رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وليد شكر 17 ديسمبر، 2020 0 تعليق

رحلة الصحابي سلمان في البحث عن الحق

                                                           

يزخر تاريخنا الإسلامي بقصصٍ فريدة، تفيض بها كتب السير والتراجم، ومِن هذه الأمثلة: رحلة سلمان الفارسي رضي الله عنه  في البحث عن الحق؛ حيث يروي رحلته؛ فيقول: «كنتُ مِن أهل فارس، وكان أبي دهقان أرضه -أي كبير المكان الذي يسكن فيه-، وكان يحبني حبًّا شديدًا حتى حمله حبي أن يحبسني في البيت كما تحبس الجارية، وترقيت في المجوسية حتى صرت قطن النار -أي القائم على شأنها، وهذا كالسدنة بالنسبة للأصنام-؛ فخرجتُ يومًا أنظر إلى ضيعة لنا؛ فمررت ببناء سمعت فيه ترانيم؛ فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا: هؤلاء هم النصارى وهذه كنيستهم، فدخلت فسمعتُ فأعجبني ما سمعت».

لا تستكثر الهداية على أحد

     وأول فائدة لنا من هذه القصة هي ألا تستكثر الهداية على أحد؛ فقد اجتمع لسلمان المكانة الاجتماعية؛ فهو ابن كبير القوم، والمكانة الدينية؛ حيث هو القائم على شأن النار، ومع ذلك لم يمنعه هذا أن يترك الباطل الذي عليه عندما رأى ما هو خير منه؛ وهذا لأنه ليس أحد بعيدًا عن الهداية إذا شاء الله له ذلك، لقد كان أبوه حريصًا ألا يرى أحدًا أو يختلط بأحدٍ، ومع ذلك قدَّر الله أن يخرج ليسمع ويرى.

لا تيأس

     وهنا نقول: لا تيأس مِن هداية أحد مهما كانت معصيته، ومهما كان بُعده، حتى أولئك الذين هم رأس في الضلال، متى وجدت الفرصة لدعوتهم لا تضيعها؛ فقد كان سلمان قائمًا على أمر النار، وكم مِن داعية إلى الباطل أخذ الله بناصيته إليه! ونحن مطالبون أن يسمع هؤلاء منا بعد ما ظلوا زمانًا طويلًا يسمعون عنا.

القرارات الصعبة

ثم ذكر سلمان: «أن أباه علم بحاله فوضعه في الحديد حتى جاء وفد الشام إلى الكنيسة، وهو وفد يأتيهم كل عام؛ فأرسلوا إلى سلمان؛ فطرح الحديد وخرج معهم».

     وهنا فائدة: يحتاج المرء أن يأخذ قرارات صعبة لابد منها ليدرك الحق والحقيقة، وقد يترتب على هذا القرار أن يهجر بيته الذي فيه تربى، وقريته التي بين جنباتها ترعرع، ويترك مكانته الاجتماعية التي يتمتع بها بين أفراد هذا المجتمع؛ ليذهب إلى مكانٍ آخر لا يعرف أشخاصه، وإلى بيئة لا يعلم طباعها. إن الإقدام على هذا القرار يحتاج إلى نفوسٍ أبية، كتلك النفوس التي حملها المهاجرون بين صدورهم، ومِن أجل هذا كله كان تفضيل المهاجرين على غيرهم.

علو الهمة

ولما وصل سلمان رضي الله عنه إلى الشام قال: «مَن أعلم الناس بهذا الدين؟».

وهنا فائدة: علو الهمة، إذا كنتَ في هذا الطريق تعاني، ومِن أجله تضحي؛ فلماذا ترضى بالدون وأنت تستطيع الكمال؟!

ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا

                                  كنقص القـادرين عـلى التـمام

     إن سلمان سأل عن أعلم الناس بهذا الدين ليأخذ عنه، وهذا ما يفتقده كثيرون منا؛ فتجد الواحد منا يرضى أن يدرس على الأدنى مع استطاعته أن يتلقى مِن الأعلى علمًا، أو الأرفع سندًا، وحتى في أحكام الواقع التي لو عُرضت على عمر لجمع لها أهل بدر تجده يقول: «لقد قال فلان، وذكر فلان...»، ويترك قول العلماء العاملين والدعاة ذوي الخبرة والتجربة، ويتبع كل ناعق، ولو اتبع هذه القاعدة لوفر الوقت والجهد، والألم والأنين، له ولجموعٍ مِن المسلمين.

التعلق بالأشخاص

قال: «فقالوا لي: أسقف الكنيسة؛ فكنتُ معه؛ فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويكنزها لنفسه؛ فلما مات أخبرتهم».

     وهنا فائدة: أن مَن تعلق بالأشخاص تتيه خطاه بغيابهم، ومَن تعلق بالمنهج لا يتاثر تمسكه بمنهجه مهما حاد عنه الأشخاص، حتى ولو كانوا هم مَن دلوه عليه؛ فأنت لم تتبع المنهج لأجل فلان حتى إذا غاب تتركه، أو إذا حاد تهجره! فالخلل في الأشخاص وليس في المنهج الذي دلوك عليه، ثم إن اتِّبَاع المنهج وعدم تقديس الأشخاص يجعلك ثابت القدمين، تدرك وجهتك، وتعلم طريقك، وإلا لن تدري لك وجهة إن كانت وجهتك هذا الشخص أو ذاك، بل ستتغير وجهتك ومنهجك بتغير مزاج الشخص ووجهته؛ فالزم المنهج، واتبع الدليل، وانتهج المؤسسية تنج مِن التخبط.

الثبات على المنهج

قال: فجاء مِن بعده رجل -أي مِن بعد أسقف الكنيسة- فما رأيت أزهد في الدنيا؛ فأحببته حبًّا لم أحبه مِن قبله، وأقمت معه زمانًا».

     وهنا فائدة: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} (الكهف:30)، ثبت سلمان على المنهج، ولم يؤثِّر فيه انحراف الأشخاص أو تغيرهم؛ فجاءه ما كان يرجو، رجل يعمل بعلمه، ويأخذ بيديه إلى ربه، ويعينه في طريقه إلى الله؛ فوجد سلمان في هذ الرجل مبتغاه، وكذلك الصبر والثبات عاقبتهما الفلاح في الحياة وبعد الممات.

استكمال الطريق

     قال سلمان: «ثم حضرته الوفاة، فقلتُ له: يا فلان، إني كنت معك، وأحببتك حبًّا لم أحبه مِن قبلك، وقد حضرك ما ترى مِن أمر الله؛ فإلى مَن توصي بي؟ فقال: أي بني، والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنتُ عليه، إلا فلانًا بالموصل، فهو على ما كنت عليه فالحق به؛ فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل».

عدم تأخير السؤال

     وهنا فائدة: لما أشرف على الموت لم يؤخِّر سلمان السؤال عمَن يكمل معه الطريق ويأخذ بيديه ليواصل المسير؛ ولما كان السؤال حانيًا، كان الجواب شافيًا؛ فدفنه وانطلق، ولم يوقفه فقدان أحب الناس إليه، بل انطلقَ، وكذلك حال مَن يريد الوصول، ثم لاحظ التعبير: «فلما مات وغُيب، لحقتُ بصاحب الموصل»؛ كلمة (لحقتُ) كلمة واحدة ينسبها سلمان إلى نفسه، مع أنك إذا أردتَ أن تفسِّر هذه الكلمة تجدها عبارة عن رحلةٍ طويلةٍ مِن الشام إلى الموصل، قد تستغرق أيامًا طويلة، يتعرض فيها المسافر إلى مفاوز ومهالك، وأعداء ومخاطر، لا ريب أن سلمان مرَّ بها، ولكنه لم يذكر مِن ذلك شيئًا سوى (لحقتُ!)، وما أحوجنا إلى هذا الأسلوب في التعبير: (لحقتُ)؛ فتعبِّر عن المقصود بما يفيد، ولا تطلب على عملك شاهدًا سوى الله.

وصوله إلى الشام

لما وصل سلمان -رضي الله عنه- إلى الشام قال: «مَن أعلم الناس بهذا الدين؟».

وهنا فائدة: علو الهمة: إذا كنتَ في هذ الطريق تعاني، ومِن أجله تضحي؛ فلماذا ترضى بالدون وأنت تستطيع الكمال؟!

     إن سلمان سأل عن أعلم الناس بهذا الدين ليأخذ عنه، وهذا ما يفتقده كثيرون منا؛ فتجد الواحد منا يرضى أن يدرس على الأدنى مع استطاعته أن يتلقى مِن الأعلى علمًا، أو الأرفع سندًا، وحتى في أحكام الواقع التي لو عُرضت على عمر لجمع لها أهل بدر؛ تجده يقول: «لقد قال فلان، وذكر فلان...»، بينما هذا يترك قول العلماء العاملين والدعاة ذوي الخبرة والتجربة، ويتبع كل ناعق، ولو اتبع هذه القاعدة لوفر الوقت والجهد، والألم والأنين، له ولجموعٍ مِن المسلمين.

قال: «فقالوا لي: أسقف الكنيسة؛ فكنتُ معه؛ فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويكنزها لنفسه؛ فلما مات أخبرتهم».

التعلق بالأشخاص

     وهنا فائدة: أن مَن تعلق بالأشخاص تتيه خطاه بغيابهم، ومَن تعلق بالمنهج لا يتأثر تمسكه بمنهجه مهما حاد عنه الأشخاص، حتى ولو كانوا هم مَن دلوه عليه؛ فأنت لم تتبع المنهج لأجل فلان حتى إذا غاب تتركه، أو إذا حاد تهجره!؛ فالخلل في الأشخاص وليس في المنهج الذي دلوك عليه، ثم إن اتِّبَاع المنهج وعدم تقديس الأشخاص يجعلك ثابت القدمين، تدرك وجهتك، وتعلم طريقك؛ وإلا لن تدري لك وجهة إن كانت وجهتك هذا الشخص أو ذاك، بل ستتغير وجهتك ومنهجك بتغير مزاج الشخص ووجهته؛ فالزم المنهج، واتبع الدليل، وانتهج المؤسسية تنج مِن التخبط.

قال: فجاء مِن بعده رجل -أي مِن بعد أسقف الكنيسة-؛ فما رأيت أزهد منه في الدنيا؛ فأحببته حبًّا لم أحبه مِن قبله، وأقمت معه زمانًا».

الثبات على المنهج

     وهنا فائدة: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} (الكهف:30)، ثبت سلمان على المنهج ولم يؤثِّر فيه انحراف الأشخاص أو تغيرهم؛ فجاءه ما كان يرجو، رجل يعمل بعلمه، ويأخذ بيديه إلى ربه، ويعينه في طريقه إلى الله؛ فوجد سلمان في هذ الرجل مبتغاه، وكذلك الصبر والثبات عاقبتهما الفلاح في الحياة وبعد الممات.

     قال سلمان: «ثم حضرته الوفاة؛ فقلتُ له: يا فلان، إني كنت معك، وأحببتك حبًّا لم أحبه مِن قبلك، وقد حضرك ما ترى مِن أمر الله؛ فإلى مَن توصي بي؟ فقال: أي بني، والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنتُ عليه، إلا فلانًا بالموصل؛ فهو على ما كنت عليه فالحق به؛ فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل».

لم يتوقف عن السؤال

     وهنا فائدة: لما أشرف على الموت لم يؤخِّر سلمان السؤال عمَن يكمل معه الطريق ويأخذ بيديه ليواصل المسير؛ ولما كان السؤال حانيًا، كان الجواب شافيًا؛ فدفنه وانطلق، ولم يوقفه فقدان أحب الناس إليه، بل انطلقَ، وكذلك حال مَن يريد الوصول، ثم لاحظ التعبير: «فلما مات وغُيب، لحقتُ بصاحب الموصل»، كلمة (لحقتُ) كلمة واحدة ينسبها سلمان إلى نفسه، مع أنك إذا أردتَ أن تفسِّر هذه الكلمة تجدها عبارة عن رحلةٍ طويلةٍ مِن الشام إلى الموصل قد تستغرق أيامًا طويلة يتعرض فيها المسافر إلى مفاوز ومهالك، وأعداء ومخاطر، لا ريب أن سلمان مرَّ بها، ولكنه لم يذكر مِن ذلك شيئًا سوى (لحقتُ!)، وما أحوجنا إلى هذا الأسلوب في التعبير: (لحقتُ)؛ فتعبِّر عن المقصود بما يفيد، ولا تطلب على عملك شاهدًا سوى الله.

     أحيانًا يكلَّف الواحد منا بمهمة معينة هي عند مَن كلفه بها تساوي كلمة واحدة: «اكتب بحثًا - رتِّب لعملٍ معين...»؛ فيرهق المكلَّف في هذا العمل، ويبذل فيه جهدًا لا يلتفت إليه المسؤول الذى كلفه؛ فلا يهدأ له بال، حتى يطلعه وغيره على تفاصيل العمل، وأشكال التعب وصور الإرهاق الذى عاناه، ولو عقل هذا المكلَّف مبدأ سلمان (لحقتُ) لاكتفى بقوله: «صنعتُ»، ولم يطلب على العمل شاهدًا غير ربه؛ فهو وحده -سبحانه- الذى لا يضل ولا ينسى، ويجازي بالحسنة عشرًا، ولا تغيب عنه مثقال ذرة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك