رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: إبراهيم بن محمد صديق 7 يوليو، 2020 0 تعليق

«كلُّكم من آدم» تميُّز الإسلام في إرساء العدل ونبذ العنصريَّة (2)

 

استكمالا لما بدأنا الحديث عنه في المقال السابق، عن تميز الإسلام في إرساء العدل ونبذ العنصرية؛ حيث تحدثنا عن المسلك الأول: المساواة العادلة دون تفرقة في اللون والجنس والعرق، وذكرنا أن لا شكَّ أنَّ المظاهر التي سبق عرضها تحمل في طيَّاتها نبذ العنصرية؛ إذ إنَّ الدعوة إلى المساواة العادلة، وعدم التَّفريق بين النَّاس في الحقوق الأساسيَّة، إنَّما هي دعوة إلى تفعيل ذلك في سائر شؤون الحياة بنبذ ما يضادُّها من العنصرية، ومع ذلك نرى في الشَّريعة حزمة كبيرة من المظاهر في نبذ العنصرية خصوصا، وتحريم التفرقة على أساس العرقِ واللون، وهي كلها تؤكد ما نروم بيانه من نبذ الإسلام للعنصرية، ويمكن تلخيص تلك المظاهر في الآتي:

المظهر الأول: ذمُّ التَّفاخر بالأنساب والتَّعصب الباطل للعرق واللون:

إلغاء التَّعصب الباطل

      من أجلِّ مظاهر إلغاء العنصرية وأبينها في الإسلام أنَّه جاء بإلغاء التَّعصب الباطل للعرق أو اللون أو القبيلة، وقد كان هذا التَّعصب شائعًا قبل البعثة المحمَّدية، وكان شعار: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) بمعناه الباطل هو السائد والمنتشر، وقد سبق بنا الحديث عن قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات: 13)، وأكَّد القرآن الكريم في مواطن أخرى أنَّ الأنساب ليست المعيار الذي يحدِّد منزلة الإنسان الدنيوية والأخروية، بل ستزول تلك الأنساب يوم القيامة، ولن يكون لها أي اعتبار، يقول -تعالى-: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} (المؤمنون: 101). إلا نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وصهره بالضوابط التي قررها العلماء.

 

تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته

     ويظهر ذلك واضحًا وجليًّا في تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته؛ فإنَّه بين لأقربائه أنَّ قرابتهم للنَّبي -[ وهو أفضل الخلق وسيدهم- لا تنفعهم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أنزل عليه: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214): «يا معشَر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا. يا صفية عمَّة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فاطمة بنت رسول الله، سليني بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا»، كما بين - صلى الله عليه وسلم - أنَّ هذه الأنساب ستزول، وأنَّها ليست ممَّا تُقدم الإنسان عند الله -سبحانه وتعالى-، فقال: «ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه»، فالمعيار الحقيقي في الإسلام إنما هو التَّقوى، وبه يتفاضل الناس.

 

النهي عن التفاخر بالأنساب

     ومن أشدِّ ما نهت عنه الشريعة في هذا الباب: التفاخر بالأنساب، وكم فرَّق هذا التفاخر بين النَّاس، وأورث في قلوبهم الضَّغائن، وأوغر صدورهم على إخوانهم! لذا جاءت الشَّريعة وسدَّت هذا الباب، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله -عز وجل- قد أذهب عنكم عبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء: مؤمنٌ تقي، وفاجرٌ شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعنَّ رجالٌ فخرهم بأقوام، إنَّما هم فحم من فحم جهنَّم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن»، فانظر كيف أرجعهم إلى أصلهم، وأسقط راية التَّعصب للأنساب بما يعمي عن الحق ويدعو إلى الباطل، فكلُّ الناس في شريعة الله سواء، وما الناس إلا مؤمن وفاجر، ذلك هو معيار دين الإسلام.

 

      وقد أكَّد النَّبي - صلى الله عليه وسلم- هذا الأمر مرَّات عديدة، وبصيغٍ مختلفة، يقول - صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ أنسابكم هذه ليست بسبابٍ على أحد، وإنَّما أنتم ولد آدم، طفُّ الصاع لم تملؤوه، ليس لأحد على أحد فضلٌ إلا بالدِّين أو عمل صالح»، ويقول -عليه الصلاة والسلام-: «أربعٌ في أمَّتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة».

 

دعوى الجاهلية

     يقول ابن تيمية -رحمه الله-: «ذمَّ في الحديث من دعا بدعوى الجاهلية، وأخبر أنَّ بعض أمر الجاهلية لا يتركه النَّاس كلهم؛ ذمًّا لمن لم يتركه، وهذا كلُّه يقتضي أنَّ ما كان من أمر الجاهليَّة وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذمٌّ لها، ومعلوم أنَّ إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم».

فطرة إنسانية

     وليس القصد ألا ينتسب الإنسان إلى قبيلته، أو عرقه، أو إقليمه وبلاده، بل ذلك ممدوح محمود إن لم يكن على سبيل التَّعصب الباطل، وغرس العنصرية، وإثارة الفتنة بين الناس؛ ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينتسب إلى عشيرته في أجلِّ المواطن: موطن الجهاد، فصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال في غزوة حنين: «أنا النَّبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، والإنسان مفطورٌ على حب أسرته، وقبيلته، وبلاده، وكل ذلك أمرٌ طبيعي؛ فالإسلام لم يأت ليناقض الفطر الإنسانية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حينما أخرج من مكة (موطنه)، قال: «ما أطيبَكِ من بلدٍ وأحبَّكِ إليَّ! ولولَا أنَّ قومِي أخرجُوني مِنكِ ما سَكَنْتُ غيرَكِ»، فحبُّ الوطن والقبيلة والعشيرة أمرٌ طبيعي مقبولٌ محمود، وإنَّما المذموم العصبيَّة الجاهلية بالتَّفاخر بالأنساب الذي يؤدي إلى باطل، وإلى نصرة الظالم على المظلوم لمجرد الملاقاة في النسب، وهو ما بيَّنه ابن مسعود - رضي الله عنه - بقوله: «من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي، فهو ينزع بذنبه».

 

ذم الانتساب للعصبية

     بل إذا ظهرت العصبيَّة فإنَّه يُذمُّ الانتساب لها حتى لو كان انتسابًا شرعيًّا، فعن جابر - رضي الله عنه - قال: كنَّا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟!» قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: «دعوها؛ فإنها منتنة»، وعند مسلم عن جابر قال: اقتتل غلامان: غلامٌ من المهاجرين، وغلامٌ من الأنصار، فنادى المهاجر أو المهاجرون: يا للمهاجرين! ونادى الأنصاري: يا للأنصار! فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ما هذا؟ دعوى أهل الجاهلية؟!» قالوا: لا يا رسول الله، إلا أنَّ غلامين اقتتلا، فكسع أحدهما الآخر، قال: «فلا بأس، ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا، إن كان ظالمًا فلينهه فإنَّه له نصر، وإن كان مظلومًا فلينصره».

 

مطلق الانتساب إلى القبيلة

     وقد بينَّا أنَّ مطلق الانتساب إلى القبيلة ليس بمذموم، بل يكون محمودًا، وهو مباح في الأصل، أمَّا الانتساب إلى الأسماء الشرعية كالمهاجرين والأنصار فمستحبّ، ومع ذلك فإن هذا الانتساب بمجرد أن يصبح مدعاةً للتَّعصب القوميّ فإنَّه يُذم ويمنع، يقول ابن تيمية -رحمه الله- معلقًا على هذا الحديث: «فهذان الاسمان (المهاجرون والأنصار) اسمان شرعيان، جاء بهما الكتاب والسنة، وسمَّاهما الله بهما كما سمَّانا المسلمين من قبل، وانتساب الرجل إلى المهاجرين أو الأنصار انتسابٌ حسنٌ محمودٌ عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التَّعريف فقط كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرم كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى، ثمَّ مع هذا لمَّا دعا كل منهما طائفة منتصرًا بها أنكرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وسمَّاها دعوى الجاهلية حتى قيل له: إنَّ الداعي بها إنَّما هما غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة، فأمر بمنع الظَّالم وإعانة المظلوم؛ ليبين النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أن المحذور إنما هو تعصّب الرجل لطائفته مطلقًا فعلَ أهل الجاهلية، فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسَن واجبٌ أو مستحبٌّ».

 

منع التَّعصب الأعمى

     وخلاصة هذا أنَّ الإسلام لم ينظر إلى اختلاف الأجناس والألوان، ولم يمنع الناس من الانتساب الصحيح بل دعا إليه، لكنَّه منع الناس من التَّعصب الأعمى للقبيلة، أو العرق، أو اللون، أو الطائفة، التَّعصب الذي يعمي عن الحق، ويدفع إلى الباطل، وهكذا قضى الإسلام على العنصريَّة والطبقيَّة التي كانت سائدةً قبل زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولذا نجد أن الإسلام جمع بين سلمان الفارسي وبلال الحبشي وأبي بكر القرشي، بل فضَّل هؤلاء على العرب في أمور، وكل ذلك دليل على أنَّ الإسلام لم ينظر أبدًا إلى قضية العرق واللون والنسب في الاستحقاقات الشرعية والحقوق الأساسية.

 

من محاسن الإسلام

وكم هو مقيت أن يظنَّ الإنسان نفسه أنه في درجة أعلى من النَّاس لمجرد لونه أو عرقه أو نسبه؛ فيتعامل مع الناس بناءً على ذلك! فكان من محاسن الإسلام أن أسقط تلك الراية الباطلة، وجعل محلها المساواة والمحبة والألفة والمودة والرحمة، وقد أغلق بذلك بابًا عظيمًا من أبواب الشر والتفرق.

 

المظهر الثاني

ذم تفضيل الناس من أجل العرق واللون

     ذمَّت الشَّريعة تفضيل بعض الناس في الحقوق الأساسية بناءً على مجرَّد العرق أو اللون أو غير ذلك، وقد بيَّنت الشريعة ذلك حتى مع أفضل البشر محمد - صلى الله عليه وسلم -، فعن سعد - رضي الله عنه - قال: كنَّا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة نفر، فقال المشركون للنَّبي - صلى الله عليه وسلم -: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه فأنزل الله -عز وجل-: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (الأنعام: 52)، أنزل الله -سبحانه وتعالى- قرآنًا يتلى من أجل أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يتألف قومًا من كبار كفار قريش، فبين الله أنَّ الضعفاء لهم الحق نفسه في رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ولا يمكن أن يغمط شيء من هذا الحق لمجرد أنسابهم أو أعراقهم، ومثل ذلك أيضا حين كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - عظماء قريش، وكان يحب أن يتألفهم ويسلموا؛ لأن ذلك يعني إسلام كثيرٍ من أقوامهم، فجاءه عبد الله بن أم مكتوم، فأعرض عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - مقبلًا على هؤلاء الكفار، فعاتبه الله -سبحانه وتعالى- في كتابه منبهًا لأمته من بعده أنَّ هذا الدين جاء يقضي على هذا التمايز بين الخلق على أساس الأنساب والأعراق، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أنزل: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} في ابن أمِّ مكتوم الأعمى؛ أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل يقول: يا رسول، الله أرشدني، وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ من عظماء المشركين، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعرض عنه ويُقبل على الآخر، ويقول: «أترى بما أقول بأسًا؟!» فيقول: لا، ففي هذا أنزل.

 

ذم التَّفريق بين الناس في العقوبات

     ومن أعظم ما يُذكر في هذا الباب: ما كان متفشّيًا عند الكفار في زمن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - من التَّفريق بين الناس في العقوبات بحسبَ أنسابهم؛ فأبطل ذلك الإسلامُ، فعن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ قريشا أهمَّهم شأنُ المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلِّم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد (حبُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم )! فكلَّمه أسامة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟!» ثم قام فاختطب، ثم قال: «إنَّما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضَّعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله، لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، فمهما علا نسبُ الإنسان فإنَّه أمام شرع الله مثله مثل غيره، وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ هذه العنصرية والتَّفريق بين الضعفاء والأقوياء والأغنياء والفقراء كان سببًا في هلاك الأمم؛ لذلك أقسم على أنَّ ابنته فاطمة -رضي الله عنها- لو فعلت ما يوجب الحد لأقامه عليها، مبينًا نبذ هذه العنصرية في التعامل، بادئًا في ذلك بأهل بيته -رضوان الله عليهم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك