رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 23 يوليو، 2020 0 تعليق

أخطاء الواقفين (3)

 

 

الأخطاء في تطبيق الوقف، قد يقع بها الواقف - غالباً عن غير قصد منه - وأحيانا تقع تلك الأخطاء مع حرص الواقف في استمرار وقفه، وتحقيق منافعه للموقوف، إلا أن الحرص وحده لا يكفي إن لم يقترن معه الوعي التام، والتوجيه المبني على أسس علمية وشرعية وقانونية، ولا شك أن تسليط الضوء وكشف غير الصواب الذي يمارسه بعض الواقفين باب عظيم من أبواب إحياء سنة الوقف ونشر ثقافته، ونجاح مؤسساته واستمرار نمائه وعطائه، واليوم نستكمل الحديث عن تلك الأخطاء.

(12) تأخير الوقف إلى مرض الموت

     وهو المرض الذي يتصل بالموت، ويشترط لتحقق أن المرض مرض الموت أن يتصل به موت الإنسان. فإن مات في مرضه كان الاعتراض على تصرفاته التي تبقى موقوفة لحين وفاته، واعتبر الفقهاء وقف المريض مرض الموت كالوصية فهو لازم في حدود الثلث، كتصرف مضافاً إلى ما بعد الموت، وتسري عليه أحكام الوصية. فلا تعتبر تبرعات المريض - مرض الموت- إن كان له وارث إلا في ثلث ماله. إلا إذا أجاز وارثه التبرع فيما زاد على ثلث ماله، فمن الأولى أن يوقف الواقف وهو في صحته ليرى وقفه ويُعد وثيقته ويملي شروطه، ويعين عليه ناظراً أميناً وأن يتابعه بنفسه، من حيث تحصيل إيرادته وتوزيعها على ما خصهم في ذلك الوقف، وأن يجعل من النظم واللوائح لوقفه ليدوم نفعه، ويستمر عطائه.

بذل الأسباب لرعاية الوقف

     فالواقف الذي يوقف في حياته ويحرص في أن يدوم نفع وقفه، يبذل الأسباب التي يستمر معها الوقف في عطائه؛ فيرعاه في حياته، ويجعل عليه القوي الأمين من ذريته أو غيرهم، ليديره إدارة رشيدة؛ لحفظ أصوله، وتحصيل ريعه، وصرفه في المصارف الشرعية المحددة، وتنميته وصيانته؛ حتى يبقى على حالة يدوم معها الانتفاع به، ويحقق مقاصده، في حياته وبعد مماته، والوقف في مرض الموت قد يدخل العين الموقوفة - الموقوف - في إشكالات قانونية من حيث إجازة ورثته لوقفه، والعمل نقضه من بعضهم أحياناً.

(13) الوقف من أموال الزكاة

     الزكاة حق للأصناف الثمانية التي بينها الله عزوجل في كتابه بقوله سبحانه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 60)، فلا يجوز صرف الزكاة في غير هذه المصارف، ولا يصح أن توقف أموال الزكاة لصالح مشاريع خيرية أخرى؛ لأن في ذلك إخراجا لها عن ملك مستحقيها. فطريق الوقف غير طريق الزكاة.

جاء في حاشية الروض: قال الوزير وغيره: اتفق الأئمة على أنه لا يجوز ولا يجزئ دفع الزكاة في بناء مساجد، وقناطر ونحو ذلك، ولا تكفين موتى ونحوه، وإن كان من القرب، لتعيين الزكاة لما عينت له. انتهى.

وجاء في الموسوعة الفقهية: ذهب الفقهاء إلى أنه لا يجوز صرف الزكاة في جهات الخير غير ما تقدم بيانه، فلا تنشأ بها طريق ولا يبنى بها مسجد ولا قنطرة، ولا تشق بها ترعة، ولا يعمل بها ساقية، ولا يوسع بها على الأصناف.

لا يجوز وقف أموال الزكاة

     وقال العلامة القرافي -رحمه الله- في الذخيرة: «لا يجوز وقف أموال الزكاة على جهاتها، لما فيه من التحجير على الفقراء»؛ لأن هذا يعني حصول الفقراء على ريع المال فقط، مع أن حقهم أن يحصلوا على الأصل نفسه؛ وذلك لأن الوقف حبس للعين إلى الأبد، أي حبس الأصل الموقوف وتسبيل منفعته (أو ريعه أو غلته)، والزكاة لا تحبس بل سبيلها الصرف عند قيام حاجة الفقراء والمساكين، ولا يجوز حرمانهم منها لأجل إنشاء المشاريع وقفية.

(14) تأخير أداء حقوق المستحقين في الوقف

     على الواقف ألا يؤخر أداء حقوق المستحقين في الوقف، وعدم تأخيرها مطلقاً، إلا لضرورة تقتضي تأخير إعطائهم لحقوقهم: كحاجة الوقف إلى العمارة والإصلاح أو الوفاء بدين على الوقف؛ لأن هذا مقدم على الإعطاء للمستحقين، وإعطاء المستحقين حقوقهم من غلة الوقف، يجب أن يكون بحسب ما اشترطه الواقف؛ لأن شروطه معتبرة، ولا يجوز كذلك للواقف أن يؤخر حق الانتفاع من عين الوقف للموقوف عليهم بلا ضرورة تقتضي ذلك، وعلى الواقف أن يتابع وقفه في حياته، ويتأكد من أداء حقوق المستحقين في الوقف، ويتأكد كذلك من أداء الناظر الذي اختاره ليرعى الوقف ويؤدي حقوق الموقوف عليهم، وأن تدور تصرفاته في مصلحة الوقف أو الموقوف عليهم.

(15) الخلط بين الوصية والوقف

تتشابه أحكام الوقف والوصية على الكثير من الناس، ولا يفرقون بينهما، وهذا جعل الخلط بين الوقف والوصية وأحكامهما، وقد لخص الفرق بين الوقف والوصية، الدكتور الشيخ صالح بن غانم السدلان، في كتابه: (أحكام الوقف والوصية والفرق بينهما)، بالآتي:

1- أن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، بينما الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء كان في الأعيان أم في المنافع.

2- أن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه في قول عامة أهل العلم؛ لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعمر: «إن شئت حَبست أصلها وتصدقت بها».

أما الوصية فإنها تلزم ويجوز للمُوصي أن يرجع في جميع ما أوصى به أو بعضه.

3- الوقف يخرج العين الموقوفة عن التمليك لأحد وتخصيص المنفعة للموقوف عليه، بينما الوصية تتناول تملك العين الموصى بها أو منفعتها للموصى له.

4- تمليك منفعة الوقف يظهر حكمها أثناء حياة الواقف وبعد مماته، والتمليك في الوصية لا يظهر حكمه إلا بعد موت الموصي.

5- الوقف لا حدَّ لأكثره، بينما الوصية لا تتجاوز الثلث إلا بإجازة الورثة.

6- الوقف يجوز للوارث إلا إذا كان الموقف في مرض الموت، بينما الوصية لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة.

(16) الوقف للإضرار بالغرماء

وذلك أن يقصد الواقف المماطلة في سداد الديون، كالذي يوقف عقاراً على أولاده أو أعمال الخير هروباً من الديون قبل الحجر عليه للإضرار بغرمائه، وهذا لا يصح ولا يلزم عند الكثير من أهل العلم، بل ويحق للدائنين أن يطلبوا بإبطال وقف مدينهم، إن لم يكن محجوراً عليه بسبب الدين.

مقاصد وغايات جليلة

     فالوقف شرع لمقاصد وغايات جليلة، وحكم عظيمة، ومقصوده القربة إلى الله، ونفع الموقوف عليهم، بعيدا عن الإضرار بالدائنين والنكاية بهم. ووفاء الدين أهم من الوقف؛ لأن قضاء الدين واجب والوقف تطوع، وفي ذلك تحايل على أهل الديون. جاء في (الشرح الكبير): «أن من حبس في صحته، ولو على الفقراء فللغريم إبطاله وأخذه في دينه». وذلك حفظاً لحقوق الدائنين وحمايتهم من التصرفات التي تنقص من فرص سداد حقوقهم، وحق الدائنين بالقدر الذي يفي بديونهم فقط.

     ورأي كذلك بعض الحنفية والشافعية في إبطال وقف المدين إذا قصد به الإضرار بدائنيه، سدا للذريعة في تأخير السداد، والمماطلة والتعسف في استعمال الحق، وكذلك إذا أوقف الواقف بمرض الموت ومات بعد ذلك، وعليه ديون، فإن كان الدين محيطا بماله ولم يبرئه الدائنون، فإن وقفه ينقض ويباع في الدين، وجمهور الفقهاء على أن المريض مرض الموت تتعلق بأمواله حقوق الدائنين، وتتعلق بالثلثين حقوق الوارثين.

(17) وقف ما لا يملك (وقف الفضوليّ)

     إذا وقف الواقف ملك غيره على أنه ملكه، فوقفه غير صحيح، أما إذا وقفه على أنه ملك غيره كان الواقف فضولياً، والفضولي في اللغة: من يشتغل بما لا يعنيه، نسبةً إلى الفضول، جمع فضل، وهو الزّيادة. وفي اصطلاح الفقهاء يطلق الفضوليّ على من يتصرّف في حقّ الغير بلا إذن شرعيّ وذلك لكون تصرّفه صادراً عن غير ملك ولا وكالة ولا ولاية.

واختلف الفقهاء في حكم وقف الفضوليّ لمال غيره على قولين: : أحدهما للمالكيّة على المشهور، والحنابلة، والشّافعيّ في الجديد: وهو أنّ وقف الفضوليّ باطل، سواء أجازه المالك بعد أم لا.

والثّاني للحنفيّة، وهو قول عند المالكيّة، ورواية عن أحمد: وهو أنّ وقف الفضوليّ صحيح، غير أنّه يكون موقوفاً على إجازة المالك، فإن أجازه نفذ، وإن ردّه بطل.

     واختار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن تصرف الفضولي يكون موقوفاً على الإجازة من المالك، سواءً بالبيع أم بالشراء، خلافاً للمشهور من مذهب الحنابلة. قال رحمه الله: «مع أن القول بوقف العقود مطلقاً هو الأظهر في الحجة، وهو قول الجمهور، وليس ذلك إضراراً أصلاً، بل صلاحا بلا فساد؛ فإن الرجل قد يرى أن يشتري لغيره أو يبيع له، أو يستأجر له أو يوجب له، ثم يشاوره فإن رضي وإلا لم يصبه ما يضره».

وخلاصة الأمر: إذا لم يجز المالك وقف الفضولي فلا ينفذ تصرفه بلا خلاف، أما إذا أجازه نفذ، وإن ردّه بطل.

 

 

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك