الاستقامة: مفهومها .. أسبابها .. وسائلها – أساس صلاح العبد في الاستقـامــة والتوحيد
ما زال حديثنا مستمرًا عن الاستقامة ومفهومها ووسائل الثبات عليها حتى يصل الإنسان إلى مرضاة الله -تعالى-، لأن الاستقامة تجمع للإنسان الصلاح كله مع التوحيد، واليوم نتكلم عن علاج ضعف الاستقامة.
لقد علم المولى -سبحانه وتعالى- ضعف المؤمنين عن أن يستقيموا تمام الاستقامة على أوامر الدين، توحيدا، وعبادة، ودعوة، وأن يسيروا مع التائبين، وألا يطغوا، وألا يتجرؤوا على مخالفة أمره، علم أن كل ذلك كبير عليهم، وأنهم لا يحصون كل هذه الطاعات، وأنه لا بد من أن يقع تقصير وتفريط، وهنا نجد التوجيه الإلهي الكريم والعناية الربانية في توجيه عباده هؤلاء، إلى عدم الانقطاع عن الطريق، والمسارعة في الإنابة إليه -سبحانه- بالاستغفار والخروج من أحوال الغفلة والتقصير، نجد تلك العناية في قوله -عز وجل-: وهي الآية الثالثة معنا: {..فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ..} (فصلت: 6).
المسارعة إلى الاستغفار والتوبة
فالمستقيمون إن وقع منهم شيء، من تقصير أو عصيان، لابد أن يسارعوا بالاستغفار، والرجوع، والتوبة؛ ليعودوا مرة أخرى إلى طريق الاستقامة، وألا يتركوا أنفسهم ينحرفون؛ ولو شيئاً قليلاً عن هذا الطريق، فإنما يبدأ الانحراف قليلا، ثم يزداد شيئاً فشيئاً؛ حيث لا يستطيع المرء الرجوع مرة أخرى إلى طريق الاستقامة، وهذا ما نراه في أحوال كثير من الناس اليوم.
تشتت القلب والذهن
إن كثيرًا من المؤمنين المتدينين اليوم لما عصفت بهم هذه الغفلة إلى هذا المدى، لم يستطيعوا أن يعودوا بقلوبهم مرة أخرى إلى الله، ولم يتمكنوا من استرجاع أعمالهم وأحوالهم التي كانوا عليها في طريق الاستقامة، وهذا كله بسبب ما وصلنا إليه من تشتت القلب والذهن، والبعد والغفلة عن الله -تعالى- ونسيان الآخرة، فلم يتحققوا بمحبة الله ولم يستطيعوا الرجوع إليه؛ لذلك قَرَنَ الله -تعالى- لهم الأمر بالاستقامة بأمر آخر، يحفظ عليهم استقامتهم، وثباتهم على الطريق فقال -سبحانه-: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ..}، قرن الأمر بالاستقامة بالأمر بالاستغفار؛ لأن أعمال المؤمنين مهما بلغت تجويداً، وإتقاناً، تبقى أعمالاً بشرية، ينوبها ما ينوب البشر من الغفلة، والتقصير، وربما الذنوب والعصيان، فلا يستغني السالكون إلى ربهم عن دوام الاستغفار؛ ليدوم لهم الثبات على الطريق، ومواصلة السير.
العجز عن بلوغ تمام الاستقامة
ونجد هذا المعنى (العجز عن بلوغ تمام الاستقامة وكمالها) واضحاً مبيناً في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «استقيموا ولن تحصوا»، أي ولن تطيقوا تمام الاستقامة، فخذوا منها بقدر الطاقة، وفي قوله: «سددوا وقاربوا «والسداد: إصابة الحق، أي أن تصيب الحق في اعتقاداتك وأقوالك وأفعالك، كما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه -: «قُلِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِى وَسَدِّدْنِى وَاذْكُرْ بِالْهِدَايَةِ هِدَايَةَ الطَّرِيقِ وَاذْكُرْ بِالسَّدَادِ تَسْدِيدَكَ السَّهْمَ»، فإن لم تستطع أن تصيب قلب الدائرة، فلا أقل من أن تبقى قريباً من القلب؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «وقاربوا» بمعنى: أن تأخذ عزمك، وهمتك، وقوتك، وسعيك دوماً في اتجاه الله -تعالى-، مصمما على السداد في هذا الطريق، فإن لم تتمكن وقاربت كنت مسدداً، وقد بشرك النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «سددوا وقاربوا وأبشروا»؛ فإن نوى بعمله السداد - ونية المرء أبلغ من عمله - فأصابه أو قاربه فليبشر فإن الله سيعينه حتى ينتقل إلى الاستقامة ويثبت عليها، ويوفقه -سبحانه وتعالى-، فسددوا وأبشروا، فإذا علم العبد وجوب الاستقامة، مع ضعفه وتقصيره توجه إلى ربه متضرعاً، يسأله الهداية إلى الاستقامة.
طلب الهداية إلى الاستقامة
إذا علم العبد أن هدايته للاستقامة، وتثبيته عليها، بيد الله وحده، ثم ينظر في الكتاب الكريم، القرآن العظيم، فيجد أن الله -تعالى- يأمر النبيين -صلوات الله وسلامه عليهم-، وعباده المؤمنين بلزوم الاستقامة في جميع أحوالهم، قولاً وعملاً، إذا علم العبد ذلك تعين عليه أن يتبتل إلى الله -سبحانه-، ويتضرع إليه، ويرجوه - تباركت أسماؤه - أن يهديه الصراط المستقيم، والدين القويم، وقد علَّمنا -جلَّ جلاله- أن نطلب منه الهداية عمرنا كله، ليلنا ونهارنا، في كل ركعة من ركعات صلواتنا، ندعوه، ونرجوه أن يزيدنا هدى، ويثبتنا على طراط أهل الإيمان، من عباده المخلصين، وأوليائه المتقين، الذين أنعم عليهم بالهدى للدين القويم، فنحن نقول دوماً {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم} (الفاتحة/6).
الصراط المستقيم
«قال أبو جعفر: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن «الصراط المستقيم»، هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه....... وقال: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي، أعني:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، أن يكون معنيًّا به: وَفّقنا للثبات على ما ارتضيتَه ووَفّقتَ له مَنْ أنعمتَ عليه من عبادِك، من قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصِّراط المستقيم؛ لأن مَن وُفّق لما وفِّق له من أنعم الله عليه من النبيِّين والصديقين والشهداء، فقد وُفّق للإسلام، وتصديقِ الرسلِ، والتمسكِ بالكتاب، والعملِ بما أمر الله به، والانزجار عمّا زَجره عنه، واتّباع منهج النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وكلِّ عبدٍ لله صالحٍ، وكل ذلك من الصراط المستقيم.»
والمؤمنون الآن - إلا من رحم الله - لا يدركون هذا النداء، وهذا الدعاء لله -تعالى-، أن يلزمهم طريق الاستقامة، وأن يأخذ بأيديهم إليه، وأن يحفظهم فيه فلا يروغون يمنة أو يسرة، ولا تأخذهم الشهوات ولا الشبهات في هذه الحياة الدنيا لتخرجهم عن ذلك الطريق، كائنا ما كانت هذه الأحوال.
الثبات على الاستقامة
ومع دعائنا الله -تعالى- أن يهدينا للاستقامة، نتضرع إليه أن لا ينزعها عنَّا، وألا يُخرجنا منها أبدا: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} (آل عمران/8). فنحن بين دعاء الهداية للاستقامة، وبين دعاء عدم الزيغ والخروج عن هذه الاستقامة، وعن مقتضاها، ولا شك أن هذا الثبات وهذه الاستقامة لا تتحَصَّلُ بالكسل، أو الفتور، والتواني، ومما نحن فيه من أسباب ضعف نصيبنا من الاستقامة، وإنما تتأتى الاستقامة باكتساب الأعمال الصالحة، والتحقق بالصفات الحسنة، ومجاهدة النفس لتزيد وتترقى كل يوم في منازل الاستقامة، متسلحين في جميع أحوالنا بالدعاء، والتذلل والافتقار إلى رب الأرض والسموات، تردد ألسنتنا دوماً {عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} (الكهف/24) وهو معنى في نهاية الجمال والجلال في علاقة الإنسان بالله -تعالى-، معنى يطلبه المرء كل يوم، أن يهديه ربه الطريق الأقوم، والأقرب إلى الاستقامة والرشاد، بل أن يكون في كل يوم أشد استقامة وهداية مما كان عليه في اليوم السابق.
النبوة والرسالة أعظم درجات الاستقامة
لما كانت الاستقامة هي الاعتدال، والثبات على طاعة الله -تعالى-، نجد أن الله -تعالى- جعل لرسله وأنبيائه منها أوفر الحظ والنصيب، فكانوا أقوم الخلق ديناً، وأشدهم ثباتاً على الحق والهدى، وأعظمهم استقامة وجدًّا في السير إلى الله -تعالى-، كما استحقوا أن يكونوا قدوة الخلق، وأسوتهم، في حسن الاعتقاد، وجميل الصفات، وصالح الأعمال، قال -تعالى-: {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الأنعام/87)، بعد أن ذكر -سبحانه- ثمانية عشر رسولاً، يقول -مبيناً لنا-: واخترناهم لديننا وبلاغ رسالتنا، وهو -سبحانه «يعلم من يستحق الاصطفاء فيصطفيه، فاختارهم سبحانه لما علم من أحوالهم الموجبة لذلك فضلا منه وكرما، ومن الفائدة والحكمة في قصه علينا أخبار هؤلاء الأصفياء أن نحبهم ونقتدي بهم، ونسأل الله أن يوفقنا لما وفقهم، وألا نزال نلوم أنفسنا بتأخرنا عنهم وعدم اتصافنا بأوصافهم ومزاياهم الجميلة، وهذا أيضا من لطفه بهم، وإظهاره الثناء عليهم في الأولين والآخرين، والتنويه بشرفهم، فلله ما أعظم جوده وكرمه وأكثر فوائد معاملته! لو لم يكن لهم من الشرف إلا أن أذكارهم مخلدة ومناقبهم مؤبدة لكفى بذلك فضلا.»، ووفقناهم وسدّدناهم فأرشدناهم إلى طريق غير معوجّ، وذلك دين الله الذي لا عِوَج فيه، وهو الإسلام الذي ارتضاه الله ربُّنا لأنبيائه، وأمر به عباده.
{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
كذلك في قوله -جل جلاله-: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام/161)، «يأمر -تعالى- نبيه - صلى الله عليه وسلم -، أن يقول ويعلن بما هو عليه من الهداية إلى الصراط المستقيم: الدين المعتدل المتضمن للعقائد النافعة، والأعمال الصالحة، والأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح، الذي عليه الأنبياء والمرسلون، ولا سيما إمام الحنفاء، خليل الرحمن إبراهيم - عليه السلام -، وهو الدين الحنيف المائل عن كل دين غير مستقيم، من أديان أهل الانحراف، كاليهود والنصارى والمشركين».
{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ}
وفي قوله -سبحانه-: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الزخرف/43)، يأمر الله -تعالى- نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالثبات على دينه، وكتابه، وألا يخور عزمه في الدعوة، ضجرا من تصلبهم في كفرهم، ونفورهم من الحق، والاستمساك بما أوحي إليه من القرآن، ثم مدح الله دينه تثبيتا لرسوله وتقوية لدعوته فقال له: {إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يوصلك إلى الله ورضوانه وثوابه، والتعبير بـ (على صراط) يفيد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - راسخ في الاهتداء إلى مراد الله -تعالى-، متمكن في الثبات والاستقامة، كما يتمكن السائر من الطريق المستقيم لا يشوب سيره تردد في سلوكه، ولا خشية الضلال في بنياته، وهكذا كان الرسل الكرام جميعاً أكمل الناس اعتدالاً، وأتمهم ثباتًا، وأعظمهم تمكناً واستقامة في أحوالهم، قولاً وعملاً، سراً وعلناً.
لاتوجد تعليقات