رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 6 يناير، 2014 0 تعليق

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 73 ) باب : عقص الرأس في الصلاة


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 وبعد:

 فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.

352-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأْسِي؟! فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا، مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ».

- الشرح : قال المنذري: باب: عقص الرأس في الصلاة. وأخرجه مسلم في الصلاة (1/355) وبوب عليه النووي: باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة.

     عبد اللَّه بن الحارث هو ابن نوفل الهاشمي أبومحمد المدني، أمير البصرة، له رؤية، ولأبيه وجده صحبة، قال ابن عبدالبر: أجمعوا على ثقته، مات سنة تسع وسبعين، ويقال : سنة أربع وثمانين. روى له الستة .

 قوله: «معقوص» عَقَصَ الشَّعْر: ضَفَّرَهُ وفَتَلَهُ, والْعِقَاص: خَيطٌ يُشَدّ بِهِ أَطْرَاف الذَّوَائِب.

والنَهْي عن العَقْص في الصَّلاة، يعني أن يربط الرجل شعره بخيط أو غير ذلك وهو يصلي، وكذلك النَهْي عن تشمير الثوب في الصلاة .

قوله: «وَهُوَ مَكْتُوف» كَتَفْته كَتْفًا كَضَرَبْته ضَرْبًا، إِذَا شَدَدْت يَده إلَى خَلْف كَتفيْه مُوثَقًا بحبْل.

     قَال النَّوويّ: اتَّفَق الْعلَماء علَى النَّهي عن الصَّلاة وثَوْبه مُشَمَّر, وكُمّه أَو نحوه أَو رَأْسه مَعْقُوص، أَو مرْدُود شَعْره تَحْت عمامَته، أَو نحْو ذلك, فكُلّ هذا منهيّ عنه باتِّفَاق الْعلَماء، وهو كَراهة تَنْزيه, فَلَو صلَّى كَذلك فقد أَساءَ وصحَّتْ صلاَته. (4/ 209).

     فالحديث فيه نَهى النبِيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُصلِّي الرجل ورأسه مَعْقوص، يعني نهى أنْ يكون شعره ذو ضفائر،  أو أنْ يربطه بخيط في الصلاة، وقد أمرَ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعةِ آراب - يعني سبعة أعضاء - ونَهى أن يَكِفَّ شعره وثوبَه - يعني نهى أنْ يضم شعره ويربطه بشيء، أو أنْ يشمر ثوبه أو كمّه أو نحو ذلك في الصلاة .

     والحكْمة أنْ لا يكون شبيهًا بالمكتوف الَّذي ربطَت يده خلْفه، فإنَّه إذا سجدَ لا تسجد يَداه معه، بل إذا إذا سجَد، فإن الشعر يَسْجد معه.   واعلم أنَّ النَهْي مختصٌّ بالرِّجال على الصحيح دون النِّساء .

     وقد ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنَّه دخل المسجد، فرأى فيه رجلاً يُصلِّي عاقصًا شعره، فلمَّا انصرفَ قال عبدالله بن مَسْعودٍ للرجل: إذا صلَّيت فلا تعقصَنَّ شعرك، فإنَّ شعرك يَسْجد معك، ولك بكلِّ شعرةٍ أَجْر، فقال الرَّجلُ: إنِّي أخافُ أنْ يتترب، قال: تَتْريبُه خيرٌ لك .

وهو أثر صحيح: رواه عبدالرزاق (2/ 185)، وابن أبي شيبة (2/ 194)، والطبراني في الكبير (9/ 267) وثبت نحوه أيضًا عن ابن عمر.

 وفي الحديث: مشروعية تغيير المحرّم والمكروه باليد، وهو فيما يقدر عليه الإنسان، ولم يترتب عليه مفسدة أعظم، وإلا فباللسان، ثم بالقلب .

وأنه لا يؤخر إلا لمصلحة؛ إذْ لم يؤخره ابن عباس حتى يفرغ من الصلاة. وفيه: حرص الصحابة رضي الله عنهم على تبليغ العلم ، مما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

  151- باب: الصلاة بحضرة الطعام

 353.عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ، وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ».

- الشرح :  قال المنذري: باب: الصلاة بحضرة الطعام. والحديث أخرجه مسلم في المساجد (1/392) وبوب عليه النووي: باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين .

     قوله: «إذا قرب العشاء، وحضرت الصلاة» أي: إذا حضر طعام العشاء في وقت الصلاة، فالمستحب أنْ يبدأ بالعَشاء، قبل الصلاة; ليكون أفرغ لقلبه، وأحضر لباله، وأكمل لخشوعه في صلاته .

     لكن لا ينبغي له أن يتعمد الإتيان بالعشاء وقت الصلاة؟! لكن لو حضرالعشاء دون تعمد بل اتفق ذلك، فإنه يبدأ بالعشاء ولو فاتته الجماعة أو بعضها، حتى يأتي الصلاة وقلبه فارغ غير مشغول ولا مشوش.

      ولا يستحب أنْ يَعجل عن عشائه أو غدائه، فإنّ في الرواية الأخرى لمسلم: أن أنسا رضي الله عنه قال: إن النبي[ قال: «إذا قُرّب العشاءُ وحضرت الصلاة، فابدؤوا به قبل أنْ تُصلوا صلاة المغرب، ولا تَعجلوا عن عشائكم».

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إني سمعت رسول الله[ يقول: «لا صلاةَ بحضرةِ طعام، ولا وهو يُدافعه الأخبثان» رواه  مسلم وغيره.

 ولا فرق بين أنْ يخاف فوتها في الجماعة، أو لا يخاف ذلك، فإن في بعض ألفاظ حديث أنس السابق: «إذا حَضر العشاءُ، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء».

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله[: «إذا قُرب عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعَشاء، ولا يَعْجلن حتى يفرغ منه». رواهما مسلم وغيره.

     وتعشى ابن عمر، وهو يسمع قراءة الإمام. قال ابن قدامة: قال أصحابنا: إنما يقدم العشاء على الجماعة إذا كانت نفسه تتوق إلى الطعام كثيرا، ونحوه قال الشافعي، وقال مالك: يبدؤون بالصلاة، إلا أن يكون طعاما خفيفا!

وقال بظاهر الحديث عمر وابنه، وإسحاق وابن المنذر.

     وقال  ابن عباس: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء. قال  ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام ، فأكمل صلاته أن صلاته تجزئه، كذلك إذا صلى حاقنا. وقال الشافعي وأبو حنيفة  والعنبري: يكره أن يصلي وهو حاقن، وصلاته جائزة مع ذلك، إنْ لم يترك شيئا من فروضها.

وقال مالك: أحب أن يعيد إذا شغله ذلك.

قال  الطحاوي : لا يختلفون أنه لو شغل قلبه بشيء من الدنيا، أنه لا يستحب له الإعادة، كذلك إذا شغله البول. (المغني)

 فإن صلى في هذه الحال وترك الطعام، فصلاته صحيحةٌ مع الكراهة، وقيل: لا تصح؛ وهما قولان للعلماء.

     ومنشأ الخلاف : هل النفي في الحديث: «لا صلاة بحضرة الطعام» هو نفيٌّ للصحة أو نفي للكمال؟ قولان للعلماء، أرجحهما: أنه نفيٌ للكمال، كما هو مذهب الجمهور، والثاني : نفيٌ للصحة، وهو قول أهل الظاهر وجماعة.

      فيكون المعنى على الصحيح: لا صلاة كاملة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان. وفي حديث عائشة أنها أنكرت على القاسم مخالفته للحديث، وقيامه للصلاة وهو بحضرة الطعام.

والحديث: فيه دليل على أن عادة الصحابة رضي الله عنهم أنهم يتعشون قبل المغرب، كحال أهل نجد سابقًا وغيرهم .

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك