رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر 30 مارس، 2021 0 تعليق

وقفات ومسائل عقدية مع الجوائح(2) الشيخ البدر: الدعاء مفتاح كل خير فعلى المسلم الاعتناء به لنفسه وأهله ولعموم المسلمين

ما زال الحديث موصولا في عرض محاضرة الشيخ عبدالرزاق عبد المحسن البدر التي كانت بعنوان: (وقفات ومسائل عقدية مع الجوائح)؛ حيث أكد الشيخ أن الله -عز وجل- لا يقضي لعبده المؤمن إلا خيرًا، والمؤمن في تقلباته وأحواله يتقلب من نعمة إلى نعمة؛ ولهذا فإن ما يحصِّله العبد أو يقع له في هذه الحياة من أمرٍ مفرح يحبه أو محزنٍ يؤلمه، كل ذلك داخل في باب النعم إذا أحسن المؤمن التأمل.

المصائب كفارات للمؤمن

     مما ينبغي أن يعتقد في هذا الباب: أن المصائب كفارات للمؤمن، وهذا جاء فيه أحاديث كثيرة، بل سبحان الله ثمة منازل عالية في الجنة لا تُنال بالصلاة والصيام وقيام الليل، وإنما تنال بالصبر على المصائب العظيمة التي تحل بالمؤمن، جاء في الحديث: «لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَفِي مَالِهِ وَفِي وَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ»، ويقول - صلى الله عليه وسلم - عن الحمى: «تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»، ويقول: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»، وقال لذاك المريض: «طهور إن شاء الله» يعني مطهر لك.

جانب مهم ينبغي النظر إليه

      فهذا جانب مهم ينبغي أن يحسن المؤمن النظر إليه والتأمل فيه، وكما قدمت يحسن الظن بالله -سبحانه وتعالى-، وفي الدعاء الذي علَّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أم المؤمنين عائشة قال: «وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ تَقْضِيهِ لِي خَيْرًا»؛ كل قضاء، يعني حتى المصائب التي يقضيها ويقدرها أن يجعلها خيرا، وهي خير للمؤمن إذا أحسن التعامل معها في ضوء الإيمان وهداياته العظيمة وحقائق الدين تكون خيرًا له، وفي هذا المقام يحسن ظنه بالله وأنه لا يريد به إلا الخير، بخلاف من يرق دينه ويكون فيه الوهاء والخلل؛ فربما يتسخط، وربما يعترض على أقدار الله، وربما يتلقاها بالجزع، وربما يشتكي الله لخلقه، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تنفعه بل تضره في إيمانه وعقيدته وصلته بربه -سبحانه وتعالى.

الشيطان حاضر في هذا المقام

      والشيطان حاضر في هذا المقام لا يريد من المؤمن أن يكون حسن الظن بربه أن يعقِب له العاقبة الحميدة مثلا، أو أن يستجيب دعوته، وأن يعجل بفرجه، وأن يكشف غمته، وأن يجلو ما نزل به من محنة، فيجثم الشيطان على القلب ويقنِّطه من الرحمة ومن إجابة الدعاء، ويوهمه أن إجابة الدعاء بعيدة، مع أن الله -سبحانه وتعالى- يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(البقرة:186).

الرجاء والخوف

     أيضا جانب الرجاء والخوف، علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقول «لا يرجوَنَّ أحد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه»، يقول ابن تيمية: «وهذا من جواهر العلم»، هذا علم عظيم جدا، وينبغي أن يكون مع العبد في كل وقت؛ لا يرجو إلا الله، في الفرج، وفي الشدائد، وفي النوازل والمصائب، وفي الأمراض إلى غير ذلك، لا يرجو إلا الله، ويرجو رحمة الله {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} (الإسراء:57)، جاء في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد شابًا وهو في الموت -يعني في مرض الموت- فقال: «كيف تجدك؟» قال ذلك الشاب: «أجدني أرجو رحمة ربي وأخاف ذنبي» قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجتمعان في قلب عبدٍ مؤمن إلا أعطاه الله -عز وجل- ما يرجوه من رحمته، ووقاه ما يخافه من ذنوبه»؛ إذا اجتمعت في قلب العبد خوفه على نفسه من ذنوبه وقوة رجائه لرحمة الله، ولهذا في مثل هذه المصائب والنوازل لا يرجو العبد إلا رحمة الله، ولا يخاف إلا من ذنوبه {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} (النساء:79)؛ولهذا في النوازل يشرع للإنسان أن يتوب من ذنوبه، ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، فيتوب إلى الله -سبحانه وتعالى- وينيب ويقبِل على ربه -سبحانه وتعالى.

من قصص السلف في هذا الباب

      أن واثلة بن الأسقع زار يزيد بن الأسود في مرض موته، فلما دخل عليه وقد ذهب عقله من شدة المرض، قالوا في الرواية نادوه، فلما نادوه قالوا بقي في عقل ما عقل به أن واثلة زاره، فأخذ يمد يده ليصافحه فوضعوا يده في يده -هذا كفيف وهذا مريض- فقال له واثلة: أريد أن أسألك عن واحدة، كيف ظنك بالله؟ قال ما معناه: «عندي ذنوب أخاف عاقبتها لكنني أرجو رحمة الله»، يقولون فكبَّر واثلة وكبَّر من في البيت ثم أورد الحديث «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء»، قال «وأرجو رحمة الله» عنده ذنوب لكنه يرجو رحمة الله. فإذا اجتمع في العبد خوفه من ذنوبه في الوقت نفسه رجاءه لرحمة الله -سبحانه وتعالى- هذه والله نجاة، ويبلِّغه الله -سبحانه وتعالى- ما يرجو ويؤمِّنه مما يخاف إذا كان اجتمعت كما مر معنا في الحديث.

عناية عظيمة

      ولهذا في هذا المقام ينبغي أن نعنى بهذا الأمر عناية عظيمة جدا «لا يرجو عبد إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه»، الخوف من الذنوب، أما الله -سبحانه وتعالى- لا يرجو العبد منه إلا خيرًا رحمةً فضلًا ولطفًا منًّا، إذا كان هناك عواقب وخيمة سببها الذنوب {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:30)، المبادرة إلى التوبة إلى الله والإنابة إليه، وكثرة الاستغفار، والندم على فعل الذنوب، والخوف من الذنوب وعواقبها الوخيمة، تقوية الرجاء بالله -سبحانه وتعالى- وحسن الظن به.. هذه كلها إيمانيات لها أثرها العظيم على العبد.

الحذر من التطير والتشاؤم

      أيضا في هذا المقام من مسائل الاعتقاد المهمة: الحذر من التطير والتشاؤم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ»، فيحذر من التطير «لا طيرة» هذا نفي للطيرة، والجاهلية كان لهم عقائد من ضمنها العدوى لهم اعتقاد باطل فيها، وأيضا عندهم التطير والتشاؤم ولهم فيها أنواع وأشكال، فيحذر المؤمن من التطير والتشاؤم، وإذا تشاءمت النفس ووُجد فيها هذا التشاؤم ربما أضر به تشاؤمه، ولهذا جاء في حديث صحيح عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَا طِيَرَةَ، وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ»، وهذا الحديث حقيقة موقظ للقلب ينبغي أن ننتبه له وهو حديث ثابت «وإنما الطيرة على من تطير»، الأصل في المؤمن هو سلامة قلبه من التطير؛ وذلك بقوة إيمانه وتوكله على الله وثقته بالله وحسن التجائه إلى الله -سبحانه وتعالى-، صحة عقيدته واستقامته إلى غير ذلك، فإذا تطير أضرت به طيرته، «وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ» أضرت به طيرته لأن تطيره يعني ضعفا في توحيده، وضعفا في إيمانه، وضعفا في صلته بربه وتوكله عليه فيؤتى من هذا الباب؛ فيكون تطيره وبالا عليه وتشاؤمه وبالا عليه. فالمؤمن يكون متوكلا على الله على ثقة بالله، حسَن الظن بالله -سبحانه وتعالى-، يرجو رحمة الله ويخاف عذاب الله، وإذا دخل عليه في مثل هذه الأحداث تشاؤم وتطير وبدأت الظنون ظنون الجاهلية تدخل على نفسه يطردها بتوكله ولجوئه إلى الله -سبحانه وتعالى- وبالكلمة الجامعة التي مرت «لا يرجو إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه».

الدعاء

      أيضا في هذا المقام ينبغي أن يعتني المسلم عناية كبيرة جدا بالدعاء لنفسه ولقرابته ولعموم المسلمين، والدعاء مفتاح كل خير، يقول - صلى الله عليه وسلم - «الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللهِ»؛ ينفع مما نزل من ضر وبلاء وشدة: بكشفها ورفعها، ومما لم ينزل: بدفعه، {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا}(الإسراء:56)، فالدعاء ينفع في كشف الضر إذا نزل، وينفع في دفعه قبل ان ينزل.

تعظم العناية بالدعاء

      ولهذا ينبغي على المؤمن أن يعظم عنايته بالدعاء وحسن الالتجاء إلى الله -سبحانه وتعالى- وأيضا العناية بشروط الدعاء وآدابه التي لا يكون الدعاء مقبولا إلا بها، فيعتني بذلك ويكثر من الدعاء مع اليقين وقوة الرجاء «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ»، ولا يعجل العبد فيقول دعوت ولم يُستجب لي، بل يدعو ويدعو ويلح على الله -سبحانه وتعالى- ويقوي رجاءه بالله وثقته بالله -عز وجل-، والله -تعالى- يقول: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر:60)، ويقول جل وعلا: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ}(إبراهيم:39)، ويقول -جل وعلا-: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة:186)، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، قال -صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ»، وقال - صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ»، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا، فيدعو لنفسه ويدعو لقرابته ويدعو لعموم المؤمنين وهو على يقين بأن الله لا يرد مؤمنًا دعاء ولا يخيِّب مؤمنًا ناجاه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك