رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 7 سبتمبر، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم – باب: في الوَضْع مِنَ الدَّيْن

  • أَمَرَ الله سُبحانه وتعالَى بِأداءِ الحقوقِ وحذَّرَ مِن أَكْلِ أموالِ النَّاسِ بِالباطلِ وتوعَّد مَنِ استدانَ أمْوالَ النَّاسِ وهو يُريدُ إتلافَها ولا يُريدُ رَدَّها!
  • مِنَ الظُّلمِ أنْ يَدفَعَ الغَنيُّ عن مالِه بالمُماطلة والمَواعيدِ فلا يَقْضي ما عليه مِن الدُّيونِ
  • أمَرَتِ الشَّرِيعةُ المَدِينَ بحُسنِ قَضاءِ دَينِه والالتزامِ به وأمَرَتِ الدَّائنَ بالرِّفْقِ بالمَدِينِ
 

عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ؛ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: «يَا كَعْبُ»، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ: «أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ»، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «قُمْ فَاقْضِهِ». الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1992) باب: استحباب الوَضع من الدين، وأخرجه البخاري في الصلاة (457) باب: التقاضي والمُلازمة في المسجد.

  • قوله:  «أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ؛ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي المَسْجِدِ» يَرْوي كَعْبُ بنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أنَّه كان له دَينٌ على عبْدِ اللهِ بنِ أبِي حَدْرَدٍ - رضي الله عنه -، فطَلَب منه سَدَادَه، وكان ذلك في مَسجدِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
  • قوله:  «فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ» أي: ارْتَفَعَتْ أصواتُهما في النِّقاشِ، فسَمِعَهما النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -َ وهُوَ في حُجرتِه، فخَرَج إليهما، حتَّى كَشَف سِجْفَ حُجْرَتِه، وهو السِّتْرُ الذي عليها.

«أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ»

        قوله: «وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: «يَا كَعْبُ»، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ: «أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ»، أي: فنَادَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -َ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ، فرَدَّ كَعْبٌ - رضي الله عنه - بقوله: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ، أي: أنَّه مُجيبٌ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -َ لِما يَأمُرُ به، فأَشَارَ له النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -َ بيَدِه؛ أنْ يَحُطَّ نِصْفَ الدَّيْنِ عن ابنِ أبِي حَدْرَدٍ. قوله: «قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» أي: امْتَثَل كَعْبٌ - رضي الله عنه - لِمَا أشار به النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -َ وحَطَّ نِصْفَ دَيْنِه عنه، وهذا لم يكُنْ حكْماً وأمراً مِنَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -َ لكعْبٍ بتَرْكِ نِصفِ حقِّه، بلْ هو على سَبيلِ البِرِّ والحثّ على التَّسَامح والتَّسْهيل,  وقد ورد في الحديث: «مَن نَفَّسَ عن مُؤمِنٍ كُربةً مِن كُرَبِ الدُّنيا؛ نَفَّسَ اللهُ عنه كُربةً مِن كُرَبِ يَومِ القيامةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعسِرٍ؛ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدُّنيا والآخِرةِ،...». رواه مسلم.
  • قوله: «قُمْ فَاقْضِه» أي: فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -َ لابْنِ أبِي حَدْرَدٍ، «قُمْ فَاقْضِه» أي: فسَدِّد ما عليك له مِن دَينٍ، بعْدَ أنْ تَرَكَ لكَ نِصْفَه.

من فوائد الحديث

  • فَضِيلةُ الصُّلحِ بين المسلمين، وحُسْنُ التَّوسُّطِ بيْن المتخاصِمَيْن.
  • وفيه: جواز تَقَاضِي الدُّيُونِ وسائرُ الحُقوقِ المالِيَّة في المَسْجدِ، وقَضاؤُها فيه.
  • وفيه: مَشروعيَّةُ سُؤالِ المَديونِ الدَّائنَ والحَطَّ مِن الدَّينِ الذي عليه.
  • وفيه: الشَّفاعةُ إلى أصْحابِ الحُقوقِ، وقَبولُ الشَّفاعةِ في الخَيرِ.
  • وفيه: مَشروعيَّةُ تَدخُّلِ الحاكمِ للصُّلحِ بيْن النَّاسِ.
  • أمَرَتِ الشَّرِيعةُ المَدِينَ بحُسنِ قَضاءِ دَينِه والالتزامِ به، وأمَرَتِ الدَّائنَ أيضاً بالرِّفْقِ بالمَدِينِ.

 باب: في مَطْل الغَنِي ظُلمٌ، والحَوَالة

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ؛ فَلْيَتْبَعْ»، الحديث أخرجه مسلم في المساقاة (2/1197) باب: تحريم مطل الغَني، وصحّة الحوالة، واستحباب قبولها إذا أُحيلَ على مليء، وأخرجه البُخاري في الحوالة (2288) باب: إذا أحالَ على مليء فليسَ له ردٌ.

  • قوله: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» يُخْبِرُ - صلى الله عليه وسلم -َ أنَّ مَطْلَ الغَنيِّ ظُلمٌ، والمَطْلُ: هو التَّسويفُ والتَّأخيرُ في قَضاءِ الدَّينِ؛ فإذا مَاطَلَ الغنيُّ القادر على السَّدادِ ورَدِّ المالِ، فهذا يُعَدُّ ظُلماً؛ لأنَّه قادِرٌ على السداد، فلمَّا مَنَعَ المالَ وأخَذَ يُماطِلُ كان ظالِماً، بخلاف الفقير العاجز عن السّداد؛ فهذا معذور.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: وأَصْلُ المطل المَدّ. قَالَ ابن فَارِسٍ: مَطَلْتُ الْحَدِيدَةَ أَمْطُلُهَا مَطْلاً إِذَا مَدَدْتُهَا لِتَطُولَ. وقَال الْأَزْهَرِيُّ: المَطْلُ المُدَافَعَةُ. والمُرَادُ هُنَا: تَأْخِيرُ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ. والغَنِيُّ مُخْتَلَفٌ فِي تَفْرِيعِهِ، ولَكِنَّ المُرَادَ بِهِ هُنَا: مَنْ قَدَرَ عَلَى الْأَدَاءِ فَأَخَّرَهُ، ولَوْ كَانَ فَقِيراً. «الفتح», ثُمَّ قال - صلى الله عليه وسلم -َ: «فَإذا أُتْبِعَ أحدُكُم على مَلِيٍّ؛ فَلْيَتْبعْ» قال النووي: «ومَعْنَاهُ: وَإِذَا أُحِيلَ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى مُوسِرٍ؛ فَلْيَحْتَلْ. انتهى. أي: إذا كان لِأَحدِكم دَينٌ على أحدٍ، وأحالَه هذا المَدينُ على رَجلٍ مليء، والمَلِيُّ: هو الغنيُّ الواجدُ لِما يَقْضي به الدَّينَ، فَلْيوافِقِ الدائنُ، ولْيقبَلْ تَحويلَ الدَّينِ مِن على هذا المَدينِ إلى الرَّجلِ الغَنيِّ؛ لَيَسُدَّ عنه الدَّينَ. أمّا إذا كان المُحوّل عليه فقيراً، أو مُماطلاً، أو قريباً للشخص، لا يستطيع أنْ يرافعه عند الحاكم، فلا مانع أنْ يَرفضَ الحَوالة، وإلا إذا لمْ يكنْ مانع؛ فإنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أنْ يقبل الحوالة، فقال: «فليتبع». واختلفَ العلماء: هل هذا على سبيل الوجُوب، أو أن هذا على سبيل الاستحباب؟ فذهب الحنابلة -رحمهم الله- إلى أنْ هذا على سبيل الوجُوب، وأنّه يجبُ على الطالب أنْ يَتحوّل إنْ حوّله على إنسانٍ مليء، وهو ظاهر كلام البخاري في صحيحه؛ إذْ قال: إذا أحالَ على ملي فليسَ له ردٌ. وقال أكثر العلماء: إنه على سبيل الاسْتحباب؛ لأنّ الإنسان لا يلزمه أنْ يتحوّل، لكنْ لا شك أنّ الأفْضل والأحوط أنْ يتحول، إلا لمانعٍ شرعي.

من فوائد الحديث

  • أنَّ مِنَ الظُّلمِ أنْ يَدفَعَ الغَنيُّ عن مالِه بالمُماطلة والمَواعيدِ، فلا يَقْضي ما عليه مِن الدُّيونِ؛ لأنّ الواجبَ على الإنسان أنْ يُبادر بالوفاء، إذا كان له قُدْرة، ولا يحلُّ له أنْ يُؤخّر، فإنْ أخّر الوَفاء، وهو قادرٌ عليه؛ كان ظالماً.
  • فقد أَمَرَ اللهُ -سُبحانه وتعالَى- بِأداءِ الحقوقِ، وحذَّرَ مِن أَكْلِ أموالِ النَّاسِ بِالباطلِ، فقال: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (البقرة: 188)، وتوعَّد اللهُ -عزَّ وجلَّ- مَنِ استدانَ أمْوالَ النَّاسِ وهو يُريدُ إتلافَها، ولا يُريدُ رَدَّها، بأن يُتلفه.
  • وأمَّا مَن لا يَقدِرُ على القَضاءِ؛ فهو غيرُ داخلٍ في هذا المعْنى؛ لأنَّ اللهَ -تعالَى- قدْ أنْظَرَه بقَولِه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرُةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (البقرة: 280).
  • وفيه ما يدلَّ على حرص الشريعة على تَحصينِ الأمْوالِ وحِفْظها.
  • وفيه: الإرْشادُ إلى تَرْكِ الأسْبابِ القاطعةِ لاجْتماعِ القُلوبِ وتآلفها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك