الشباب المسلم 1323
الرجولة موقف ومسؤولية
الرجولة في ميزان الإسلام ليست عمرًا يبلغه الشاب، ولا قوة جسد أو ارتفاع صوت، ولا مظهرًا يتباهى به أمام الآخرين؛ وإنما هي إيمان يضبط السلوك، ومسؤولية تُحمل، وموقف ثابت عند الفتن والتحديات، قال -تعالى-: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} (التوبة:108)، وأثنى على أصحاب الكهف فقال: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} (الكهف: 13).
الرجل الحق هو من يعرف واجبه قبل أن يطالب بحقوقه، ويحفظ دينه أمام الفتن، ويضبط شهوته عند الإغراء، ويمتلك قراره أمام ضغط الأصدقاء، ويتحمل نتائج اختياراته، ويسعى ليكون نافعًا لأسرته ومجتمعه.
ومن الرجولة أن تصدق إذا كان الكذب أسهل، وأن تعترف بخطئك، وأن تفي بوعدك، وأن تنهض بعد عثرتك، وأن تقول للباطل: لا، ولو سار فيه كثيرون، فالرجولة لا تثبت بما تقوله عن نفسك، وإنما بما تتحمله من مسؤوليات، وما تنجزه من واجبات، وما تثبت عليه من قيم ومبادئ حين تتغير من حولك المواقف والظروف.
كن جادًا فالعمر لا ينتظر..
من أخطر ما يصيب الشاب أن تتحول حياته إلى ترفيه يتبعه تسويف، وأمنيات بلا عمل؛ تمضي الأيام، وتتأجل الأهداف، ويظل ينتظر وقتًا مناسبًا قد لا يأتي. وقد نبه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قيمة ما يملكه الإنسان فقال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، والجدية لا تعني أن تعيش بلا راحة أو ترفيه، وإنما أن تعرف متى تعمل ومتى تستريح؟ وما الذي يستحق وقتك وما الذي يسرقه منك؛ فتقدم الواجب على الرغبة، وتنجز ما بدأت، وتلتزم بما قررت، ولا تجعل مزاجك هو الذي يحدد مسار يومك ومستقبلك، ضع لنفسك هدفًا، وابدأ بما تستطيع، وداوم ولو على القليل، ولا تنتظر الحماس في كل مرة؛ فالإنجاز تصنعه الاستمرارية أكثر مما تصنعه البدايات المتحمسة، والعمر لا ينتظر المترددين؛ فما تؤجله اليوم قد يصبح حسرة غدًا، وما تزرعه من جد واجتهاد اليوم هو ما ستجني ثماره في مستقبلك.
العبادة تبني ثبات قلبك
إن أهم ما يحتاجه الشاب في هذا العصر إلى قلب قوي وقيم ثابتة، ولا شيء يبني هذا الثبات مثل صدق الصلة بالله؛ صلاة تحفظ يومه، وقرآن ينير قلبه، وذكر يوقظ روحه، ودعاء يربطه بربه، وصحبة صالحة تعينه إذا ضعف، والعبادة لا تعزل الشاب عن الحياة، بل تمنحه القوة التي يواجه بها تحدياتها؛ فالصلاة تعلمه الانضباط، والصيام يربي إرادته، والقرآن يبني وعيه، ومراقبة الله تمنحه القدرة على أن يقول للحرام: لا، ولو غابت عنه أعين الناس، وقد خص النبي -[- من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة: «وشاب نشأ في عبادة الله»؛ لأن الاستقامة في زمن القوة والشهوة والطموح دليل على حياة القلب وصدق الإيمان، فاجعل شبابك زمنًا للبناء لا للغفلة، وازرع فيه من الطاعات ما يثبت قلبك؛ فمن أحسن صلته بالله في أيام القوة، أعانه الله على الثبات حين تتغير الأحوال وتشتد الفتن.
قل «لا» حين يجب أن تقولها
ليست القوة أن تفعل كل ما تستطيع، وإنما أن تستطيع الامتناع عما لا يليق بك، أن تقول «لا» لصاحب يدعوك إلى معصية، و«لا» لمحتوى يفسد قلبك، و«لا» لعلاقة محرمة، و«لا» لساعة لهو حين ينتظرك واجب، ومن الرجولة أن تملك قرارك، وألا تجعل ثمن قبول الآخرين لك التنازل عن مبادئك، فالذي لا يملك أن يقول «لا» للخطأ، لن يملك طويلًا أن يقول «نعم» لأهدافه.
صاحبْ من يرفعك
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل»، والصديق لا يشاركك وقتك فقط؛ بل يؤثر في لغتك واهتماماتك وطموحاتك، وربما في. علاقتك بالله، فاختر من يذكرك إذا غفلت، ويشجعك إذا فترت، ويفرح بتقدمك، ولا يستدرجك إلى ما تخجل منه أمام الله وأمام أهلك؛ فمن علامات الصديق الصالح أنك تصبح بصحبته أفضل مما كنت قبلها.
العلماء هُداة الأمَّة

قال الشيخ عبدالرزاق عبدالمحسن البدر: العلماء هم القادة لسفينة النجاة، والرواد لساحل الأمان، والهداة في دياجير الظلام، قال -تعالى-: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة: 24)، وقد رفع الله قدر أهل العلم بما آتاهم من الفقه والبصيرة؛ فهم يبينون الأحكام، ويرشدون عند النوازل، ويميزون الحق من الباطل بعلم وتأصيل. وفي زمن تتكاثر فيه الآراء، ويتصدر فيه غير المتخصصين للحديث في الدين، تشتد الحاجة إلى الرجوع إلى العلماء الراسخين، وعدم أخذ الأحكام من كل متحدث أو مشهور، قال -تعالى-: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)، فمن سلامة المنهج معرفة قدر العلماء والرجوع إليهم عند الاشتباه؛ فبالعلم تنكشف الشبهات، وتتبين معالم الطريق.
مخالفات يقع فيها بعض الشباب
- التهاون في الصلاة وتأخيرها عن وقتها والانشغال عنها بالدراسة أو الترفيه.
- إضاعة الأوقات في الهاتف والألعاب ومواقع التواصل فيما لا ينفع.
- عقوق الوالدين برفع الصوت أو سوء الرد أو تجاهل توجيهاتهما.
- صحبة السوء والتأثر بأفكارهم وسلوكياتهم.
- إطلاق البصر ومتابعة المحتوى المحرّم أو غير اللائق.
- الغيبة والسخرية من الآخرين والتنمر عليهم.
- التساهل في الكذب والغش بحجة المزاح أو تحقيق مصلحة سريعة.
- التقليد الأعمى للمشاهير في المظهر والسلوك دون تمييز بين النافع والضار.
ﺣﻖ ﺍﻟﻠﻪ -ﺗﻌﺎﻟﻰ-

- ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺸﻴﺦ ابن عثيمين -ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ-: ﺣﻖ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﺣﻖ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﻭﺃﻭﺟﺒﻬﺎ ﻭﺃﻋﻈﻤﻬﺎ، ﻓﻠﻮ ﺣﺠﺐ ﻋﻨﻚ ﻓﻀﻠﻪ ﻃﺮﻓﺔ ﻋﻴﻦ ﻟﻬﻠﻜﺖ، ﻭﻟﻮ ﻣﻨﻌﻚ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﻟﻤﺎ ﻋﺸﺖ، ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﻓﻀﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻚ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﺑﻚ ﻓﺈﻥ ﺣﻘﻪ ﻋﻠﻴﻚ ﺃﻋﻈﻢ ﺍﻟﺤﻘﻮق، ﺇﻧﻪ ﻻ ﻳﺮﻳﺪ ﻣﻨﻚ ﺭﺯﻗﺎ ﻭﻻ ﺇﻃﻌﺎﻣﺎ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳﺮﻳﺪ ﻣﻨﻚ ﺷﻴﺌﺎ ﻭﺍﺣﺪﺍ ﻣﺼﻠﺤﺘﻪ ﻋﺎﺋﺪﺓ ﺇﻟﻴﻚ؛ ﻳﺮﻳﺪ ﻣﻨﻚ ﺃﻥ ﺗﻌﺒﺪﻩ ﻭﺣﺪﻩ ﻻ ﺷﺮﻳﻚ ﻟﻪ، ﻳﺮﻳﺪ ﻣﻨﻚ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻋﺒﺪﺍ ﻣﺘﺬﻟﻼ ﻟﻪ ﻣﻤﺘﺜﻼ ﻷﻣﺮﻩ ﻣﺠﺘﻨﺒﺎ ﻟﻨﻬﻴﻪ.
اعرف الشر لتحذره
ليس الوعي أن تعرف طريق الخير فحسب، بل أن تعرف كذلك أبواب الشر ومداخله حتى تحذرها؛ فقد قال حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -: «كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني»، فالمؤمن لا يبحث عن الشر ليخوض فيه، وإنما يعرفه حتى لا يقع فيه؛ وقد قيل:
عَرَفْتُ الشَّرَّ لا لِلشَّرِّلَكِنْ لِتَوَقِّيْهِ
وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ مِنَ الخَيْرِ يَقَعْ فِيهِ
والشاب اليوم أحوج ما يكون إلى هذا الوعي؛ فالفتن لا تأتي دائمًا في صورة واضحة، بل قد تتسلل عبر صديق، أو فكرة، أو شبهة، أو شهوة، أو محتوى يتكرر حتى يألفه القلب، لذلك، تعلَّم ما يحفظ دينك، واعرف مواطن الفتن، ولا تدخل أبوابها اعتمادًا على قوة نفسك؛ فالوعي بالشر ليس تشاؤمًا، وإنما بصيرة تحميك منه، ومن عرف مواضع الخطر كان أقدر على اجتنابها والثبات أمامها.
لاتوجد تعليقات