رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 4 مايو، 2026 0 تعليق

الحصانات والامتيازات الدبلوماسية .. في الفقه الإسلامي والقانون الدولي(3) أسس الحصانة الدبلوماسية

  • المزايا والحصانات المذكورة ليس الغرض منها تمييز أفراد وإنما تمكين البعثات الدبلوماسية بوصفها ممثلة للدول للقيام بمهامها على وجه مجـدٍّ».
  • منح هذه الحصانات والامتيازات والتمتع بها لا يعني مطلقا الرخصة للاستخفاف بالقوانين المحلية، أو تجاهل عادات مجتمع الدولة المضيفة وتقاليدها وقيمها
 

ما زلنا في استعراض البحث الموجز في (أحكام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي)، الذي تناول فيه مؤلفه الشيخ: د. وليد خالد الربيع (أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة جامعة الكويت) أهم ملامح هذا الجانب المهم من الدبلوماسية والعلاقات الدولية، مبيّنًا مواضع التلاقي والافتراق بينهما، ونستكمل في هذه الحلقة الحديث عن (أسس الحصانة الدبلوماسية)، وكنا قد تحدثنا عن التسويغ القانوني لهذه الحصانات والامتيازات في ثلاث نظريات، ذكرنا منهم نظريتين: نظرية الامتداد الإقليمي، ونظرية الصفة التمثيلية، واليوم نتحدث عن النظرية الثالثة وهي: نظرية مقتضيات الوظيفة.

        ترتكز نظرية مقتضيات الوظيفة على مبدأ متطلبات الوظيفة والضرورات العملية لأداء الوظائف الدبلوماسية على أحسن وجه؛ فالحصانات والمزايا التي يتمتع بها المبعوثون الدبلوماسيون ضرورة يقتضيها قيامهم بمهام وظائفهم في جو من الطمأنينة بعيدا عن مختلف المؤثرات في الدول المعتمدين لديها.

أكثر النظريات منطقية

          فالمجتمع الدولي استحسن الأخذ بهذه النظرية؛ لأنها أكثر النظريات مسايرة لمنطق الأمور وأشملها وتتماشى مع الاتجاهات الحديثة في القانون الدولي المعاصر، في حين لم تقدم النظريتان الأخريان التسويغ الموضوعي المقبول لأسس منح الحصانات والامتيازات الدبلوماسية؛ ولهذا أشار إلى هذه النظرية تقرير أعمال معهد القانون الدولي دورة فيينا عام 1934م ما نصه: «إن أساس الحصانات الدبلوماسية يكمن في المصلحة الوظيفية»، وكذلك تناولها تقرير لجنة القانون الدولي المقدم إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1956م، وأخيرا تبنت هذه النظرية اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961م؛ حيث جاء في مقدمتها: «إن الدول الأعضاء في هذه الاتفاقية تعتقد أن المزايا والحصانات المذكورة ليس الغرض منها تمييز أفراد وإنما تمكين البعثات الدبلوماسية بوصفها ممثلة للدول للقيام بمهامها على وجه مجـدٍّ».

ليست رخصة للاستخفاف بالقوانين

        ومما تجدر الإشارة إليه أن منح هذه الحصانات والامتيازات والتمتع بها لا يعني مطلقا الرخصة للاستخفاف بالقوانين المحلية، أو تجاهل عادات مجتمع الدولة المضيفة وتقاليدها وقيمها ؛ فالحصانة تعني عدم الخضوع لاختصاصات المحاكم المحلية وليس الإعفاء من الالتزام بقوانين البلد الممثل فيه الدبلوماسي، وقد أشارت إلى هذا المعنى المادة (41) من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية؛ حيث نصت على أنه:» «من واجب جميع الأشخاص الذين يتمتعون بهذه الامتيازات والحصانات احترام الدولة المستقبلة وأنظمتها».

موقف الفقهاء من النظريات الثلاث

        وبالنظر في النظريات المتقدمة وموقف فقهاء القانون الدولي منها وما اشتملت عليه من مقومات وانتـقادات يمكن القول بما يلي: النظرية الأولى والثانية لا تتفقان مع قواعد الإسلام؛ لاحتوائهما على عدد من المحاذير الشرعية، أما النظرية الثالثة وهي نظرية مقتضيات الوظيفة فبالنظر إلى ركائزها ومقوماتها  يظهر أنها لا تشتمل على محظور شرعي ولا تتعارض مع الأساس الشرعي الذي تستند إليه الحصانة الدبلوماسية في الفقه الإسلامي، وهو مبدأ الأمان الذي دلت عليه النصوص الشرعية والآثار والقواعد الكلية، كما أنه يحقق مصلحة شرعية تعود على الأمة بمجموعها في علاقاتها مع الدول الأخرى، وأيضا يحقق مصلحة للرسل والموفدين؛ حيث سيتمتعون بالحصانات والامتيازات التي ستمكنهم من أداء مهماتهم على أكمل الوجوه دون تأثير من الدول المضيفة لهم، وما كان كذلك فهو مباح وجائز باعتبار أن الأصل في العادات الإباحة، وأن هذه الإباحة مقيدة بما لا يخالف الشرع أو يترتب عليه ضرر عام أو خاص.

فقه السياسة الشرعية

        تنوّعت عبارات العلماء في تعريف السياسة الشرعية، بين مَن وسَّع مفهومها ومَن ضيَّقه، غير أنّها تدور في الجملة حول معنى جامعٍ يتصل بإدارة شؤون الأمة على وفق مقاصد الشريعة وضوابطها، وهذه جملة من أهم ما قيل فيها عند أهل العلم. يُعدّ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من أبرز من أصل لهذا الباب؛ إذ يرى أن السياسة الشرعية هي: إصلاح الراعي والرعية بإقامة العدل وتنفيذ أحكام الشريعة، وجعل الكتاب والسنة مرجعًا أعلى في تدبير شؤون الدولة، مع العناية بحفظ الأمانات، وإقامة الحقوق، وتنفيذ الحدود، بما يحقق مصالح العباد في الدنيا والآخرة. وهي عنده ليست مجرد إجراءات إدارية، بل منظومة متكاملة متجذّرة في أصل العقيدة، لا تنفك عن التوحيد ولا تنفصل عن مقاصد الدين. وقال ابن نُجيم: هي فعل ما يراه الحاكم مصلحةً، وإن لم يرد به دليلٌ جزئيٌّ خاص. وعرّفها ابن عقيل الحنبلي بقوله: هي ما يكون به الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يرد به نصٌّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا وحي. وقال عبد الرحمن تاج: هي مجموعة الأحكام والتصرفات التي تُدار بها شؤون الدولة الإسلامية في أنظمتها التشريعية والقضائية والتنفيذية والإدارية، وفي علاقاتها الخارجية. وقال عبد الوهاب خلاف: هي علم يبحث في تدبير شؤون الدولة الإسلامية بالقوانين والنظم الموافقة لأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليلٌ خاص. وخلاصة القول أنَّ السياسة الشرعية هي: جملة القرارات والتصرفات التي تصدر عن وليّ الأمر -حاكمًا كان أو من يقوم مقامه من أهل العلم والنظر- في نطاق النصوص الشرعية من حيث تطبيقها وتنزيلها، أو فيما لا نص فيه بما يحقق مصلحة الأمة، وفق مقاصد الشريعة وضوابطها. وبهذا يظهر أن السياسة الشرعية ليست مجالًا منفصلًا عن الدين، بل هي امتداد عملي له؛ أساسها الشريعة، ومرتكزها العقيدة، ومقصدها تحقيق العدل ودفع الفساد، وتقوم على مراعاة المصالح المعتبرة شرعًا، مع الالتزام بالضوابط الكلية للنصوص؛ بحيث تبقى السلطة في إطار العبودية لله، لا في إطار الهوى أو المصلحة المجردة. فهي في حقيقتها توازنٌ دقيق بين النص والمصلحة، وبين الثبات الشرعي والحركة الواقعية، بما يضمن صلاح الدنيا واستقامة الدين، وتحقيق عمارة الأرض على هدي الوحي.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك