خواطر الكلمة الطيبة .. حِراسة المُصطـلحـات الشرعية
- قضية المصطلحات تمسّ سلامة التصور ودقة المنهج والتمسك بألفاظ الوحي ومصطلحات الشريعة تَحفظ المعاني من التبدل والتغيير
- من أسباب الانحراف محاولة استحداث ألفاظ ومصطلحات عصرية ثم تحميلها على المعاني الشرعية
- من سِمات المنهج السّلفي العناية بالألفاظ الشرعية فحفظ الألفاظ حراسة للمعاني والمفاهيم
يمثّل الحديث عن تأثير دعاة التوحيد في ألفاظ المجتمع، إشارةً عميقة إلى أحد أوجه الإصلاح الدعوي التي قد تبدو خفيّة في ظاهرها، لكنها عظيمة الأثر في حقيقتها؛ فالتوحيد - كما يُراد له شرعًا - لا يقتصر على بيان ما بين العبد وربه وقد استمعت إلى مقطع للشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ - حفظه الله -، تناول فيه قضية دقيقة من قضايا المنهج والعقيدة، وهي أثر الألفاظ والمصطلحات في حفظ المعاني الشرعية أو الانحراف بها.
وقد عُرف الشيخ بعنايته بالتأصيل والتقعيد في مسائل الاعتقاد، وتقريبها إلى عامة المسلمين وطلبة العلم، والتنبيه إلى المداخل التي قد يقع بسببها الخلل في الفهم والتصور.
من إخلاص العبادة، بل يتجاوز ذلك ليشمل توحيد الاتباع للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وتوحيد المصدر بردّ التشريع والاحتكام إلى الكتاب والسُنَّة في شؤون الحياة كلها، وكان من جملة ما أشار إليه أن من أسباب الانحراف محاولة استحداث ألفاظ ومصطلحات عصرية، ثم تحميلها على المعاني الشرعية، مع ما قد تحمله تلك الألفاظ من دلالات ومضامين لا تنسجم مع حقيقة الشرع؛ فالقضية ليست مجرد اختيار لغوي أو تحسين في العبارة، وإنما قد تمتد آثارها إلى التصورات والمفاهيم؛ لأن الألفاظ أوعية المعاني، واضطراب اللفظ قد يفضي إلى اضطراب المفهوم.
قضية قديمة تتجدد
وأنا أستمع إلى هذا التأصيل في عام 2026، رجعت بي الذاكرة إلى أوراق الدعوة السلفية في الكويت، فإذا بالقضية نفسها مطروحة منذ أكثر من نصف قرن؛ ففي عام 1972 كتب الشيخ عبدالله السبت مقالًا بعنوان: (الإسلام دين وليس فِكرًا)، ناقش فيه استعمال بعض المصطلحات التي بدأت تشيع آنذاك في الكتابات الإسلامية.
وكان من ذلك ما نُشر في مجلة «البلاغ» من تكرار عبارات من قبيل: «الفكر الإسلامي»، و«الفكر القرآني»، و«الفكر النبوي». وهي تعبيرات قد تمر على السامع دون أن يلتفت إليها، ولا سيما مع شيوعها على ألسنة كثير من الكتّاب والدعاة، غير إن الشيخ السبت توقف عند دلالاتها، ونظر إليها من زاوية عقدية ومنهجية، تتجاوز ظاهر اللفظ إلى ما قد يترتب عليه من معنى.
بين الفكر البشري والوحي الإلهي
ينطلق الإشكال من معنى «الفكر»؛ فهو في أصله إعمال العقل والنظر للوصول إلى معرفة أو نتيجة. والنتاج الفكري البشري بفطرته قابل للمراجعة والتصحيح والنقد؛ فقد يصل الإنسان باجتهاده إلى نتيجة، ثم تظهر له معطيات جديدة تجعله يعيد النظر فيها أو يتراجع عنها.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الفكر البشري والوحي الإلهي؛ فالقرآن ليس ثمرة نظر بشري، والسنة النبوية ليست نتاج تجربة فكرية قابلة للتصويب والتخطئة، وإنما هما وحي وهدى من الله -تعالى-، قال -سبحانه-: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} (النجم)؛ ومن هنا كانت العناية بالمصطلحات ضرورة علمية؛ إذ لا يستويان بحال من الأحوال: الحق المنزل من قبل الله رب العالمين الذي {لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(فصلت:42)، والفكر البشري الذي يطرأ عليه التغيير والاضطراب {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء:82).
الدين هو التعبير الشرعي الأصيل
لهذا كان التعبير بـ«الدين الإسلامي» و«العقيدة الإسلامية» أدق وأبعد عن الإشكال حين يكون المراد الوحي وما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. قال -تعالى-: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران: 19)، وفي حديث جبريل قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». فالتعبير النبوي واضح: دينكم؛ لأنه دين منزل من عند الله، يقوم على حقائق ثابتة يجب الإيمان بها والتسليم لها، وليست آراء بشرية تنتظر القبول أو الرفض بحسب تغير الأزمنة والأذواق، وهذا لا يعني المنع المطلق من استعمال كلمة «الفكر» في سياقها؛ وإنما المقصود ضرورة التفريق بين الوحي نفسه وبين فهم البشر واجتهاداتهم حوله؛ فاجتهاد العالم وفهم الباحث ونظر المفكر أعمال بشرية قابلة للصواب والخطأ، أما الوحي الذي يُرجع إليه ويُحتكم إليه فليس كذلك.
حفظ الألفاظ حفظ للمعاني
ومن السمات البارزة في المنهج السلفي العناية بالألفاظ الشرعية المأثورة؛ لأن المحافظة على الألفاظ ليست تمسكًا شكليا بالكلمات، بل هي في حقيقتها حراسة للمعاني والمفاهيم؛ ولهذا اعتنى علماء الحديث عناية فائقة بنقل النصوص وضبط ألفاظها وأسانيدها؛ لأن اللفظ المنقول يحمل المعنى المراد، وكلما اقترب المسلم من لغة الوحي وألفاظ السلف، كان أبعد عن الإشكالات التي قد تحملها المصطلحات المحدثة، فالألفاظ ليست قوالب محايدة دائمًا، وبعض الكلمات قد تحمل وراءها تاريخًا فكريا أو فلسفيا أو دلالات اصطلاحية لا تظهر للوهلة الأول؛ ومن هنا كان التثبت في اختيار المصطلح جزءًا من التثبت في بناء التصور نفسه.
النبوة أسمى من العبقرية
ومن الأمثلة الدالة على ذلك وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بـ«العبقري»، كما في بعض الكتابات التي احتفت بعبارة «عبقرية محمد». ولا شك أن المقصود منها عند أصحابها قد يكون الثناء والإعجاب، لكن مقام النبوة أرفع وأشرف من أن يُختزل في وصف بشري كالعبقرية، فالعبقري إنسان يبلغ باجتهاده وفكره قدرًا استثنائيا من النبوغ، ومع ذلك يبقى اجتهاده بشريا يحتمل الإصابة والخطأ. أما محمد -صلى الله عليه وسلم - فهو رسول الله وخاتم النبيين، يوحى إليه من ربه، ومن ثم فإن وصفه بالنبوة والرسالة هو الوصف الحق الذي جاء به القرآن الكريم، قال الله -تعالى-{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ}(الفتح:29)، وهذا ليس مقام تشريف فحسب؛ بل هو تنبيه إلى حقيقة مصدر ما جاء به؛ فهو لم يأت بهذا الدين نتيجة عبقرية فكرية أو تجربة بشرية، وإنما كان وحيا أوحى الله به إليه ليبلغه إلى الناس.
الفكر يتغير والوحي ثابت
يمكن الحديث عن فكر رأسمالي أو ماركسي أو شيوعي أو ليبرالي؛ فهذه تصورات ومناهج بشرية أنتجتها العقول؛ ولذلك تتغير وتتطور، ويُنقض بعضها ويُراجع بعضها الآخر، أما الإسلام في أصله ومصدره فليس مشروعًا فكريا بشريا خاضعًا لهذه التحولات، وإنما هو وحي من الله؛ كتاب محفوظ وسنة ثابتة، ومرجعية باقية إلى قيام الساعة.
ومن هنا ندرك أن قضية المصطلحات ليست ترفًا لغويا، بل قضية تمس سلامة التصور ودقة المنهج، وكلما كان المسلم -ولا سيما طالب العلم والداعية- أكثر التصاقًا بألفاظ الوحي ومصطلحات الشريعة، كان أقدر على حفظ المعاني من التبدل والتغير؛ فحراسة المصطلح حراسة للمعنى، وحراسة المعنى حراسة للمنهج؛ والكلمة التي تبدو صغيرة قد تحمل وراءها تصورًا كاملًا.
لاتوجد تعليقات