الشباب المسلم 1321
التقوى تصنع مستقبلك
حين يفكر الشاب في مستقبله، ينشغل -غالبًا- بالدراسة، والعمل، والمهارات، والعلاقات، والتخطيط لما هو قادم، وكل ذلك مهم، لكن هناك مفتاحًا أعظم للتوفيق، قد يغيب عن كثيرين ألا وهو التقوى؛ فالتقوى ليست زادًا للآخرة فحسب؛ بل هي منهج حياة، وسبب من أعظم أسباب التوفيق في الدنيا قبل الآخرة، قال -تعالى-: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (الطلاق)، وقال -سبحانه-: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (الطلاق: 4).
إن التقوى هي المخرج عند الأزمات، واليسر عند العسر، والرزق من حيث لا يتوقع الإنسان، وتمنح صاحبها نورًا يميز به بين الطرق، وبصيرةً يحسن بها الاختيار. قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} (الأنفال: 29)، وقد يظن بعض الشباب أن الطريق إلى النجاح يقتضي أحيانًا تجاوز بعض حدود الله: علاقة محرمة تفتح بابًا، أو مجاملة على حساب الدين تحقق مصلحة، أو مالًا مشبوهًا يختصر الطريق، أو تنازلًا عن مبدأ يحفظ وظيفة؛ لكن المؤمن يعلم أن ما عند الله لا يُنال بمعصيته، وأن الطريق الذي يبدأ بسخط الله لا يُنتظر أن ينتهي بالتوفيق. والتقوى لا تعني ترك الأسباب أو انتظار النجاح بلا عمل؛ بل تعني أن تدرس وتجتهد، وتخطط وتتقن، وتسعى وتنافس، لكنك تفعل ذلك كله وقلبك متعلق بالله، وخطواتك منضبطة بشرعه؛ فلا تطلب رزقًا بحرام، ولا نجاحًا بمعصية، ولا مستقبلًا على أنقاض دينك؛ فمن أراد مستقبلًا مباركًا، فليبدأ من هنا: أصلح ما بينك وبين الله، يجعل الله لك من أمرك يُسرًا.أخلاقيات يجب أن تسود بين الشباب
- الصدق والأمانة: في الأقوال والمعاملات والوعود.
- الحياء والعفة: وصيانة النفس عن مواطن الفتن والشبهات.
- برّ الوالدين: بالإحسان والطاعة وحسن الخطاب.
- احترام الآخرين: وتجنب السخرية والتنمر والانتقاص.
- حِفظ اللسان: عن الغيبة والنميمة والسب ونشر الشائعات.
- الوفاء وحفظ الأسرار: وصيانة المجالس والخصوصيات.
- التواضع: وترك الكبر والتعالي وحب الظهور.
- حسن الصحبة: بالتناصح والإعانة على الخير.
- تحمّل المسؤولية: والجدية في الدراسة والعمل وخدمة المجتمع.
- الرحمة والتعاون: ومساعدة الضعيف والمحتاج وإغاثة الملهوف.
- العفو وضبط النفس: عند الغضب والخلاف والاستفزاز.
- الإيجابية والمبادرة: والمشاركة في الإصلاح وصناعة الخير.
رسالة إلى الشباب
أيها الشاب: اجعل أول استثمارٍ في مستقبلك إصلاحَ علاقتك بالله؛ فكم من بابٍ عجزت الأسباب عن فتحه ففتحته حُسنُ الصلة بالله! وكم من طريقٍ بدا مسدودًا فجعل الله فيه مخرجًا! وكم من أمرٍ استعصى فجاءت التقوى باليسر والتوفيق!الصدق في القصد والقول والعمل
الصدق الحقيقي غير قاصر على صدق القول فقط، بل يكون في القصد والقول والعمل:- فمعناه في القصد: الإخلاص لله -تعالى-، وقوة الإرادة على السير إليه -سبحانه وتعالى-، ويكون ذلك بالمبادرة إلى أداء ما افترضه الله عليه، ومنه الدعوة إلى الله -تعالى.
- وأما الصدق في القول فمعناه: نطق اللسان بالحق والصواب، فلا ينطق بالباطل أيًّا كان.
- والصدق في الأعمال: بأن تكون خالصة لله صوابًا على سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم .
حين يعظم الله في قلبك

حال المؤمن في الشدائد والمحن

عظِّم أمر الله ولو خالف هواك
من أصدق دلائل الإيمان أن يكون أمر الله مقدَّمًا على هوى النفس؛ فليس التعظيم أن تطيع فيما يوافق رغبتك فحسب؛ وإنما أن تقف عند حدود الله حين تدعوك نفسك إلى تجاوزها، وأن تختار ما يرضيه حين تتزاحم أمامك الرغبات والمصالح، قال -تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (الأحزاب: 36)، فالمؤمن إذا عرف حكم الله لم يجعل هواه حاكمًا عليه، ولم يبحث عن المخارج التي توافق رغباته، بل يقول بقلب راضٍ: سمعنا وأطعنا، وتظهر حقيقة هذا التعظيم في المواقف التي تثقل على النفس: حين تغض بصرك مع وجود الفتنة، وتترك مالًا لأن فيه شبهة، وتنهي علاقة لا ترضي الله رغم تعلق القلب بها، وتَصْدُق حين يكون الكذب أسهل، وتثبت على الحق ولو خالفك من حولك، فهنا يُعرف قدر أمر الله في قلبك.مخالفات شبابية تحتاج إلى وقفة
- ضعف الحياء: والتأثر بثقافة تجعل الجرأة على المحرمات تحررًا.
- الخوض في الدين بلا علم: ونشر الفتاوى والأحكام دون تثبّت.
- التنمّر والسخرية: من الآخرين بسبب أشكالهم أو أحوالهم وقدراتهم.
- هجر القرآن: والانشغال بالهاتف عن تلاوته وتدبره.
- تسويف التوبة: وتأجيل الاستقامة وكأن العمر مضمون.
- اتباع الشهوات: وتقديم هوى النفس على أمر الله.
- ضعف تعظيم الحرمات: فكلما عظُم الله في القلب عظمت حدوده وأوامره.
الشاب التقي قوي لا ضعيف
ليس القوي من يستطيع الوصول إلى الحرام، وإنما من يقدر عليه ثم يمنعه خوفه من الله؛ وليس القوي من ينساق خلف رغباته، وإنما من يملك زمام نفسه حين تشتد الشهوة، ويثبت على مبدئه حين يتنازل الآخرون، ويتمسك بدينه حين يتهاون الآخرون، قال -تعالى-: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات: 40-41)، فمجاهدة النفس ليست ضعفًا، بل من أعظم ميادين القوة؛ لأنك تنتصر فيها على خصم يسكن داخلك، ويعرف مواطن ضعفك، ويزين لك ما تهواه. والشاب التقي ليس شابا منعزلًا عن الحياة، بل هو شاب حاضر وفاعل؛ يتعلم، ويعمل، ويبدع، وينجح، ويستمتع بما أحل الله، لكنه يعرف أين يقف، ومتى يمتنع، وما الذي لا يساوم عليه، يقود رغباته ولا تقوده، ويملك شهواته ولا تملكه، ويتعامل مع الدنيا دون أن تستولي الدنيا على قلبه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»، فلا تظن أن ترك الحرام ضعف، ولا أن العفة حرمان، ولا أن الثبات على المبدأ تخلف؛ فربما كان أعظم انتصار تحققه في حياتك موقفًا لم يصفق لك فيه أحد، لكنك غلبت فيه نفسك، وقلت أمام الفتنة: إني أخاف الله.وصية إلى كل شاب
يا من وهبك الله قوة الشباب: اجعلها زادًا لطاعته، واحفظ جوارحك عن معصيته، وأقم صلاتك، وأصلح سريرتك، وعظِّم حرماته؛ فإن أجمل الشباب من امتلأ قلبه بالتقوى، واستقام سلوكه على الهدى، ومضى في دروب الحياة ثابتًا على الحق، مبتغيًا رضوان الله وما عنده.
لاتوجد تعليقات