رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر المحلي 29 يناير، 2022 0 تعليق

نظرا لما يشهده الوضع الوبائي في الكويت من تطورات سريعة – وزارة الأوقاف تعيد التباعد بين المصلين

 

قررت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إعادة تطبيق التباعد الجسدي بين المصلين في المساجد ابتداء من يوم الجمعة 4 جمادي الآخرة 1443ه، الموافق 7 يناير 2022م، وقد جاء هذا القرار؛ نتيجة لما يشهده الوضع الوبائي في الكويت من تطورات سريعة؛ بسبب تسارع تفشي العدوى بفيروس (كورونا) المتحور الجديد (أوميكرون)، واتخذت الكويت العديد من التدابير خلال الأيام الماضية للحد من تفشي العدوى، وشملت القرارات تفعيل إلزامية التباعد الجسدي، ووضع الكمامات، وتلقي الجرعة الثالثة من اللقاح شرطا للحصول على بعض الخدمات.

     وقالت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية -في بيان صحفي-: إنه تم إصدار تعميم لخطباء وأئمة المساجد بخصوص تطبيق التباعد بين المصلين، وإبقاء أبواب ونوافذ المساجد مفتوحة في أثناء الصلوات، وأشارت إلى أن القرار أوصى بألا تزيد خطبة الجمعة عن 15 دقيقة مع تخفيف الصلاة، ومراعاة تحقيق الأركان والواجبات، وشددت الوزارة في تعميمها أيضاً على الالتزام بالاشتراطات الصحية، المتمثلة في ارتداء الكمامات، واستخدام سجادة الصلاة الخاصة، وتجنب الملامسة، والحرص على التباعد.

الأخذ بالرخص محمود

     من ناحيته بين أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة جامعة الكويت أ. د. وليد الربيع أن الأخذ بالرخص محمود وقد يجب أحيانًا، وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى، فأباح الله -تعالى- التيمم بالتراب عند فقد الماء أو العجز عن استعماله، وأجاز للعاجز عن استقبال القبلة كالمريض والمربوط أن يصلي حيثما توجه، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم  - لعمران بن حصين لما كانت به بواسير: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» أخرجه البخاري، وأجاز جمع الصلاتين في حال السفر والمرض والخوف، وتتغير هيئة الصلاة تغيرا كبيرًا في صلاة الخوف كما وردت السنة المطهرة بذلك.

قواعد شرعية عظيمة

     وأضاف د. الربيع هناك أمثلة كثيرة تدل على قواعد شرعية عظيمة، منها ما هو كلي كقاعدة: المشقة تجلب التيسير، ومنها ما هو خاص بباب الصلاة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واجبات الصلاة والجماعة تسقط بالعذر» (الفتاوى21/223،482)، والمراد بواجبات الصلاة هنا ما يجب في الصلاة من ركن أو شرط أو واجب، فإذا قام بالمكلف عذر يمنع من فعل ذلك الواجب فإنه يسقط وتصح الصلاة من دونه، وذلك حفاظا على الصلاة وعلى الجماعة، وتقديما للمصلحة الكبرى وهي الإتيان بالفريضة والجماعة على المصلحة الصغرى وهي الإتيان ببعض الواجبات ولو فاتت الفريضة أو الجماعة.

قال شيخ الإسلام: «وكل ما عجز عنه العبد من واجبات الصلاة سقط عنه، فليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها، بل يصلي في الوقت بحسب الإمكان» وذكر أمثلة ثم قال: «والمقصود هنا بيان أن الله -تعالى- ما جعل على المسلمين من حرج في دينهم، بل هو -سبحانه- يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر» (الفتاوى21/225).

صلاة الجماعة أفضل

     وعن تباعد الصفوف قال د. الربيع: بعض الناس يتحرج من صلاة الجماعة مع التباعد؛ لأنها هيئة محدثة، ويؤثر الصلاة في بيته منفردا أو جماعة مع أهله، فيقال له: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد، وقال بعض العلماء بوجوبها، وحقيقتها: ربط صلاة المأموم بصلاة الإمام، أما التراص في الصفوف فهو من واجباتها، وهو يسقط بالعذر كما في صلاة الخوف، وهنا عذر يسوغ ذلك وهو خوف انتشار المرض بالملامسة والتقارب، فيسقط التراص، ويبقى الاقتداء مع التباعد من أجل تحصيل فضيلة الجماعة، قال شيخ الإسلام: «واجبات الصلاة وغيرها تسقط بالأعذار، فليس الاصطفاف إلا بعض واجباتها، فسقط بالعجز في الجماعة، كما يسقط غيره فيها، وفي متن الصلاة، ولهذا كان تحصيل الجماعة في صلاة الخوف والمرض ونحوهما مع استدبار القبلة، والعمل الكثير، ومفارقة الإمام، ومع ترك المريض القيام أولى من أن يصلوا وحدانا، ولهذا ذهب بعض أصحاب أحمد إلى أنه يجوز تقديم المؤتم على الإمام عند الحاجة، كحال الزحام ونحوه، وإن كان لا يجوز لغير حاجة.

من محاسن الشريعة الإسلامية

     ثم بين د. الربيع «أنَّ من اهتدى لهذا الأصل، وهو أن واجبات الصلاة تسقط بالعذر فكذلك الواجبات في الجماعات ونحوها فقد هدي لما جاءت به السنة من التوسط بين إهمال بعض واجبات الشريعة رأسا، كما قد يبتلى به بعضهم، وبين الإسراف في ذلك الواجب حتى يفضي إلى ترك غيره من الواجبات التي هي أوكد منه عند العجز عنه، وما كان ذلك الأوكد مقدورا عليه، كما قد يبتلى به آخرون، فإن فعل المقدور عليه من ذلك دون المعجوز عنه هو الوسط بين الأمرين»(الفتاوى23/246-247)، وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية وعظمتها، مراعاة الأحوال الاستثنائية للمكلفين، وتقرير الأحكام المخففة لهم بما يتناسب مع أعذارهم ولا يقطعهم عن عباداتهم؛ لأن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، ورأس المصالح حفظ الدين بإقامة الشعائر التعبدية على أية حال، وعدم الانقطاع عن الصلة بالله -تعالى- ولو مع قيام الأعذار.

التباعد بينَ المصلينَ لَا يُبطلُ الصلاةَ

أما أستاذ الفقه في كلية الشريعة في جامعة القصيم، أ.د خالد بن عبدالله المصلح فقال: لَا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ فِي أنَّ التباعدَ بينَ المصلينَ فِي الصفِّ بتركِ فُرَجٍ بينَهُمْ وعدمِ التراصِّ لَا يُبطلُ الصلاةَ بلِ الصلاةُ صحيحةٌ، ولوْ زادَ الفصلُ بينَ المصلينَ علَى مقامِ ثلاثةِ رجالٍ. وهذَا التقريرُ فيمَا إذَا كانَ التباعدُ لغيرِ حاجةٍ.

     أمَّا إذَا دعتْ حاجةٌ إلَى التباعدِ بينَ المصلينَ وعدمِ تراصِّهِمْ فتزولُ الكراهةُ؛ وممَّا يندرجُ فِي ذلكَ مَا قدْ تقتضيهِ التدابيرُ الاحترازيةُ للوقايةِ مِنَ العدوَى وانتقالِ الأمراضِ والفيروساتِ الوبائيةِ؛ فإنَّهُ لَا كراهةَ حينئذٍ سواءً أكانَ التباعدُ بينَ المصلينَ وتركُ التراصِّ لحاجةٍ خاصةٍ، كمَا لَوْ تَرَكَ ضعيفُ المناعةِ فُرْجةً فِي الصفِّ توقيًا للعدوَى، أمْ كانَ التباعدُ بينَ المصلينَ وتركُ التراصِّ لحاجةٍ عامةٍ كمَا فِي أزمنةِ انتشارِ الأوبئةِ وخشيةِ انتقالِ الفيروساتِ؛ فالقاعدةُ أنَّ الحاجاتِ تبيحُ المكروهاتِ، وهذَا ظاهرٌ علَى القولِ باستحبابِ التراصِّ بينَ المصلينَ.

الوجوبَ والتحريمَ يزولانِ فِي أزمنةِ الأوبئةِ

     وأكد د. المصلح أن القولِ بوجوبِ التراصِّ بينَ المصلينَ وتحريمِ التباعدِ بينَهُمْ هو الأصل؛ فإنَّ الوجوبَ والتحريمَ يزولانِ فِي أزمنةِ انتشارِ الأوبئةِ المعديةِ؛ وذلكَ أنَّ التباعدَ بينَ المصلينَ وعدمَ التراصِّ حاجةٌ عامةٌ لوقايةِ الناسِ مِنِ انتقالِ الأوبئةِ وعدوَى الفيروساتِ، والحاجةُ العامةُ تُنَزَّلُ منزلةَ الضرورةِ، والضروراتُ تبيحُ المحظوراتِ، ومن ثم لَا حَرَجَ علَى المصلِّينَ فِي أنْ يكونَ بينَهُمْ تباعدٌ وفُرَجٌ بالقدرِ الذِي يحصلُ بِهِ توقِّي انتقالِ الأوبئةِ والفيروساتِ، ويتحققُ بِهِ مَا يُؤمَّلُ مِنِ الاجتماعِ فِي الصلاةِ. وممَّا يؤيدُ ذلكَ أنَّ الشريعةَ راعتِ الظروفَ الطارئةَ والأحوالَ العارضةَ التِي تقتضِي التيسيرَ ورفعَ الجناحِ، فأرخصَ اللهُ فيهَا بِمَا يناسبُهَا سواءٌ فِي صلاةِ الفردِ أم الجماعةِ؛ مِنْ ذلكَ أنَّ اللهَ أَذِنَ للمصلِّي حالَ الخوفِ أنْ يأتيَ بِمَا يقدرُ عليهِ مِنْ أركانِ الصلاةِ وواجباتِها، وتركِ مَا يعجزُ عَنْهُ كَمَا فِي قولِهِ -تعالَى-: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}، ومِنْ ذلكَ أيضًا أنَّ اللهَ أرخصَ لرسولِهِ وللمؤمنينَ مَعَهُ فِي صلاةِ الخوفِ مِنَ التقدُّمِ والتأخُّرِ والحركاتِ وغيرِ ذلكَ ممَّا يتحققُ بِهِ لَهُمْ إقامةُ الصلاةِ بحَسَبَ الوسعِ وأخْذِ الحذرِ مِنَ العدوِّ. عَجَّلَ اللهُ بالفرجِ لعبادِهِ، وأتمَّ للجميعِ العفوَ والعافيةَ والصحةَ والسلامةَ مِنْ كلِّ داءٍ ووباءٍ.

مراعاة المصلحة العامة

أما المستشار بالوقف السني في مملكة البحرين الشيخ فتحي الموصلي فقال: بعض الناس قد يتأول تأويلات بعيدة، ويفسر تفسيرات غريبة، لكن الشريعة عندما تشرع أحكامها وتبين حدودها تراعي المصلحة العامة أولاً، ثم حفظ الضروريات ثانيًا، فما يطرأ على ذلك من قيل أو قال فهذا يزول مع الزمان، ويظهر خطؤه بالحال أو بالمأل.

دفع الضرر الواقع أو المتوقع

     ثم بين الشيخ الموصلي أنَّ موقف الفقه الإسلامي لتقرير بعض الرخص كالتباعد الجسدي بين المصلين، مبني على قاعدة دفع الضرر الواقع أو المتوقع لوجود الحرج العام، ولما ابتليت الناس بهذا المرض وصار ابتلاؤه داخلا في عموم البلوى وفي حفظ الضروريات، فإن موقف الفقه الإسلامي في سرعة المبادرة في إصدار الفتاوى ولو كان بعضها في غلق المساجد أو في تغير صورة الاصطفاف في الصلاة دليل على أنَّ هذا الفقه هو فقه شرعي ضروري عملي إيماني تربوي مصلحي مقصدي شامل، يراعي المصلحة في كل زمان ومكان، ولهذا جاءت هذه الفتاوى لتؤكد هذه المعاني ولتربي الناس علي وجوب حسن الظن بالعلماء والمؤسسات الشرعية، وأنها تملك قدرة تامة وملكة كاملة في التعامل مع النوازل والتحديات في إطار المصالح الشرعية العامة والخاصة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك