رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 26 أغسطس، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع البَعير واستثناء حَمَلانه

  • في الحديث صورة إسلامية مشرقة للإمام القائد مع جُنده أو صِغار جُنده وكيفَ يتتّبع أحوالهم ويساعدهم ويتفقد أمُورهم الخاصة
  • كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعين الضعيف ويُنْجد ذا الحاجة ويعطي دُون أنْ يَمنّ ودون أنْ يجرح المُعْطى
  • حديث جابر حديثٌ مشهور واحتجّ به أحمد ومن وافقه على جَواز بيع الدّابة مع اشتراط البائع لنفسه ركوبها
 

عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما- قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَلَاحَقَ بِي، وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا ولَا يَكَادُ يَسِيرُ، قَالَ فَقَالَ لِي: «مَا لِبَعِيرِكَ؟» قَالَ قُلْتُ: عَلِيلٌ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، قَالَ فَقَالَ لِي: «كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ»؟ قَالَ قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: «أَفَتَبِيعُنِيهِ؟» فَاسْتَحْيَيْتُ ولَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ، قَالَ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ المَدِينَةَ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَرُوسٌ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى المَدِينَةِ حَتَّى انْتَهَيْتُ، فَلَقِيَنِي خَالِي، فَسَأَلَنِي عَنْ الْبَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ، فَلَامَنِي فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: «مَا تَزَوَّجْتَ؟ أَبِكْراً أَمْ ثَيِّباً؟» فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبا، قَالَ: «أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْرا تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ وَالِدِي أَوْ اسْتُشْهِدَ وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ إِلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ، فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ، ولَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّباً لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وتُؤَدِّبَهُنَّ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - المَدِينَةَ؛ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيَّ. الحديث أخرجه مسلم في المساقاة (3/1221) باب: بيعُ البَعير واسْتثناء رُكوبه، وأخرجه البخاري في الجهاد (2967) باب: استئذان الإمام.

        في الحديث أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عائدًا مِنْ غزوة ذاتِ الرِّقاع، وذلك في السنة الخامسة للهجرة - بجيشه بعد نصرِ الله له - وفي الجُنْد جابر بن عبدالله- الصّحابي المشهور- يَركبُ جَمَلاً له عليلاً، اشتدَّ به الإعْياء حتى لا يكادُ يسير، فتخلّف جابر عن آخر القوم، وكادَ يترك الجَمل في الصّحراء، ويسير على أقدامه.

وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا

         يقول جابر: «وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا، ولَا يَكَادُ يَسِيرُ» قد أعيا، يقال: أعيا البعير في سيره، إذا تعب تعبًا شديدًا، وفي الرواية الثانية: ولا يكاد يسير، وفي الرواية الثالثة: فاعْتلّ جَمَلي، أي: مرض، وفي الرواية الرابعة: فتخلف ناضحي، أي: تخلَّفَ عن القوم بسبب الإعْياء، وفي رواية في كتاب النكاح: «فأبْطأ بي جَمَلي» وفي أخرى فيه: «وأنا على نَاضح، إنّما هو في أخْريات الناس». وبينما هو يتدبّر أمره، فُوجئ بمَنْ يُناديه مِنْ خلفه: جابر، فالتفتُّ، فإذا هو رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: لبيك يا رسُول الله، قَالَ فَقَالَ لِي: «مَا لِبَعِيرِكَ؟» قَالَ قُلْتُ: عَلِيلٌ، أي قال له: مالك تأخّرت؟ ما لبعيرك؟ قال: بعيري عليل، لا يكاد يسير. قَالَ: «فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ» أي: رجع رسُول الله خلف البعير، فنخسه في عَجُزه بعصا كانت معه، فقفزَ البعير مِنَ النّخسة، وسمع جابر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يَدعُو للبعير بالبركة، ثمَّ قال: «يا جابر: اركبْ بعيرك، باسم الله».

«كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ»؟

  • قوله: «فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، قَالَ فَقَالَ لِي: «كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ»؟ قَالَ قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ» وفي رواية: «فسارَ سَيراً لمْ يسرْ مثله» أي: من الحُسْن والسُّرعة والنشاط. فركبَ جابرٌ بعيره، فإذا هو غير البعير الذي يَعْرفه، بعيرٌ يسيرُ سيراً لمْ يسر مثله قبل، بل لا يسيرُ مثله بَعير، فهو يُسَابق إبل القوم ويَسْبقهم، ويسير قدّامهم.
ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كيفَ تَرَى بَعيرك؟» أي: ماذا فعل؟  فقلت له: حَصَلت له بركتك يا رسُول الله، ها هو كأحسنِ بعير، بفضل دعائك، فها هو ذا يُحاول سبق ناقتك، أشدّه مِنْ خِطامه لأمنعه مِنَ الإسْراع، لتتقدم علي يا رسول الله.

«أَفَتَبِيعُنِيهِ؟»

         ثمّ قَالَ لجابر: «أَفَتَبِيعُنِيهِ؟» فاسْتحييتُ، ولمْ يكنْ لنا ناضحٌ غيره» وفي الرواية الثالثة: «بِعْني جَملك هذا». وفي رواية للشيخين: «فقال: «أتَبيعُني جَمَلَكَ هذا يا جابِرُ؟» قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، بلْ أهَبُه لكَ. قال: لا، ولكِنْ بِعْنيه قال: قلتُ: فسُمْني به، قال: قد أخَذْتُه بدِرْهمٍ، قال: قلتُ: لا. إذَنْ يَغْبِنُني رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: فبِدِرهَمَينِ؟ قال: قلتُ: لا. قال: فلم يَزَلْ يَرفَعُ لي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى بَلَغَ الأُوقيَّةَ، قال: قلتُ: فقد رَضيتُ، قال: قد رَضيتَ؟ قلتُ: نَعَمْ، قال: نَعَمْ، قُلتُ: هو لكَ، قال: قد أخَذْتُه». وفي رواية: فبعته منه بخمس أواق. وفي رواية: اشترى منّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيرًا بوقيتين ودرهم أو درهمين. وفي رواية: «أخذتُ جَملك بأربعة دنانير». وظاهر الحديث أنّ جابرًا رفضَ البيع أولاً، لأنّه لمْ يكنْ لهم ناضحٌ سواه، ولهذا لامه خاله عندما قابله في المدينة، كما في الرواية الثانية، ثمّ لمّا أعاد - صلى الله عليه وسلم - الطلب قال: هو لك، أي: دون ثمن، فلما أصرّ - صلى الله عليه وسلم -، قبلَ جابر أخيرًا.

اختلاف الروايات في الثمن

        أما اختلاف الروايات في الثمن، فيقول النووي: «وسبب اختلاف هذه الروايات أنهم رووا بالمعنى، وهو جائز، فالمُراد وقية ذهب، كما فُسّر في الرواية الثالثة، ويحمل عليه رواية من روى أوقية مطلقاً، وأمّا من روى: خمس أواق، فالمراد: خمس أواق مِنَ الفِضّة، وهي بقدر قيمة أوقية الذهب في ذلك الوقت، فيكون الإخبار بأوقية الذهب عمّا وقع به العقد، وعن أواق الفضة عمّا حصل به الإيفاء، ويحتمل أن يكون هذا كله زيادة على الأوقية، كما قال: فما زال يزيدني في الرواية الرابعة، وأمّا رواية أربعة دنانير فموافقة أيضًا، لأنه يحتمل أن أوقية الذهب حينئذ وزن أربعة دنانير، وأما رواية أوقيتين فيحتمل أن إحداهما وقع بها البيع، والأخرى زيادة، كما قال: فزادني وقية في الرواية الخامسة، ودرهم أو درهمين في الرواية السابعة موافق لقوله: وزادني قيراطًا. وأما رواية: عشرين ديناراً؛ فمحمولة على دنانير صغار، كانت لهم، ورواية «أربع أواق» شك فيها الراوي، فلا اعتبار بها. اهـ. وهذه التوجيهات بعضها غير مقبول، والأولى أنْ يُحكم لبعضها بالمحفوظ، وعلى بعضها بالشُّذوذ، ولا سيما أنّ تحديد ثمن البعير؛ لا يتعلّق به حُكمٌ شَرْعي. والله أعلم.

فَاسْتَحْيَيْتُ ولَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ

  • قوله:«فَاسْتَحْيَيْتُ ولَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ» والناضح: هو جملٌ يستقى عليه، وفي رواية: فما زال- أي البعير- بين يدي الإبل- أي: يسير أمامها وقدامها. وفي رواية عند مسلم: سبقت فانطلقَ بعيري كأجْود ما أنت راءٍ من الإبل. وفي أخرى: فلقد رأيتني أكفّه عن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قَالَ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ المَدِينَةَ» أي: بعته إيّاه واستثنيت حملانه إلى أهلي، والمعنى: استثنيت حمله لي إلى أهلي بالمدينة. وفي رواية قال: «ولك ظهره إلى المدينة». قوله: «فبعته إياه على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة» وفقار ظهره بفاء مفتوحة، ثم قاف، وهي خرزاته ومفاصل عظامه، واحدتها فقرة. يعني: له ركوبه حتى المدينة.

فقلتُ له: إنّي عَرُوس»

  • قوله: «فقلتُ له: إنّي عَرُوس» أي: أنا عَرُوس، أي: تزوجت حديثاً، لهذا أستأذنك في أن أسبق الجيش إلى المدينة. أي: أستأذنه في أنْ يسبقه ويسبق القوم إلى المدينة، فأذن له، قال: فتقدمت الناس إلى المدينة؛ والعَروس يُطلق على الرّجل والمرأة، أي: إني عَجلٌ إلى أهلي، فأستأذنك في الإسْراع، فأذن له.
قوله: «فتقدّمت إلى المدينة حتى انتهيت، فلقِيني خالي، فسَألني عن البعير» أي: حتّى وصلت إلى المدينة وإلى بيتي، ولعل سرّ سؤال خاله عن البعير؛ أنه رآه يسير كأحسن بعير بعد أن كان ضعيفاً.
  • قوله: «فأخبرته بما صنعت فيه، فلامني فيه» واللوم سببه أن البعير كان مرغوبًا فيه عندهم، ولمْ يكنْ لهم ناضحٌ سواه، كما سبق، وليس لأنّه باعه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبثمنٍ أقل ممّا يستحق.

«مَا تَزَوَّجْتَ؟ أَبِكْراً أَمْ ثَيِّباً؟»

  • قوله: «وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: «مَا تَزَوَّجْتَ؟ أَبِكْراً أَمْ ثَيِّباً؟» قوله: ما تزوجت؟ أي: هل تزوجت؟ ثمّ سأل عن صفتها أبكراً؟ أم ثيبًا؟ أي: أتزوجت بكرًا؟ أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا، قال: «أفلا تزوجت بكراً تُلاعِبُك وتُلاعبُها؟» في روايات لمسلم: «فهلا بكراً تلاعبها؟ فأينَ أنتَ مِنَ العذارى؟»  بفتح الراء جمع عذراء، ولعابها بكسر اللام، أي ملاعبتها؟ فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ أو قال: تضاحكها وتضاحكك؟ أي قال له: لمَ لمْ تَتَزوّج بكراً وأنت شابٌّ في مُقتبل الشباب؟
قوله: «فقلت: تُوفّي والدي- أو اسْتُشهد والدي» فقد اسْتشهد أبوه عبدالله بن حرام - رضي الله عنه - في أحد. قال: «ولي أخوات صغار» في رواية لمسلم: «وترك تسع بنات - أو سبع - وفي رواية ست. «فكرهت أن أتزوج إليهن مثلهن» في الصّغر، وعدم الدّراية، وعدم القُدرة على رعاية شؤونهنّ، والمعنى فكرهت أن أتزوج مثلهن مضمومة إليهن. «فلا تؤدبهن، ولا تقوم عليهن» وفي رواية فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن.

فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهن

  • قوله: «فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهن، وتؤدبهن» في رواية: «فأحببتُ أنْ أجيء بامرأةٍ تقُومُ عليهنّ وتُصْلحهنّ». وفي رواية: «تقومُ عليهن وتمشطهن»، وفي رواية: «تجمعهن وتمشطهن، وتقوم عليهن»، وذكر ابن سعد: أن هذه المرأة هي سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصارية الأوسية, وقال له في رواية: «أصَبتَ»، وفي أخرى قال: «فبَاركَ اللهُ لك»، وفي ثالثة: «أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس». أي: الْزَم العَقلَ العَقل، والحِكمة الحكمة، والذّكاء والظّرف، في مُعالجتك أمُور زوجك وأخَواتك، فما أصْعب هذه العِلاقة.
  • قوله: «فلما قدِم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، غدوت إليه بالبعير» أي: فلمّا بلغت المدينة، وبلغت أهلي، ووضعتُ عندهم رحلي ومتاعي، أتيته إلى المسجد بالجَمَل، وكان من عادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ألا يدخل المدينة فجأة، فنزل بأصحابه قبلها بثلاثة أميال، وذبح لهم ليأكلوا، ويستريحوا، وحتى يستعد النساء للقاء الأزواج.

فأعطاني ثمنَه وردّه علي

  • قوله: «فأعطاني ثمنَه، وردّه علي» أي: ردّ له الثمن والجمل، وفي رواية: «خُذ جملك ودراهمك، فهو لك». وصدق الله العظيم في قوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة: 128).
قال النووي: حديث جابر حديثٌ مشهور، واحتجّ به أحمد ومن وافقه على جَواز بيع الدابة، مع اشتراط البائع لنفسه ركوبها، وقال مالك: يجوز إذا كانت مسافة الركوب قريبة، وحمل هذا الحديث على هذا. وقال الشافعي وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك، سواء قلّت المسافة أو كثرت، ولا ينعقد البيع، واحتجوا بالحديث السابق في النّهي عن بيع الثنيا - أي الاستثناء في البيع، وقد سبق قريباً أن النهي عنه لأن المستثنى غالباً مجهول. وبالحديث الآخر في النهي عن بيع وشرط، وأجابوا عن حديث جابر بأنها قضية عين، تتطرق إليها احتمالات، قالوا: ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أنْ يعطيه الثمن، ولم يرد حقيقة البيع، قالوا: ويحتمل أن الشرط لم يكن في نفس العقد، وإنّما يضر الشرط إذا كان في العقد نفسه ، ولعل الشرط كان سابقًا، فلم يؤثر، ثم تبرع - صلى الله عليه وسلم - بإركابه. اهـ.  

من فوائد الحديث

 
  • جوازُ طلب البيع ممّن لم يعرض سلعته للبيع.
  • جواز المُماكسة في البيع.
  • جواز تقدم بعض الجيش الراجع، بإذن الأمير.
  • ما يتعلق بهذا الحديث من أحكام النكاح سبق في كتاب النكاح، في باب نكاح ذات الدين، ونكاح البكر، وغيره كثير ممّا يؤخذ من الحديث من الأحكام.
  • في الحديث صورة إسلامية مُشرقة، للإمام القائد مع جُنده، أو صِغار جُنده، وكيفَ يتتّبع أحوالهم، ويساعدهم، ويتفقد أمُورهم الخاصة، ويُسامرهم، ويُرشدهم إلى مصالحهم، ويعين الضعيف منهم، ويُنْجد ذا الحاجة، وصورة الإمام الذي يعطي دُون أنْ يَمنّ، ودون أنْ يجرح المُعْطى.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك