رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 7 سبتمبر، 2026 0 تعليق

وينتهـي الاختبـار دون سابق إنذار!

- لا ينكر أحد أن الموت حق، المؤمن والكافر، والملحد والمشرك، وعبدة الأصنام، وعبدة النار، وعبدة البقر والشجر، الكل يرى بأم عينه، أن حياة الإنسان تنتهي، ولكن ماذا بعد الموت؟! الماديون يرون أنها النهاية، والهندوس والبوذيون، يرون أن الجسد يفنى والرّوح تنتقل إلى جسد آخر، والملحدون لا يريدون التفكير فيما بعد الموت، الأمر مجهول بالنسبة لهم، ومن فضل الله على من اتبع الهدى من نزول آدم وإلى قيام الساعة، أنه -سبحانه- أخبرهم بما يحصل بعد الموت، ولم يؤت أحدا تفصيلا أكثر مما آتى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فنحن -المسلمين- نعلم بالتفصيل كل ما نحتاج أن نعلمه عن الموت وما بعد الموت! خاطرة قصيرة بعد صلاة المغرب، كعادة إمامنا كل أربعاء، مكث معظم المصلين في أماكنهم؛ لأن بداية الخاطرة مشوقة. - نؤمن أن أجل كل واحد قد كتب في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وسجله مرة أخرى عند بلوغه مئة وعشرين يوما، كما في الحديث المتفق عليه: «إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد»، وهذا (الكتاب الجديد) يوافق ما كتب في اللوح المحفوظ! فلا يموت أحد إلا في اللحظة التي ينتهي فيها أجله، وفي المكان الذي كتب له فيه الموت: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (لقمان:34). استأذن أحد المصلين: - وهل يشعر أحد أن الموت اقترب منه، أعني هل يرى علامات أو يشعر بأي شيء أن أجله قد اقترب؟! - سؤال جميل، ذلك أن الإنسان لا يكون على يقين أنه سيموت إلا إذا أتى أجله حقيقة؛ فيرى بدايات الموت، ثم تبدأ رحلة خروج الروح من البدن، أما من حوله فلا يبصرون ذلك، كما قال -تعالى-: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ} (الواقعة). هذه مرحلة لا رجوع فيها! - وماذا عن الذين يقولون إنهم (رجعوا من الموت)! ويصفون الأمر أنهم رأوا نفقا، ونورًا وأموًرا أخرى. - هؤلاء لم يأتهم أجلهم، ربما توقف القلب لفترة، ثم رجع للنبض، أو ربما توقفت الرئة مدة، ثم رجعت للعمل، هؤلاء لم يموتوا بمعنى أن أرواحهم لم تفارق أجسادهم، وهذا هو تعريف الموت، أن تفارق الروح الجسد، نهائيا، ولا ترجع إليه، وذلك أن الأرواح تفارق الأجساد بطريقة ما أثناء النوم، كما قال -تعالى-: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الزمر:42)، يقول السعدي في تفسيره: «وفي هذه الآية دليل على أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في البرزخ فتجتمع وتتحادث فيرسل الله أرواح الأحياء إلى أجسادها ويمسك أرواح الأموات». ومعنى ذلك أن هذا الأمر ممكن الوقوع وليس بضرورة أن يحدث لكل شخص، ولكن النوم صورة من صور الموت بمعنى أن فيه مفارقة للروح عن الجسد، ولذلك يسمى النوم (الموتة الصغرى)، وفي الحديث عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «النوم أخو الموت ولا ينام أهل الجنة» (صحيح الجامع). فهؤلاء الذين يزعمون أنهم  رجعوا من الموت، لم يذوقوا الموت الحقيقي، وإنما انقطعت بعض أسباب الحياة المادية عنهم مؤقتا ثم عادت، وكلنا رأى أو سمع عن أصدقاء أو أقارب توقف نبض القلب عندهم لفترة ثم عاد ينبض! ورجعوا إلى وعيهم، وهذا ليس هو الموت، من مات لا يرجع! كما قال -تعالى-: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (المؤمنون). - وهل (عملية الموت) مؤلمة، موجعة، أم سلسلة هيّنة؟! - لكل فرد تجربة خاصة به عند موته، ورأينا أصنافا كثيرة مما فارقت أرواجهم أجسادهم، بعضهم يكون جالسا مع أهله أو أصدقائه، وتفارق روحه جسده! وبعضهم يأوى إلى فراشه فتفارق روحه جسده وهو نائم!  وبعضهم تفارق روحه جسده وهو ساجد! وبعضهم تفارق روحه جسده وهو على سرير المرض، وبعضهم تفارق روحه جسده وهو في أرض المعركة؛ فلا  نمط واحد لخروج الروح من الجسد، ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعطانا نموذجين لأهل الإيمان، وأهل الكفر، وهذه أمثله لحالة في أقصى اليمين وأخرى في أقصى الشمال، وبينهما أمور كثيرة متنوعة في الحديث، عن البراء بن عازب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان،  قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مِسك وجدت على وجه الأرض،  قال: فيصعدون بها فلا يمرون -يعني بها- على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيب فيقولون : فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى سماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة؛ - فيقول الله -عز وجل- : اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون : فلان بن فلان -بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا- حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}، فيقول الله -عز وجل-: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى؛ فتطرح روحه طرحا ثم قرأ: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} (صحيح الجامع الصغير).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك