عالم التقنية والذكاء الاصطناعي .. الخوارزميات وصناعة الوعي الجمعي (١)
- أصبحت الخوارزميات - في زماننا المعاصر- وسيطاً مهما ومؤثراً بين الإنسان والعالم من حوله؛ فهي التي تختار كثيراً مما يظهر أمامنا، وتحدد ترتيب الأخبار والمنشورات والمقاطع
- لا تفرض الخوارزميات على الإنسان اعتقاداً معيناً مباشرة، ولا تلغي إرادته وعقله، لكنها تصنع البيئة التي يمارس داخلها اختياره؛ فهي تحدد ما يدخل مجال رؤيته، وما يتكرر أمامه
أصبحت الخوارزميات - في زماننا المعاصر- وسيطاً مهما ومؤثراً بين الإنسان والعالم من حوله؛ فهي التي تختار كثيراً مما يظهر أمامنا، وتحدد ترتيب الأخبار والمنشورات والمقاطع، وتقترح الأشخاص والموضوعات، وتكرر بعض الرسائل، بينما تدفع بغيرها بعيداً عن مجال الرؤية، ومع انتقال جانب كبير من حياة الناس إلى المنصات الرقمية، لم يعد تأثير الخوارزميات محصوراً في تسهيل البحث أو تحسين تجربة الاستخدام، بل امتد إلى تشكيل الاهتمامات، وترتيب الأولويات، وتوجيه الانفعالات، وصناعة الصور الذهنية عن الأشخاص والجماعات والقضايا. ومن هنا برز سؤال بالغ الأهمية: إلى أي مدى تسهم الخوارزميات في صناعة الوعي الجمعي؟ وكيف يمكن التعامل معها في ضوء القيم الإسلامية التي تقوم على الصدق والعدل والتثبت وحفظ الكرامة الإنسانية؟
الخوارزميات بوابة جديدة للمعلومات
في عصر الصحافة والإذاعة والتلفاز، كان المحرر أو المؤسسة الإعلامية يؤديان دور (حارس البوابة)، فيقرران ما الذي ينشر، ومتى ينشر، وكيف يُعرض على الجمهور. أما اليوم، فقد انتقل جانب كبير من هذه الوظيفة إلى أنظمة حسابية تتخذ ملايين القرارات خلال أجزاء من الثانية؛ فعندما يفتح المستخدم إحدى المنصات، فإنه لا يشاهد كل ما نُشر، وإنما يشاهد محتوى منتقى وفق معايير متعددة، منها: اهتماماته السابقة، ومدة مشاهدته، والأشخاص الذين يتفاعل معهم، والموقع الجغرافي، واللغة، والموضوعات الرائجة، واحتمال إعجابه بالمحتوى أو مشاركته له. وهكذا لا تنقل الخوارزمية الواقع كما هو، وإنما تقدم نسخة منتقاة ومرتبة منه، وقد يظن المستخدم أنه يرى أهم ما يجري، بينما هو في الحقيقة يرى ما رجّحت الخوارزمية أنه أكثر قدرة على جذبه وإبقائه داخل المنصة.من ترتيب المحتوى إلى تشكيل الإدراك
لا تفرض الخوارزميات على الإنسان اعتقاداً معيناً مباشرة، ولا تلغي إرادته وعقله، لكنها تصنع البيئة التي يمارس داخلها اختياره؛ فهي تحدد ما يدخل مجال رؤيته، وما يتكرر أمامه، وما يبدو له شائعاً أو مهمًّا أو مقبولاً اجتماعيا. وتبدأ عملية التأثير عادة من توجيه الانتباه؛ فحين ترفع الخوارزمية قضية معينة وتكررها، تتقدم هذه القضية في وعي الجمهور، حتى لو لم تكن هي الأهم في الواقع. ثم يأتي دور الإطار التفسيري؛ إذ قد تُعرض القضية من زاوية واحدة، فتتكون لدى المتلقي صورة ناقصة أو منحازة، ومع كثرة التكرار، تصبح الفكرة أكثر ألفة، وقد يختلط شيوعها بصحتها. أما أرقام الإعجابات والمشاهدات والمشاركات، فتعمل بوصفها نوعاً من «البرهان الاجتماعي»؛ فالمحتوى الذي يحظى بتفاعل كبير يبدو أكثر صدقية أو قبولاً، مع أن الانتشار لا يدل بالضرورة على الحقيقة، وقد يكون نتيجة إثارة عاطفية، أو تمويل إعلاني، أو نشاط منظم، أو حسابات غير حقيقية؛ وبذلك تنتقل الخوارزمية من مجرد ترتيب المحتوى إلى التأثير في إدراك الجمهور لما هو مهم، وما هو شائع، وما هو موثوق، وما ينبغي قبوله أو رفضه.اقتصاد الانتباه ومكافأة الإثارة
يقوم النموذج الاقتصادي لكثير من المنصات على جذب انتباه المستخدم لأطول مدة ممكنة؛ لأن زيادة الوقت الذي يقضيه داخل المنصة تعني مزيداً من البيانات والإعلانات والأرباح. ولهذا قد تُصمم أنظمة التوصية لتعظيم النقر والمشاهدة والتفاعل والعودة المتكررة؛ غير أن التفاعل ليس مرادفاً للقيمة، وكثرة المشاهدة ليست دليلاً على النفع؛ فالمحتوى المثير والغاضب والصادم والغريب يستطيع اجتذاب الانتباه بسرعة أكبر من المحتوى المتزن والعميق، وقد تجد الخوارزمية أن المنشورات التي تثير الخوف أو الغضب أو الخصومة تحقق تفاعلاً مرتفعاً، فتمنحها مزيداً من الانتشار، حتى لو كانت أقل دقة أو أشد ضرراً. وهنا تتكون دائرة متكررة: تعرض المنصة محتوى مثيراً، فيتفاعل الناس معه، فتفسر الخوارزمية هذا التفاعل بوصفه دليلاً على الاهتمام، فتعرض مزيداً من المحتوى المشابه، فيزداد حضوره وتأثيره. ومع تكرار هذه العملية على نطاق واسع، قد تنتقل قضية هامشية إلى مركز النقاش العام، أو يتحول خلاف محدود إلى حالة استقطاب اجتماعي.هل تحبسنا الخوارزميات داخل فقاعات؟
يشيع الحديث عن «فقاعات الترشيح» و«غرف الصدى»؛ حيث يرى المستخدم بصورة متكررة الآراء التي توافق ميوله، ويتراجع تعرضه للمصادر المخالفة. وهذا الاحتمال قائم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير مبسط لكل انقسام أو استقطاب؛ فالإنسان نفسه يميل إلى ما يؤكد قناعاته السابقة، كما أن الأسرة والأصدقاء والبيئة الثقافية والإعلام والمؤسسات السياسية والاجتماعية تسهم جميعاً في تشكيل مواقفه؛ ولذلك فإن الخوارزمية ليست السبب الوحيد، لكنها قد تزيد قوة هذه الميول، وتسرّع انتشارها، وتحولها إلى حلقات مغلقة يصعب داخلها الاستماع الهادئ إلى الرأي الآخر، وقد لا يكون الخطر في مجرد رؤية محتوى متوافق مع ميول الإنسان، بل في اعتقاده أن ما يراه يمثل المجتمع كله. فالمستخدم قد يحيط نفسه رقميا بأشخاص يتشابهون معه، ثم يظن أن رأيهم هو الرأي العام، وأن كل مخالف حالة شاذة أو عدو ينبغي إقصاؤه.. وهنا يتحول الاختلاف الطبيعي إلى استقطاب عاطفي، لا يقتصر على رفض الفكرة، بل يمتد إلى احتقار أصحابها أو التشكيك في نياتهم وإنسانيتهم.أخبار تقنية:
انتشار شبكات الجيل الخامس الخاصة
يتزايد اعتماد المصانع والموانئ والمستشفيات والمنشآت الذكية على شبكات الجيل الخامس الخاصة (Private 5GP)، وتتيح هذه الشبكات للمؤسسة تشغيل شبكة مستقلة داخل منشآتها، بدل الاعتماد الكامل على شبكة الاتصالات العامة، وتتميز بسرعة الاستجابة، وإمكانية التحكم في مستوى الأمان، وقدرتها على ربط الروبوتات وأجهزة الاستشعار والمعدات الذكية بكفاءة أكبر, وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الخدمات، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في شكل الهجمات الإلكترونية، وطريقة حماية المؤسسات، وتصميم شبكات المستقبل.
لاتوجد تعليقات