السلاح، وغير ذلك، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الجهاد والحج يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف، وقال بعض أهل العلم: بأن (في سبيل الله) تعم جميع الإنفاق في وجوه الخير، ومن أعظمها: الجهاد. وفي وقف الخيل وأشباهه من الحيوانات، يقول ابن قدامة في (المغني): الذي يجوز وقفه هو ما جاز الانتفاع به؛ مع بقاء عينه، وكان أصلاً يبقى بقاء متصلاً؛ كالعقار، والحيوانات، والسلاح والأثاث، وأشباه ذلك... والفرس الحبيس إذا عطب فلم ينتفع به في الجهاد جاز بيعه، وصرف ثمنه في مثله، ولم يجز إنفاقها على الفَرَس؛ لأنه صرف لها إلى غير جهتها.

حكم الحديث وفوائده

  • فضيلة الوقف والإنفاق في سبيل الله.
  • جواز وقف المنقول؛ كالحيوان وغيره.
  • الحث والترغيب في الإنفاق في سبيل الله.
  • إن من فضل الله على عباده أنه يضاعف الأجر على الأعمال اليسيرة؛ فالصدقة تُنمّى حتى يبلغ أجرها سبعمائة ضعف، وهي سبب لنيل رضا الله ودخول الجنة، قال -تعالى-: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}.

نماذج للوقف في عصر النبوة

       أول وقف في الإسلام هو مسجد قباء الذي أسسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مهاجراً إلى المدينة المنورة قبل أن يدخلها، ثم بعد ذلك المسجد النبوي بالمدينة؛ حيث بناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السنة الأولى للهجرة، كما أن أول صدقة في الإسلام هي صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حين وقف الحوائط السبعة بالمدينة، وقيل إن أول صدقة في الإسلام هي صدقة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سنة سبع من الهجرة حين رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر. عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه -أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّة» ؛ «فَحَفَرْتُهَا»، وعندما ضاق المسجد بأهله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدَهَا فِي المَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الجَنَّةِ؟» «فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي»، وقد وقف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، عَنِ ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما-:أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، قَالَ» فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ - رضي الله عنه-، وأوصى: (أَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّل).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك