رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 7 سبتمبر، 2026 0 تعليق

آيات ربانية تتجلّى فيها قدرة الله عز وجل – الكوارث والأزمات.. دعوة للتدبر  والتفكر !

  • لا يجوز الجزم بمراد الله من الكوارث دون دليل شرعي؛ فقد تكون الكارثة عقوبةً أو ابتلاءً أو إنذارًا
  • كارثة نيبال والتبت الأشد إذ خلّفت مئات الوفيات وآلاف المفقودين وأضرارًا واسعة في البنية التحتية والخدمات
  • لم تتوقف التداعيات عند الخسائر المباشرة بل طالت الأطفال والتعليم والصحة والاقتصاد وفرضت احتياجات كبيرة للإغاثة وإعادة الإعمار
  • الكوارث باب للاعتبار والعمل فهي تذكّر بضعف الإنسان وعظمة قدرة الله وتدعو إلى التوبة والدعاء وإغاثة المنكوبين وبذل أسباب الوقاية والسلامة
  • الإيمان بالقدر لا يلغي الأسباب فالأحداث تجري بعلم الله ومشيئته مع وجوب دراسة أسبابها والأخذ بوسائل الوقاية والاستعداد لها
  • ليست كل كارثة عقوبة من الله فقد تكون ابتلاءً أو تكفيرًا ورفعة وقد تكون إنذارًا أو عقوبة فلا يجوز الجزم بمراد الله من واقعة بعينها دون دليل
  • أشد البراكين في القرن العشرين: ثوران مونت بيليه عام 1902 في المارتينيك، بنحو 30 ألف وفاة
  • أكثر الزلازل فتكًا في العصر الحديث: زلزال سومطرة وإندونيسيا عام 2004 بقوة: 9.1 درجات؛ أطلق تسونامي هائلًا، وأدى إلى مقتل أكثر من 280 ألف شخص وتشريد نحو 1.1 مليون
  • أشد حرائق الغابات: حريق بيشتيغو بالولايات المتحدة عام 1871؛ أتى على نحو: 1.5 مليون فدان (نحو: 607آلاف هكتار) أودى بحياة ما يُقدَّر بـ 1٫200 إلى 2٫400 شخص
 

إعداد: وائل سلامة - عمرو علي

كان الأسبوع الأخير من أغسطس 2026 أسبوعًا استثنائيًا غير مسبوق في سجل الكوارث؛ فقد بدا العالم وكأنه على موعدٍ متزامن مع مشاهد مروِّعة من الدمار؛ فبينما كانت السيول والانهيارات الجليدية تجتاح مناطق واسعة من نيبال والتبت، كانت النيران تلتهم مساحات واسعة من شمال الجزائر، وتتسع بؤر الحرائق في إندونيسيا، فيما واصلت دول أوروبية مواجهة موسم استثنائي من الحرائق وموجات الحر؛ مشهدٌ عالمي واحد، تعددت ساحاته، وتنوَّعت كوارثه، وتشابهت رسالته: أنَّ الإنسان مهما بلغ من القوة يبقى ضعيفًا أمام قدرة الله -تعالى-، والكون بما فيه ومن فيه خاضعٌ لأمره -سبحانه-، جارٍ بقدره؛ فما أضعف المخلوق، وما أعظم الخالق! قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} (فاطر)، وقال -تعالى-: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} (تبارك: 16-17).

أولًا: ماذا حدث في نيبال؟

        صباح الأربعاء 26 أغسطس 2026، انهار جزء ضخم من كتلة جليدية وصخرية في منطقة جبلية مرتفعة قرب الحدود النيبالية - الصينية، وهوت الكتلة من ارتفاع يقدَّر بنحو 5200 متر إلى قاع الوادي، قاطعةً مسافة رأسية تقارب 1200 متر، قبل أن تتحول إلى تيار هائل من الجليد والصخور والطين والمياه، واندفعت الكتلة عبر حوض نهر (لهندي)، ثم انتقلت إلى نهري (بهوتي كوشي) و(تريشولي)، جارفةً في طريقها القرى والمنازل والجسور ومحطات الكهرباء ومشروعات الطاقة الكهرومائية. وقد ارتفع منسوب المياه بما يصل إلى تسعة أمتار خلال نصف ساعة فقط، وهو ما يفسر ضيق الوقت المتاح أمام السكان للهرب، ولم تكن المياه وحدها مصدر الدمار؛ إذ حمل السيل كميات هائلة من الصخور والأتربة وجذوع الأشجار، فتحول إلى جدار كثيف سريع الحركة، قادر على هدم المنشآت واقتلاع الجسور ودفن التجمعات السكنية خلال دقائق. وقد اكتسبت الكارثة طابعًا عابرًا للحدود، بعدما تحركت السيول من المرتفعات النيبالية نحو منطقة التبت، وأصابت قرى ومرافق حدودية ومسارات يرتادها العمال والسائحون، ولا تزال مئات الأسر تبحث عن أقاربها بين المستشفيات ومراكز الإيواء والمشارح، وبدأت السلطات دفن جثامين مجهولة الهوية بعد تصويرها وأخذ عينات الحمض النووي منها؛ بسبب تحللها وصعوبة التعرف إليها، بينما عُثر على جثامين حملتها الأنهار إلى مناطق بعيدة عن موقع الكارثة.

الخسائر المادية والخدمية

         لحقت أضرار واسعة بالمنازل والطرق والجسور وشبكات المياه والاتصالات ومحطات الكهرباء ومشروعات الطاقة الكهرومائية. كما تعطلت طرق رئيسة، وانعزلت قرى ومناطق جبلية، ما صعّب وصول فرق الإنقاذ والمساعدات، وقدّرت الحكومة النيبالية -بصورة أولية- احتياجات إعادة الإعمار بما يتراوح بين 4 و5 مليارات دولار، وهو عبء بالغ الضخامة على دولة يبلغ عدد سكانها نحو 30 مليون نسمة وتعاني محدودية الموارد، وأكد وزير المالية أن الرقم تقديري، وأن حصر الخسائر ما يزال مستمرًا.

الأطفال أمام كارثة ممتدة

       لا تنتهي آثار الفيضان بتوقف المياه؛ فقد أعلنت (يونيسف) أن أكثر من 17 ألف طفل يحتاجون إلى مساعدة إنسانية عاجلة، وأن نحو 10 آلاف طفل في سن الدراسة يحتاجون إلى دعم لاستمرار تعليمهم، كما دُمّرت 18 مدرسة بالكامل، وتضررت 20 مدرسة أخرى، ولحقت أضرار جسيمة بأربع منشآت صحية على الأقل. وحذرت المنظمة من ازدياد مخاطر الأمراض وسوء التغذية والعنف والاستغلال والاضطرابات النفسية، وأطلقت نداءً لتوفير 17.2 مليون دولار لدعم الاستجابة الطارئة والتعافي المبكر.

ثانيًا: حرائق الجزائر

        بالتزامن مع مأساة نيبال، واجهت الجزائر موجة عنيفة من حرائق الغابات، ولا سيما في ولايات (جيجل وبجاية وزو) ومناطق أخرى من شمال البلاد، ووفق الحصيلة الرسمية الأولية المنشورة في 27 أغسطس، أسفرت الحرائق عن وفاة 12 شخصًا، وإصابة 54 آخرين بحروق واختناق بينهم 6 في حالة حرجة، وإجلاء عشرات الأسر، فيما سُجلت 154 بؤرة حريق في يوم واحد، بينها 36 في بجاية، واستمرت النيران في 12 بلدية بجيجل، مع بقاء 18 بؤرة نشطة في بجاية وقت إعلان الحصيلة. وفي اليوم التالي أعلنت الحماية المدنية تسجيل أكثر من 190 حريقًا خلال 24 ساعة، كان 46 منها لا يزال مشتعلًا، بينما أعلنت البلاد الحداد الوطني ثلاثة أيام، كما سُجل قرابة ألفي حريق في الجزائر خلال يوليو وحده، وقد ساعدت موجة الحر الشديدة والجفاف والرياح على سرعة انتشار النيران في الغطاء النباتي الجاف واقترابها من المناطق السكنية، وتسببت الحرائق في خسائر بيئية ومادية طالت الغابات والمزارع والمنازل ومصادر رزق السكان، فضلًا عن تلوث الهواء بالدخان والرماد.

ثالثًا: النيران تمتد إلى إندونيسيا

         وشهدت إندونيسيا تصاعدًا حادا في حرائق الغابات والأراضي، ولا سيما في جزيرة (بورنيو)؛ إذ سُجلت 1250 بؤرة ساخنة خلال أسبوع واحد، منها أكثر من 900 في (كاليمانتان)، وارتفع إجمالي البؤر منذ بداية أغسطس إلى 3736 مقابل 758 في يوليو، فيما بلغت المساحات المحترقة 202,004 هكتارات بين يناير ويوليو 2026، واستُنفِر نحو 13 ألف عنصر لمكافحة الحرائق في ثلاث مقاطعات، كما أدى الدخان العابر للحدود إلى إغلاق أكثر من 100 مدرسة في (ساراواك) الماليزية، وتدهور جودة الهواء وتهديد الحياة البرية؛ لتتحول الحرائق من كارثة محلية إلى أزمة صحية وبيئية إقليمية.

رابعًا: موجة حرّ وحرائق أوروبية

        كما تعرضت أوربا إلى سلسلة من الحرائق خلال الأشهر الماضية من عام 2026؛ حيث بلغت المساحات المحترقة في أوروبا خلال هذا العام نحو 576 ألف هكتار، مع وفاة أكثر من 20 شخصًا وإجلاء مئات الآلاف، فقد سجلت بلجيكا أكبر حريق في تاريخها، بعدما احترقت ثلاثة آلاف هكتار، بينما التهم حريق إقليم الأندلس في إسبانيا قرابة 40 ألف هكتار، وأجبرت النيران ألف شخص على مغادرة بلدة (أوميش) السياحية في كرواتيا.

خامسًا: الموقف الشرعي من الأحداث الكونية

        حين تضطرب الأرض، أو تجتاح السيول المدن، أو تشتعل الحرائق، أو تعصف الرياح، لا يقف المؤمن أمام هذه الأحداث موقف المتفرج الذي لا يرى فيها إلا حركة المادة والقوانين الإلهية، ولا موقف المتكلِّف الذي يجزم بمراد الله في كل حادثة؛ وإنما ينظر إليها بعين الإيمان والاعتبار، مستحضرًا قول الله -تعالى-: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} (الإسراء: 59)؛ فالمؤمن مأمور أن يعتبر بالآية، ويراجع نفسه، ويرحم المنكوب، ويغيث الملهوف، من غير أن يتألّى على الله فيجزم بأن كارثة بعينها عقوبة لقوم بأعيانهم؛ فقد تكون المصيبة عقوبة، وقد تكون ابتلاءً وتمحيصًا، وقد تكون للمؤمن تكفيرًا ورفعة، والله أعلم بحكمته في عباده، ومن هنا يتأسس موقف المؤمن من الأحداث الكونية على جملة من الحقائق الإيمانية التي تضبط نظرته، وتحفظ قلبه من الغفلة، وعقله من التكلّف.

كثرة الكوارث من أشراط الساعة

       اللافت اليوم ليس وقوع الكوارث فحسب، وإنما تنوعها وتقاربها واتساع آثارها؛ زلازل وفيضانات وحرائق وجفاف وموجات حر، تتلاحق أخبارها وتتعاظم خسائرها، وهي مشاهد ينبغي أن توقظ في المؤمن الاعتبار والخشية، دون جزم بأن حادثة بعينها هي المقصودة بنصوص أشراط الساعة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل القتل». أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث عن جملة من العلامات التي تسبق قيام الساعة، ومن بينها كثرة الزلازل، قال ابن رجب -رحمه الله-: المراد في ظاهر الحديث الزلازل الحسية، وهي ارتجاف الأرض وتحركها. وأكد ابن حجر هذا المعنى فقال: «نص الخبر على أن أكثر الزلازل من أشراط الساعة»، وبيّن أن المقصود بكثرتها لا يقتصر على مجرد وقوعها، فقد عرفت في أزمنة وبلدان مختلفة، وإنما قال: «الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها»، ويؤيد ذلك ما جاء عن سلمة بن نفيل السكوني - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بين يدي الساعة مَوَتانٌ شديد، وبعده سنوات الزلازل»، وأشار الشيخ ابن عثيمين إلى أن الزلازل قد تكون حسية تهز الأرض وتهدم القرى والمساكن، وقد تكون معنوية تزلزل الإيمان والعقيدة والأخلاق، غير أن حمل الحديث على الزلازل الحسية أظهر.

(1) لا يقع في الكون شيء إلا بمشيئة الله

         من أصول الإيمان أن هذا الكون كلَّه ملك لله، يجري بأمره وتدبيره، فلا يقع فيه شيء خارجًا عن علمه ومشيئته؛ قال -تعالى-: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (الأعراف: 54)، وقال -سبحانه-: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21)، وهذه قاعدة تشمل ما يحب الإنسان وما يكره؛ قال -تعالى-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} (التغابن: 11)، فالمؤمن لا يرى في الأحداث قوة مستقلة عن الله، ولا يجعل الأسباب نقيضًا للإيمان بالقدر؛ بل يؤمن بالسبب ومسببه، وبالسنة الكونية ومن أجراها.

(2) عِلم الله محيط بكل شيء

         ما يجري في الكون لا يقع بعيدًا عن علم الله؛ فعلمه -سبحانه- محيط بالدقيق والجليل، والظاهر والخفي، من الذرة إلى المجرة؛ قال -تعالى-: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} (الأنعام: 59)، وفي المصائب قال -سبحانه-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} (الحديد: 22). وهذا اليقين يورث القلب سكينة عند البلاء؛ فما أصابه لم يكن خطأً في تدبير الكون، ولا أمرًا خرج عن علم الله وقدره.

(3) وراء أقدار الله حِكَم بالغة

       كما يؤمن المسلم بأن أفعال الله منزَّهة عن العبث؛ قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} (الدخان: 38)، لكن الإيمان بحكمة الله شيء، وادعاء معرفة الحكمة التفصيلية من كل حادثة شيء آخر؛ فالإنسان محدود العلم والإدراك، وقد قال -سبحانه-: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء: 85). ولذلك يقول المؤمن: لله في أقداره حِكَم بالغة، لكنه لا يجزم بما لم يُطلعه الله عليه.

(4) المصيبة ليست عقوبة بالضرورة

        ومن أهم ما ينبغي ضبطه أن المصائب لا تحمل حكمًا واحدًا لجميع الناس؛ فقد تكون لبعضهم ابتلاءً يرفع الدرجات ويكفّر السيئات، قال -تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 155)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ...»؛ فإن أصابته السراء شكر، وإن أصابته الضراء صبر، فكان خيرًا له، وقد تكون المصيبة سببًا للشهادة ورفعة المنزلة؛ فقد عدَّ النبي -صلى الله عليه وسلم - «صاحب الهدم» من الشهداء، وقد تكون عقوبة أو إنذارًا بسبب الذنوب، قال -تعالى-: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى: 30)؛ ولهذا فالصواب أن نعتبر بالمصيبة ونخاف على أنفسنا، لا أن نجزم بمصائر المنكوبين ونحاكمهم؛ فباب الاعتبار مفتوح، أما تعيين مراد الله من واقعة بعينها فيحتاج إلى دليل.

(5) إيقاظ القلب من الغفلة

        من حِكَم هذه الأحداث أنها تكشف للإنسان حقيقة ضعفه، وتذكّره بقدرة الله وعظمة ملكه؛ فمدينة تستقر سنوات قد تتغير معالمها في ساعات، وأموال تُجمع في أعوام قد يجرفها سيل في دقائق، وقوة يظن الإنسان أنها تحميه قد تعجز أمام ريح أو ماء أو رجفة أرض، قال -تعالى-: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} (الإسراء: 59)، ولما كسفت الشمس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعامل الحدث بوصفه مشهدًا كونيًا مجردًا، بل وجَّه الأمة إلى الصلاة والدعاء، وقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله... فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصلُّوا وتصدَّقوا»، وهنا يظهر الفارق بين نظرة المؤمن وغيره: غيره يرى الحدث، والمؤمن يرى الحدث والرسالة؛ ويرى السبب، ولا يغفل عن مسبِّب الأسباب.

(6) الأسباب الكونية لا تنافي القدر

        إن وصف الزلازل والفيضانات والأعاصير بأنها ظواهر لها أسباب مقننة معلومة لا تتعارض في ذاتها مع العقيدة؛ فالشرع لا ينفي الأسباب، وإنما ينفي استقلالها عن مشيئة الله -تعالى-، فالمطر له أسبابه، والرياح لها قوانينها، والزلازل لها أسباب جيولوجية، لكن هذه الأسباب كلها من خلق الله، تعمل وفق السنن التي أودعها -سبحانه- في الكون، والخلل إنما يقع حين تتحول «الطبيعة» إلى قوة مستقلة يُنسب إليها الخلق والتدبير بمعزل عن الله، أما دراسة الأسباب، والتنبؤ بالكوارث، وبناء السدود، وتقوية المباني، ووضع خطط الإخلاء؛ فهي من الأخذ بالأسباب الذي لا يناقض التوكل، بل يكمّله.

ماذا يفعل المؤمن عند الكوارث؟

        إن الموقف الشرعي من الأحداث الكونية لا ينتهي عند تفسيرها، بل يبدأ منه العمل؛ فيعود المؤمن إلى ربه بالتوبة والاستغفار والدعاء، ويحاسب نفسه بدل أن ينشغل بالحكم على غيره، ويصبر عند البلاء، ويغيث المنكوب، ويواسي المصاب، ويبذل المال والجهد، ويأخذ بأسباب الوقاية والسلامة فليس الاعتبار أن ننظر إلى صور الدمار ونقول: لِمَ حدث هذا؟ فحسب، وإنما أن نسأل أيضًا: ماذا يريد الله منا عند وقوعه؟ وماذا يجب علينا تجاه من أصابهم البلاء؟ وهكذا تتوازن نظرة المؤمن: إيمانٌ بالقدر لا يلغي السبب، وأخذٌ بالسبب لا يحجب القدر؛ وخوفٌ يورث التوبة لا القنوط، واعتبارٌ يقود إلى العمل لا إلى توزيع الأحكام على الناس، فإذا اضطرب الكون من حوله ازداد قلبه تعلقًا بربه، وعقله تدبرًا في آياته، ويده امتدادًا بالعون لعباده؛ فيقرأ في الحدث قدرة الله، وفي البلاء حكمة الله، وفي واجبه معنى العبودية لله.

ماذا تعني هذه الكوارث؟

(1) برغم أن الإنسان أقوى مما مضى، لكنه ما يزال ضعيفا: بلغ الإنسان شأنا هائلا في العلم والتقنية، واستطاع أن يرصد الزلازل ويتابع الأعاصير ويتنبأ بالطقس، لكنه لا يزال عاجزا عن منع كثير من الكوارث أو إيقافها إذا بدأت، وهذه الحقيقة تعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي: {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} (النساء: 28). (2) لحظة واحدة قد تغير كل شيء: زلزال لا يستغرق إلا ثواني قد يهدم مدينة، وسيل مفاجئ قد يجرف ما بني في عقود، وحريق قد يحول آلاف الهكتارات إلى رماد، إنها رسالة متكررة بأن الاستقرار الذي نعيشه ليس مضمونا، وأن النعم مهما رسخت قد تتغير في لحظات. (3) تنوع الكوارث يكشف تعدد وجوه الضعف الإنساني: مرة يأتي الخطر من الأرض حين تهتز، ومرة من السماء حين تنهمر، ومرة من البحر حين يطغى، ومرة من النار حين تشتعل، ومرة من الريح حين تعصف؛ وكأن الإنسان محاط بأسباب ضعفه من كل جانب، قال -تعالى-: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} (الأنعام: 65). (4) الكارثة لا تفرق بين غني وفقير: حين تقع الكوارث تتراجع الفوارق التي يتنافس عليها الناس؛ فالمال والمنصب والمكانة لا تمنح صاحبها حصانة مطلقة أمام زلزال أو فيضان. وفي لحظة الخطر يصبح مطلب الإنسان الأول أبسط نعم الحياة: أن ينجو. (5) قيمة النعمة لا تعرف أحيانا إلا حين تُفقد: بيت آمن، وماء نظيف، وطريق مفتوح، وكهرباء مستقرة، وسرير ينام عليه الإنسان مطمئنا؛ أمور تبدو عادية، لكنها في مناطق الكوارث تتحول إلى أمنيات. ومن هنا تعيد الكوارث تعريف الإنسان بمعنى النعمة والشكر. (6) الأخذ بالأسباب ليس مناقضا للتوكل: تكشف الكوارث أن أنظمة الإنذار المبكر، والبناء المقاوم للزلازل، وخطط الإخلاء، والاستعداد للطوارئ قد تصنع الفارق بين الحياة والموت؛ فالإيمان بالقدر لا يعني إهمال الأسباب، بل يدفع إلى إحكامها مع التوكل على الله. (7) حجم الخسائر لا تحدده قوة الكارثة وحدها: قد تتعرض منطقتان لظاهرة متقاربة في القوة، فتختلف الخسائر بينهما اختلافا هائلا؛ بسبب جودة البناء، والاستعداد، والإنذار المبكر، وسرعة الإنقاذ، وكفاءة المؤسسات. ولذلك فبعض آثار الكوارث طبيعية، وبعضها تضاعفه هشاشة الإنسان وسوء التخطيط. (8) الكوارث اختبار لأخلاق المجتمعات: في ساعات الشدة تظهر حقيقة التضامن؛ من ينقذ؟ ومن يؤوي؟ ومن يطعم؟ ومن يبذل ماله ووقته؟ ولذلك لا تقاس قوة المجتمع بما يملكه في أوقات الرخاء فقط، بل بقدرته على التراحم والتكاتف في أوقات المحن. (9) لا يجوز تحويل المأساة إلى محكمة شرعية على الضحايا: قد تكون المصائب ابتلاء ورفعة، وقد تكون تذكيرا وتخويفا، وقد تكون عقوبة؛ لكن لا يجوز الجزم بأن كارثة معينة عقوبة لأشخاص بأعيانهم دون دليل؛ فالمطلوب أمام المصيبة الاعتبار . (10) الكوارث دعوة إلى مراجعة العلاقة مع الله: قال -تعالى-: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} (الأنعام: 42). فالمؤمن لا يكتفي بتفسير الكارثة جيولوجيا أو مناخيا، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال نفسه: ماذا أحدثت هذه الآية في قلبي؟ وهل زادتني توبة وخشية واستعدادا؟    

ابن باز: آياتٌ تستوجب الاعتبار والرجوع إلى الله

       قال الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله: الزلازل، والبلايا من الوباء العام، والرياح العواصف، والسيول الجارفة؛ كلها من العقوبات العامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيجب الحذر من هذه الأمور، ويجب على المسلمين أن ينتبهوا، وأن يستقيموا على أمر الله؛ ليدفع عنهم ما يضرهم؛ فإن الله -جل وعلا- يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى: 30)، فالمصائب من كسبنا؛ بسبب المعاصي والمخالفات، وعدم القيام بأمر الله-سبحانه وتعالى-، وعدم التمسك بما شرع، أما القول بأنها عوارض طبيعية فهذه من أقوال الغافلين عن الله -عز وجل-؛ يرون المنكرات والعقوبات والشرور، فلا يتنبهون ولا يعتبرون، نسأل الله العافية. وقد قال الله عن بعضهم: {قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} (الأعراف: 95)؛ أي إذا جاءت المصيبة قالوا: قد وقع مثل هذا فيمن قبلنا، فلا يعتبرون بما وقع، نسأل الله العافية.  

ابن عثيمين: تمامُ قدرةِ الله -تعالى- في إرسالِ هذه العقوبات

       قال العلامة ابن عثيمين: وقوله -تعالى-: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا}(العنكبوت:40)، مِن فوائد هذه الآية تمامُ قدرةِ الله في إرسالِ هذه العقوبات؛ فإنَّها كلها عقوبات تدُلّ على القدرة، ومنْها إبطَال قول هؤلاء الملحـدين حينما تأتي مثل هذه الآيات في الوقت الحاضر فيقولون: هذه مِن الكوارث الطبيعية، تأتي الزلازل وهي الرجفة، ويقولون: هذه مسألة طبيعية، وتأتي الفيضانات العظيمة التي تُدَمِّر ويقولون هذه كوارث طبيعية! ولا يعتَبِرُون بها، ويرون أنَّها نوع من العقوبات التي جرَت على الأمم السابقة، وكذلك الرياح الشديدة، وهذا مِن موت القلوب والعياذ بالله! أنَّ الإنسان يُعرض عن التأمُّل والتدبر في هذه الآيات ويضِيفها إلى فعل الطبيعية، وكأنها -على زعمهم- هي التي تخلُق وتفعَل دون الله -عز وجل-.  

الفوزان: موقف المسلم من الآيات الربانية

       قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: الله -سبحانه- يبتلي عباده بالخير والشر؛ لتتبين مواقفهم عند ذلك، فمنهم من يتوب إلى ربه ويعتبر هذه الآيات منبهات له وموقظات له من الغفلة والمخالفة؛ فتكون هذه النوازل خيرًا له وإن ناله منها ما يكره، ومن الناس من لا يتعظ بما يجري ويعده أمرًا طبيعيا ويقول: {قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} (الأعراف: 95)، ويسمي ما يجري كوارث طبيعية، فينسب ذلك إلى الطبيعة؛ لأنه لا يؤمن بالله أو يؤمن إيمانًا ضعيفًا لا ينير له طريقه، أو يقلد غيره في ذلك، ويعبر بتعبيره دون تأمل بمعناه، والمؤمن يجب أن يكون منطقه موافقاً لإيمانه ومعتقده، وقد ذكر الله -سبحانه- أن من لا يعتبر بالأحداث والوقائع، يعامله الله بأحد أمرين: إما أن يعاجله بالعقوبة، وإما أن يستدرجه بالنعمة ليزداد إثماً ثم يأخذه على غرة، كما قال -تعالى-: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام).  

أرقام من أعنف كوارث التاريخ

  • أكثر الزلازل فتكًا في العصر الحديث: زلزال سومطرة وإندونيسيا عام 2004 بقوة: 9.1 درجات؛ أطلق تسونامي هائلًا، وأدى إلى مقتل أكثر من 280 ألف شخص وتشريد نحو 1.1 مليون في مناطق من آسيا وشرق أفريقيا، وفق تصنيف.
  • أعنف فيضان من حيث الضحايا: فيضانات الصين عام 1931؛ غمرت نحو:180 ألف كم، وتأثر بها نحو 25 مليون إنسان، وقدَّر التقرير الرسمي الوفيات بأكثر من مليوني شخص، وكان كثير منها بسبب المجاعات والأمراض التي أعقبت الفيضان.
  • أقوى ثوران بركاني في التاريخ الحديث المسجَّل: ثوران جبل تامبورا في إندونيسيا عام 1815، وبلغ 7 درجات على مؤشر الانفجارية البركانية، وتُقدّر الوفيات المرتبطة بالكارثة بنحو 92 ألف شخص، كثير منهم نتيجة المجاعة والأمراض اللاحقة.
  • أشد البراكين فتكًا في القرن العشرين: ثوران مونت بيليه عام 1902 في المارتينيك، بنحو 30 ألف وفاة؛ بينما تسبب بركان نيفادو ديل رويز في كولومبيا عام 1985 في نحو 25 ألف وفاة رغم أن قوة ثورانه كانت أقل بكثير، ما يوضح أن قوة البركان لا تعني بالضرورة ارتفاع عدد ضحاياه.
  • أشد حرائق الغابات فتكًا: حريق بيشتيغو بالولايات المتحدة عام 1871؛ أتى على نحو: 1.5 مليون فدان (نحو: 607آلاف هكتار) أودى بحياة ما يُقدَّر بـ 1٫200 إلى 2٫400 شخص.
  • أضخم موسم حرائق في كندا: شهد عام: 2023 احتراق نحو: 17.6 مليون هكتار، وهو أكبر موسم حرائق في السجل الكندي من حيث المساحة المحترقة.
 

الكوارث بالأرقام والإحصاءات

  • 750 وفاة مؤكدة وأكثر من 3 آلاف مفقود وأكثر من 90 ألف متضرر في نيبال والتبت.
  • 4-5 مليارات دولار تقديرات أولية لاحتياجات إعادة إعمار نيبال.
  • أكثر من 27 ألف طفل بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ودعم لاستمرار تعليمهم.
  • 38 مدرسة في نيبال دُمرت أو تضررت، منها 18 دُمرت بالكامل.
  • 12 وفاة و54 إصابة جراء حرائق الجزائر، بينها 6 حالات حرجة
  • نحو 2000 حريق سُجلت في الجزائر خلال يوليو وحده.
  • 202,004 هكتارات احترقت في إندونيسيا مع نشر نحو 13 ألف عنصر لمكافحة الحرائق.
  • أكثر من 100 مدرسة أُغلقت في ساراواك الماليزية بسبب الدخان العابر للحدود.
  • نحو 576 ألف هكتار احترقت في أوروبا خلال 2026.
  • 40 ألف هكتار تقريبًا التهمها حريق إقليم الأندلس في إسبانيا، و3 آلاف هكتار في أكبر حريق مسجل في بلجيكا، وإجلاء ألف شخص من بلدة أوميش في كرواتيا.
 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك