الأربعون الوقفية الموجزة 20 .. صِحّـة وقف المَشاع
- كل من قصد مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم - للصلاة والعبادة فيه كان لبني النجّار من الأجر مثل أجور القاصدين وذلك بسبب الأرض التي بذلوها لله تعالى
- مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم - هو المسجد الذي أُسِّس على التقوى وقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: صلاةٌ في مَسجِدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.
الحديث العشرون:
عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم - بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا»، قَالُوا: لاَ وَاللَّهِ لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ.
شرح الحديث
حينما قَدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وأمر ببناء المسجد؛ أرسل إلى أعيان بني النجار وكبارهم ، وطلب منهم أن يبيعوا أرضًا لهم؛ ليبني عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجدًا، فكان جوابهم أنهم جعلوا تلك الأرض وقفاً لله -سبحانه وتعالى-، لا يطلبون ثمنًا لها من أحد، إلا الأجر والثواب من الله -سبحانه وتعالى-.
وفي لفظ آخر: قال أنس - رضي الله عنه -: قدم النبي -صلى الله عليه وسلم - المدينة وأمر ببناء المسجد، فقال: «يا بني النجار ثامنوني»؛ فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله؛ «فأمر بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد».
وبنو النجار: قبيلة من الأنصار، وبطن من الخزرج، وهم: بنو تَيْم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الجَمُوح، والحَائِط هو: البستان المزروع بالنخيل؛ إذا كان محاطًا، و(ثامنوني): أي: بايعوني، وقدروا لي ثمن حائطكم لأذكر لكم الثمن الذي أختاره؛ بمعنى: أعطوني حائطكم بالثمن على سبيل المساومة، وثامنه بكذا، أي: قدر معه الثمن؛ فكان جواب بنو النجار للنبي - صلى الله عليه وسلم - سريعًا، فالأمر لا يحتمل التأخير وطول المشورة؛ بأنهم لا يرغبون بثمنه من أحد إلا من الله، والمعنى: لا نطلب الثمن، بل نتبرَّع بِه، ونطلب الثمن -أي: الأجر- من الله -سبحانه وتعالى-.
وبهذا البذل المبارك وفَّق الله بني النجار إلى وقفٍ امتد أثره عبر القرون، ونرجو أن يبقى أجره جاريًا لهم إلى يوم الدين؛ فكل من قصد مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة والعبادة فيه كان لبني النجار من الأجر مثل أجور القاصدين؛ وذلك بسبب الأرض التي بذلوها لله -تعالى-.
مسجد أسس على التقوى
مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المسجد الذي أسس على التقوى، وفيه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام، وقد اختار رسول الله -صلى الله عليه وسلم - هذه البقعة لتكون مسجدًا يجتمع المسلمون فيه لأداء صلواتهم وعباداتهم، وشرع مع أصحابه في بنائه، فاستغرق ذلك شهورا عدة .
منارة دولة الإسلام
منذ تلك اللحظة صار المسجد منارة تشع في أرجاء دولة الإسلام الناشئة، كما كان -أيضًا- بداية الانطلاقة لجيوش الإسلام التي فتحت مشارق الأرض ومغاربها في عهده - صلى الله عليه وسلم - وعهد من جاء بعده من خلفاء المسلمين.
ولبني النجار أجرٌ جارٍ منذ أن بني المسجد النبوي إلى يومنا هذا، بل إلى آخر الزمان؛ فكلما صلى فيه المصلون، واعتكف فيه المعتكفون، وقُرئ فيه القرآن، وعقدت في جنباته حلقات العلم منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا إلى ما يشاء الله -سبحانه وتعالى-؛ لا يحصي أجورهم على أرضهم تلك إلا الله -سبحانه وتعالى-، وهذه بركة من بركات الوقف لله -سبحانه وتعالى-؛ فهنيئا لبني النجار على هذا الأجر العظيم.
تصدُّق بني النجار بالأرض
جاء في «الفتح»: أن بني النجار تصدقوا بالأرض لله -عزوجل-، فقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولم ينكر قولهم، وهذا دليل على أن إذا وقف جماعة أرضًا مشَاعًا فهو جائز. فلو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم، وبيّن لهم الحكم، واستدل بهذه القصة على أن حكم المسجد يثبت للبناء إذا وقع بصورة المسجد؛ ولو لم يصرح الباني بذلك، وعن بعض المالكية: إن أذن فيه ثبت له حكم المسجد، وعن الحنفية: إن أذن للجماعة بالصلاة فيه ثبت، والمسألة مشهورة، ولا يثبت عند الجمهور إلا إن صرح الباني بالوقفية أو ذكر صيغة محتملة ونوى معها، وجاء -أيضًا-: ومراد البخاري: أن الوقف يصح بأي لفظ دل عليه؛ إما بمجرده، وإما بقرينة، والله أعلم.
من فوائد الحديث
- جواز التصريح بالوقف وإشهاره وإعلانه، والجهر بطلب أجر ذلك العمل من الله -سبحانه وتعالى-.
- مشروعية وقف الأرض للمسجد، وهذا هو الحائط الذي بُني فيه مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم -.
- صحة وقف المشاع الذي ينتفع به، والأرض المشاع يصح وقفها؛ كما فعل بنو النجار، وأقرهم النبي -صلى الله عليه وسلم -.
- أن الوقف يعقد بالتصريح، وأنه قد تم انعقاد الوقف قبل البناء، فيؤخذ منه: أن من وقف أرضاً على أن يبنيها مسجداً؛ انعقد الوقف قبل البناء.
- أهمية بناء المساجد، وأن إقامة المساجد أول ركيزة في بناء المجتمع الإسلامي وأهمها، امتثالاً لقوله -تعالى-: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ}.
الوقف وصناعة الحضارة
لم يكن الوقف في الحضارة الإسلامية مجرد باب من أبواب الصدقة، بل كان مؤسسة حضارية أسهمت في بناء الإنسان ونهضة المجتمع، وحوّلت المال من منفعة فردية مؤقتة إلى عطاء متجدد يمتد أثره عبر الأجيال.
وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المعنى بقوله: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»؛ فالوقف يجمع بين دوام الأجر واستمرار النفع، ويجعل العطاء قادرًا على تجاوز حدود الزمان وحياة صاحبه.
وعبر التاريخ الإسلامي، لم تقتصر الأوقاف على بناء المساجد ورعاية الفقراء، بل امتدت إلى المدارس والمكتبات والمستشفيات، وكفالة طلاب العلم، ورعاية الأيتام والمسافرين، وسقيا الماء، وإنشاء الطرق والمرافق العامة. وهكذا كان الوقف شريكًا في صناعة العلم، وحفظ الكرامة، وتحقيق التكافل، وبناء مقومات الحضارة.
وتزداد الحاجة اليوم إلى استعادة هذه الروح، والانتقال بالوقف من طريقته التقليدية إلى وقف تنموي مستدام، يستجيب لحاجات المجتمع المعاصرة؛ فيدعم التعليم والبحث العلمي، والتدريب والتأهيل، والصحة، والمشروعات الاجتماعية، وصناعة المعرفة.
فالوقف ليس مالًا يُحبس فحسب، بل أثرٌ يُطلق؛ ولا تُقاس قيمته بحجم أصوله وحدها، وإنما بحجم الإنسان الذي يبنيه، والحاجة التي يسدها، والخير الذي يبقى بعد رحيل صاحبه. ومن هنا كان الوقف أحد جسور الحضارة التي تصل عطاء الحاضر بمستقبل الأجيال.
لاتوجد تعليقات