رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر 30 أغسطس، 2021 0 تعليق

الفهم الصحيح لمنهج السلف (2)


ما زلنا في استعراض محاضرة الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن البدر عن الفهم الصحيح لمنهج السلف، وكنا قد توقفنا عند الحديث عن أهم صفتين يتميز بهما المنتمون للمنهج السلفي وهما: الأخذ بسنَّة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والاقتداء بأمر النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث ذكر الشيخ أنهما صفتان عظيمتان جدًّا لكلِّ سلفيّ، بل هما أهم الصِّفات.

     ثم ذكر الشيخ بعد ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمَّا ذكر هاتين الصِّفتين للحواريين والأصحاب قال: «ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ» ومعنى قوله: «تَخْلُف» أي تَحْدُث، يحدث بعد هؤلاء الذين يأخذون بالسُّنة ويقتدون بالأمر يحدُث ويوجَد خُلوف، والخُلوف: جمع خَلْف {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} (الأعراف:169)، والخَلْف هو الخالِف بالشر، مَن يخلُف الصَّحابة في الشَّر بترك ما هم عليه بالإحداث والابتداع وابتكار الآراء والمناهج والطُّرق هو خَلْفٌ، والذي يتَّبع هدْي هؤلاء الصَّحابة ويقتدي بهم ويستنّ بهم وهم مستنُّون بسنَّة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - هو من السَّلف، «ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ».

يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ

     بماذا وَصَفهم - صلى الله عليه وسلم ؟ وصفهم بصفتين: قال: «يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ»؛ هاتان صفتان بإزاء الصِّفتين السَّابقتين لأهل السُّنة وهي: الأخذ بالسُّنَّة، والاقتداء بالأمر، أمَّا الخلف أو الخُلوف هم الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.

«يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ»: هذا فيه إشارة وتنبيه إلى أنَّ من طريقة هؤلاء الخَلَف كثرة القول وعدم الاهتمام بالعمل، ومن الألقاب التي هي لقب لعددٍ من الطوائف لقب (أهل الكلام)؛ لأنَّ شغلهم الشَّاغل هو الكلام والجدل وكثرة القيل والقال كما قال أحدهم:

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

                                           سوى أن جمعْنا فيه قيل وقالوا

فيهتمُّون بالكلام والنَّظر ولا يهتمُّون بالعمل، مع أنَّ غاية العلم العمل، كما يقول عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه :

يهتف العلم بالعمل

                         فإن أجابه وإلا ارتحل

     والله -عز وجل- يمقت ويبُغض من يقول ولا يعمل، قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف:3)، فلابدَّ من العمل بالعلم، أمّا أن يقول ويتكلم ولا يعمل فهذا ليس من هدي أهل السُّنة والجماعة، ولهذا قال الله -عز وجل- عن شعيب -عليه السَّلام-: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} (هود:88)، ويقول -تعالى-: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (البقرة:44)، فلابدَّ من العمل.

المتابعة والاقتداء

     ولهذا عندما يسمع المسلم السُّني السَّلفيّ الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو الآثار المروية عن السَّلف الصَّالح فإنه يَجِدُّ في المتابعة والاقتداء والائتساء غاية الاجتهاد ليخرج من هذه الصِّفة وهي القول بلا عمل، بل يجدُّ في المحافظة على أركان الإسلام ومن أهمها بعد الشَّهادتين الصَّلاة؛ ولهذا تجد بعض الشَّباب مَن لا يقوم إلى صلاة الفجر، ويشتغل في جدل ونقاش، ويسهر اللَّيل في نقاشٍ في رأيه أنه ينتصر به للدِّين ونحو ذلك ثم ينام عن صلاة الفجر، ويداوم على ذلك، وهذه مصيبة عظيمة جدًّا، المسلم يعتني بالعمل بطاعة الله، بعبادة الله، بامتثال أمر الله، بالاقتداء برسول الله، بأصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويديم النَّظر ويُكثر القراءة في سيرة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفي سيرة أصحابه ويجتهد في التَّشبه بهم، أمّا أن يكون كذلك فهذا خطر عظيم.

خطر صفة الخُلُوف

     وبين الشيخ أنه ينبغي للمسلم أن يستشعر خطر هذه الصِّفة (صفة الخُلُوف)، وهي أن يقول ما لا يفعل «يقولون ما لا يفعلون»، بل ينبغي أن يكون قوله موافقا لفعله، ومنطقه موافقا لباطنه، وقالبه موافقا لقلبه، يجتهد في ذلك، ولا يكون من أهل هذه الصِّفة «يقولون مالا يفعلون»، هذه من صفات أهل الكلام الباطل، القول والبحث والنَّظر، يعني على سبيل المثال: تجده يتحدث في محاضرات وكتب ونحو ذلك عن الإسلام والانتصار للإسلام ومحاسن الدِّين، ويُدافع عنه ونحو ذلك، لكنه ربما فرّط في الأركان، أو الواجبات، وفي الطَّاعات، ربَّما لا يقيم الصَّلاة أو يتهاون فيها، فإذا كان يبيّن محاسن الدِّين للنَّاس لابد أن يكون من أسبق النَّاس قياماً بالدِّين وبطاعة الله، أمّا أن يكون قولا بلا فعل فهذا يمقته الله -تبارك وتعالى.

فينبغي لنا أن نهتم بهذا الأمر: أن يكون القول موافقًا للعمل، والقول ليس أيَّ قول، بل يكون القول هو ما ثبت عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لا بالبدع والأهواء والمحدثات؛ فإن من صفات الخُلُوف أنهم يقولون ما لا يفعلون.

«وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ»

     وعن الصفة الثانية للخلوف قال الشيخ البدر: «وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ»، وهذا فيه إشارة إلى فساد مصدر التَّلقي عندهم؛ لأنّ صاحب السُّنة مصدر التَّلقي عنده كما تقدّم الأخذ بالسُّنة، يفعل ما يؤمر به، أمّا هؤلاء يفعلون ما لا يؤمرون، فمصدر التَّلقي عندهم فاسد، لم يؤمر بالأمر، لم يأت فيه نص لا في الكتاب ولا في السُّنة فيفعله ويتعبَّد لله -تبارك وتعالى- به، إمّا بناءً على رأيه أو على عقله أو على وَجْده أو على ذَوقه، أو على قصص وحكايات أو منامات أو ادِّعاءات، مثل ما يدّعي بعض المتصوِّفة يقول: «حدثني قلبي عن ربي» أو نحو ذلك، فهؤلاء كلهم ينطبق عليهم قوله: «ويفعلون ما لا يؤمرون»، ولا يسلم من هذه الصِّفة إلا من يتّبع الأمر، ويفعل بما أُمر به، ويكون من أهل - ما تقدم معنا - الأخذ بالسُّنة والاقتداء بالأمر، لا يسلم من هذه الصِّفة إلا من كان كذلك، ومَن سواهم لم يسلم؛ بل يكون وصفًا لازمًا له فِعْلُ ما لم يؤمر حتى يدَع الأهواء ويترك البدع والمحدثات، يدَعها تمامًا اتِّباعًا للرَّسول - صلى الله عليه وسلم - واقتداءً به.

معرفة البدعة وصفاتها

     ثم نبه الشيخ إلى أمر مهم، نأخذه من هذا الحديث العظيم، وهو: أنَّه ينبغي للمسلم أن يعرف السُّنة وصفاتها وعلاماتها، ويدرس ذلك دراسةً جيِّدة ليعمل بها، كما ينبغي له أيضًا في الوقت نفسه أن يعرف البدعة وصفاتها وأهلها حتى يحذرها، كما كان الصَّحابي الجليل حذيفة بن اليمان -وقد ثبت كلامه في صحيح البخاري- أنه كان يقول: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي»، فهنا عرّف النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بصفات أهل الخير وعلاماتهم، وعرّف بصفات أهل الشر وعلاماتهم، وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - نصيحة للأمة وإعذار وإقامة للحجة والمعذرة. نصحهم ببيان علامات أهل الخير وعلامات أهل الشر.

علامات أهل الخير

     وأضاف الشيخ، المسلم ينظر في علامات أهل الخير ويتدبرها ويتأملها تأمُّلًا جيدًا، ويتبصّر فيها ثم يقتدي بهم، وأيضًا يعرف علامات أهل الشَّرِّ ويتفقَّد نفسه وينظر في حاله، هل فيه شيء من ذلك؟ فإن كان فيه فليجتهد في إبعاده عن نفسه، وإن كان سالمًا فليحمد الله -تبارك وتعالى- ويسأله الثَّبات، هذا من خلال الحديث العظيم الذي رواه مسلم في كتابه الصَّحيح في كتاب الإيمان، وأنا أدعوكم إلى مزيد من النَّظر والتَّأمُّل في هذا الحديث ودراسته وحفظه ومراجعته في صحيح مسلم في كتاب الإيمان، ومراجعة شروح أهل العلم لهذا الحديث، فهو حديث عظيم عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفيه بيان لما سبق وهو مفهوم السَّلفية، وقد آثرتُ أن أنطلق في بيان هذا المفهوم من خلال هذا الحديث.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك