الوسطية والاعتدال ومعالجة التطرف (2)
ما زلنا نستعرض المحاضرة القيمة للشيخ د. عبد السلام بن محمد الشويعر التي كانت بعنوان (الوسطية والاعتدال ومعالجة التطرف)؛ حيث بين أنْ مما أنعم الله -عز وجل- به على أمة الإسلام أن أنعم عليها بنعوت كاملة وصفات لم يوصف بها أحد قبلهم، فهم وسط بين الأمم، ليسوا ضالين ولا مغضوبا عليهم، وكل مؤمن ومؤمنة إذا صلى قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (الفاتحة: 6 - 7)، الذي ينعم عليه فلا يكون ضالا ولا يكون مغضوبا عليه، وهم الذين يكونون وسطا؛ لأن الله -عز وجل- ذكر في سورة الفاتحة:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}.
تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - من الغلو
لقد حذر النبي -[- أن نغلو في كل شيء، أن نغلو في فعل القلوب، أو أن نغلو في ألفاظ اللسان، أو أن نغلو في أفعال الجوارح، وكل هذه الأمور فيها غلو، من غلا في اعتقاده فعظم شخصا وأنزله فوق منزلته التي أنزله الله -عز وجل- إياها فهو غال وهو ضال السبيل، أليست النصاری غلت في عیسی ابن مریم وأنزلته منزله لم ينزله الله -عز وجل- إياها؟ فقالوا إنه ثالث ثلاثة، وإنه ابن الله -عز وجل- فقد ضلوا بذلك، ومن شابه من أمة محمد -[- النصارى من ضلال العباد فإنه ضال، ومن شابه من أمة محمد -[- ممن أوتي علما اليهود فهو من المغضوب عليهم الذين عرفوا الحق وتركوه، كما قال عبدالله بن مبارك: «من شابه من علمائنا من ضل من عبادنا ففيه شبه بالنصارى، ومن ضل من علمائنا ففيه شبه باليهود؛ لأنه عرف الحق وتركه».
إياكم والغلو!
يقول النبي -[-: «إياكم والغلو»، الغلو في الاعتقاد بتعظيم الأشخاص، والغلو بأفعال القلوب، فلا نحب أحدا محبة تنزله أكثر مما أنزله الله -عز وجل- إياها، ولا نفرط في كره أحد كذلك، كما قال علي -]-: «أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما»، إن بعض الناس يغلون في أفعال القلوب، فيعظمون بعضا من أصحاب النبي -[- أو بعضا من الصالحين والعباد فينزلونهم منزلة لا يجوز أن ينزلوا إياها، ينزلونهم منزلة أنبياء الله -عز وجل-، بل لربما لأنزلوهم مقام الربوبية فلا يسأل إلا الله -عز وجل-، ولا يستغاث بغيره -جل وعلا-، والضد بالضد فمن أنقص أحدا من أهل الفضل قدره وذمه وأنزله عن منزلة أنزله الله -عز وجل- إياها، فهو حينئذ يكون مغضوبا عليه؛ لأنه غلا في أحد الطرفين، وكذلك في أفعال الجوارح، فإن أفعال الجوارح سواء كان ما يتعلق بالصلاة أم بالزكاة أم في غيرها من الأمور والتصورات والأحكام، فإن الغلو فيها مذموم.
الأثر العظيم على الناس
ثم بين الله -عز وجل- في هذه الآية {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} أن من كان وسطا، عدلا، غير غال ولا جاف فإن له أثرا عظيما،، على الناس في ثلاثة أمور:
(1) شهداء على الناس يوم القيامة
< الأمر الأول: أنهم يكونون شهداء على الناس يوم القيامة؛ ولذا فإن نوحا -عليه السلام- وأنبياء الله - صلوات الله وسلامه عليهم- بعده كلهم إذا جاؤوا يوم القيامة استشهدوا بأمة محمد -[-، فشهدوا على أنهم بلغوا الرسالة، وأنهم أدوا الأمانة، وأن النقص إنما هو من أتباعهم، وهذا ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد وغيره، فهم شهداء على الناس يوم القيامة، وكان علمهم بتصديقهم الوحي عن الله -عز وجل-، فقد جاء في كتاب الله أنه ما من نبي إلا وبلغ أمته وحذرها ونبهها، فهم يخبرون عن صدق، وينبئون عن حقيقة علموها بوحي الله -عز وجل- لنبيهم محمد -[.
(2) شهداء على الناس في الأحكام
< والمعنى الثاني: أن مسلمي هذه الأمة يكونون شهداء على الناس أي: يكونون بجميعهم شهداء على الناس في الأحكام، وهذه الآية هي التي استدل بها جمع من أهل العلم على أن الإجماع حجة في الأحكام، فإن هذه الأمة (أمة محمد) -[- «لا تجتمع على ضلالة»، كما قال النبي -[-، بل الله -عز وجل- ذكر أن من يشاقق الله والرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين يوله ما تولى، فمتابعة غير سبيل المؤمنين بترك ما أجمعوا عليه.
(3) شهداء على الناس بثنائهم عليهم أو بذمهم
والمعنى الثالث: في أنهم يكونون شهداء على الناس، أن ما استفاض بين أظهر الناس وعلمه الناس غالبهم، فإنه حينئذ يكون حقا، ثبت في الصحيح من حديث أنس -]-: «أن النبي -[- كان جالسا بين أصحابه، فمر عليه بجنازة، فأثنى الناس عليها خيرا، فقال: وجبت، ثم مر عليه -[- بجنازة أخرى فأثنى الناس عليها شرا، فقال: وجبت، قيل: ما وجبت یا رسول الله؟ قال: أما الأولى فأثنیتم عليها خيرا فوجبت لها الجنة، وأما الثانية أثنيتم عليها شرا فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه»، إن من أثنى عليه الناس واستفاض بينهم ذكره بالذكر الحسن، فإنه علامة الخيرية فيه، هذه خيرية عند الله -عز وجل- في الإثابة ولها أثر في الدنيا؛ ولذا قال أهل العلم: «لا يؤخذ العلم إلا عمن عرف به، واستفاض بين أهل العلم والفضل أنه من أهله»، وقد كان الإمام مالك (إمام دار الهجرة) -رحمة الله عليه- يقول: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون معمما أني أهل للفتوى»، قال ابن ناصر الدين الدمشقي: «وكان في ذلك الزمان لا يتعمم إلا من كان عالما فقيها»، فانظر لهذا الرجل الإمام المبجل الذي رفع الله -عز وجل- ذكره لتعظيمه سنة النبي -[-، كيف عرف هذا الأصل وأنه لا يؤخذ العلم إلا من استفاض واشتهر عند الناس مكانته وقدره، فلم يتكلم في العلم وامتنع من الجلوس له حتى علم أن أهل العلم قد شهدوا له بذلك.
ترك العمل بهذه الآية
وفي هذا الزمان إنما بلي الناس بتركهم العمل بهذه الآية، إما بسبب غلو في التصرف، أو بسبب غلو في أشخاص وأخذ العلم عن غير أهله، فإنه في آخر الزمان لا ينتزع العلم انتزاعا من صدور الناس، وإنما ينتزع بموت العلماء، فإذا مات العلماء اتخذ الناس رؤوسا جهالا، قال النبي -[-: «فضلوا وأضلوا»، وثق أن الناس لا يشهدون لأحد إلا بعلم كما قال ابن أبي زيد القيرواني وتبعه أبو الخطاب الكلوذاني وجماعة.
كيف يكون المرء وسطا؟
ثم بين الله -عز وجل- في هذه الآية كيف يكون المرء وسطا وكيف يكون عدلا، لا غلو عنده ولا تفريط، فقال الله -جل وعلا-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ}، إن المرء يبتلى صدقه، ويعرف إيمانه، ويعرف صحة التزامه بالتزامه ما أمر الله -عز وجل-، وقد أمر الله -عز وجل- أمرين: أمر أنزله الله في كتابه، وأمر أوحى به لنبيه -[-، وقد قال الله -عز وجل- عن نبيه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3- 4).
المؤمن إذا جاءه أمر الله -عز وجل
المؤمن إذا جاءه أمر الله -عز وجل- وصح النقل عن النبي -[- وعرف تأويل ذلك النقل وذلك الحديث قال: على العين والرأس، سمعا وطاعة لله ورسوله، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (الأحزاب: 36)، ثم ذكر بعد ذلك الآيات.
فالمقصود: أن المؤمن ليس له اختيار في أمره، وإنما يجب عليه التسليم ويلزمه الاتباع، وأن يترك هواه وأن ينزل عقله منزلته، وألا يجاوز بعقله ذلك الحد، ولذلك ما هلك من هلك إلا بسبب تفريطه بفهم كتاب الله -عز وجل-، اسمع هذا الحديث العظيم الغريب عن النبي -[-، فقد ثبت من حديث عقبة أن النبي -[- قال: «هلاك أمتي في هذا الكتاب» يعني: القرآن، هل يكون القرآن هلاكا؟، نعم على لسان النبي -[- قال: «يتأولونه على غير وجهه فيهلكون».
معرفة كتاب الله -عز وجل- وكلامه
معرفة كتاب الله -عز وجل- وكلامه، ومعرفة سنة النبي -[- ليس بالتمني ولا بالترجي ولا بالرغبة والهوى، وإنما هو بالبذل والتحصيل وطي الركب وإدامة النظر وكثرة الملازمة لكلام أهل العلم، وألا يحدث المرء في شرع الله -عز وجل- وفي دينه ما لم يشرع الله، وإنما يكون المرء مسلما ملازما لشرع الله -عز وجل- ولكتابه، حريصا على ألا يضرب بهذا الكتاب بعضه، وألا يأتي في تأويله بمعنى ليس مقصودا من دلائل كلام العرب.
فهذه الآية العظيمة احتوت ثلاثة أمور لمن أراد أن يتأمل فيها:
< بنت وصف هذه الأمة وصفا على سبيل الإجمال لها، ووصف هو بمثابة الأمر وهذا هو معنى الجعل الشرعي بأن يكون المرء وسطا لا غلو ولا تفريط فيه.
< ثم بينت بعد ذلك أثر الالتزام بهذا الأمر وهو الوسطية بأن المرء سيكون شهيدا في الدنيا
والآخرة، والرسول -[- يكون شهيدا علينا باعتبار الاتباع والامتثال.
< ثم بين الله -عز وجل- أن هذا الوصف لا يتصف به المرء إلا إذا كان قد غالب هواه وقد ترك رأيه، والتزم أمر الله -عز وجل- ووحيه، فإنه حينئذ هو الذي يصدق عليه أنه يكون وسطا، أي: عدلا كما بين النبي -[.
لاتوجد تعليقات