رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 20 أكتوبر، 2026 0 تعليق

الاعتداء على مطار الملك خالد ومقتل ضيوف الرحمن يكشفان خطورة التصعيد وتداعياته الشرعية والأمنية

  • جاءت الشريعة الإسلامية بتعظيم حرمة النفس الإنسانية وجعلت حفظها من الضرورات الكبرى التي تقوم عليها مقاصدها وحرمت الاعتداء عليها بغير حق
  • من أكثر الجوانب إيلاما في هذه الاعتداءات وقوع ضحايا بين قاصدي الحرمين الشريفين ممن قدموا إلى المملكة رغبة في أداء العمرة والتقرب إلى الله تعالى
  • تكشف اعتداءات مطار الملك خالد خطورة استهداف المدنيين وتتعاظم المأساة حين تطال قاصدي بيت الله الحرام الذين خرجوا يرجون الأجر في أمان فكانوا ضحايا العدوان
 

شهدت المملكة العربية السعودية خلال الأسبوع الثاني من أكتوبر 2026 تصعيدا عسكريا خطيرا، تمثل في سلسلة هجمات استهدفت مطارات ومنشآت مدنية، أبرزها مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وأسفرت، بحسب التقارير المنشورة، عن سقوط قتلى وعشرات المصابين، بينهم مسافرون قاصدون  بيت الله الحرام لأداء العمرة، ولم تقتصر خطورة هذه الاعتداءات على خسائرها البشرية والمادية، بل امتدت إلى تهديد أمن المدنيين وسلامة قاصدي الحرمين الشريفين، وتعطيل مرافق حيوية تخدم ملايين المسافرين، فضلا عن تداعياتها السياسية والأمنية على استقرار المنطقة.

أسبوع من الهجمات الدامية

       وقد شهد مطار الملك خالد الدولي اعتداءات عدة خلال أيام متقاربة، كان أشدها الهجوم الذي وقع السبت 10 أكتوبر، وأسفر، وفق الحصيلة الأولية التي أعلنتها الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، عن مقتل 13 شخصا وإصابة 309 آخرين، وشملت قائمة الضحايا مواطنين سعوديين ومقيمين ومسافرين من جنسيات متعددة، في مشهد يعكس الطبيعة الدولية للمطار واتساع دائرة المتضررين من الاعتداء. وسبق هجوم السبت اعتداءات أخرى على المطار يوم الخميس 8 أكتوبر، أوقعت قتلى ومصابين وألحقت أضرارا بطائرة مدنية سعودية، ثم تعرض المطار لهجوم جديد الأحد 11 أكتوبر، أدى إلى وفاة شخص وإصابة 11 آخرين، وتشير التقارير المنشورة إلى أن الهجمات على المطارات السعودية خلال هذه الفترة أوقعت ما لا يقل عن 20 قتيلا ومئات المصابين، في واحدة من أخطر موجات الاعتداءات على المنشآت المدنية في المملكة خلال السنوات الأخيرة.

المعتمرون في دائرة الاستهداف

       من أكثر الجوانب إيلاما في هذه الاعتداءات وقوع ضحايا بين قاصدي الحرمين الشريفين، ممن قدموا إلى المملكة رغبة في أداء العمرة والتقرب إلى الله -تعالى-، وأظهرت مشاهد بثتها وسائل إعلام سعودية مسافرين يرتدون ملابس الإحرام داخل المطار قبيل وقوع انفجار السبت، قبل أن تعم الفوضى المكان، ويتساقط بعض أجزاء السقف، في مشهد مؤلم، يجسد انتقال المسافرين من انتظار رحلتهم إلى مواجهة خطر الموت والإصابة، ومن بين الضحايا العالم البنغلاديشي نصر الله البدر، الذي ذكرت تقارير إعلامية أنه كان ضمن مجموعة من 45 شخصا قدموا لأداء العمرة.

حرمة الدماء في ميزان الشريعة

       جاءت الشريعة الإسلامية بتعظيم حرمة النفس الإنسانية، وجعلت حفظها من الضرورات الكبرى التي تقوم عليها مقاصدها، وحرمت الاعتداء على الأنفس بغير حق، فقال الله -تعالى-: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (الإسراء: 33)، وقال -سبحانه-: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (النساء: 93)، وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما»، كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - النهي عن قتل النساء والصبيان في الحرب، وهو من الأصول الشرعية التي تؤكد وجوب حماية غير المقاتلين وعدم تعريضهم للاعتداء. وإذا كانت الشريعة قد قررت هذه الأحكام حتى في حالات الحرب والقتال، فإن استهداف المدنيين في المطارات والمنشآت العامة، أو استخدام وسائل عسكرية لا تميز بين المقاتلين وغير المقاتلين، يمثل انتهاكا لحرمة الأنفس وعدوانا على حقوق الأبرياء، ولا تغير الخلافات السياسية أو العسكرية من هذه الأحكام؛ إذ لا يجوز أن تتحول الخصومة إلى ذريعة لاستباحة الدماء، أو أن يتحمل المدنيون تبعات صراع لا يشاركون فيه.

حرمة العبادة وأمن الطريق

       تزداد جسامة الاعتداء حين يطال أشخاصا يقصدون الحرمين الشريفين لأداء العبادة؛ لما لهذه الشعائر من مكانة عظيمة في الإسلام، ولما لأمن قاصديها من أهمية شرعية وإنسانية، وقد امتن الله -تعالى- على عباده بنعمة الأمن، فقال -سبحانه-: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش: 4)، وقال -جل وعلا- في شأن البيت الحرام: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} (آل عمران: 97)، ولا يعني ذلك أن كل طريق أو مطار يصل منه المعتمر إلى الحرم يأخذ الأحكام الفقهية الخاصة بحدود الحرم المكي، وإنما يؤكد أن حماية قاصدي العبادة وتيسير وصولهم الآمن من المصالح الشرعية العظيمة. كما أن حرمة الدم المعصوم ثابتة، سواء كان صاحبه محرما أم غير محرم، مسلما أم غير مسلم ممن عصمت الشريعة دماءهم؛ غير أن الاعتداء على المعتمرين يضيف إلى الجريمة بعدا مؤلما يتعلق بحرمة الشعائر وأمن قاصديها، ومن هنا فإن المساس بأمن المسافرين إلى الحرمين لا يمثل اعتداء على أفراد فحسب، بل يثير مخاوف تتصل بقدرة الناس على أداء عباداتهم في أمن وطمأنينة، وهي مصلحة ينبغي أن تبقى بمنأى عن الصراعات العسكرية والسياسية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك