رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 8 سبتمبر، 2026 0 تعليق

باختصار- الفراغُ لمن يملؤه..!

من سُنن الحياة أن الفراغ لا يدوم؛ فالنفس إن لم تُشغَل بالحق شُغِلَت بالباطل، والمجتمع إن غاب عنه المصلحون تصدَّره المفسدون، وإذا خفت صوت الحق علت أصوات الباطل، تملأ الأسماع وتستولي على العقول؛ فالباطل لا يقوى بقوة حجته، وإنما بغياب من يدحضه، ولا ينتشر بسطوته، وإنما بصمت من يزاحمه ويكشف زيفه. وهذا المعنى ليس مجرد قراءةٍ لواقع المجتمعات، بل هو سُنَّة إلهية ماضية، وقاعدة ربانية جارية؛ هي «سُنَّة المدافعة» التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله -تعالى-: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة: 251)؛ فصلاح الحياة لا يكفي فيه وجودُ الخير، بل لابدَّ من حضوره وتأثيره، ولا يكفي معرفةُ الحق، بل حملُه ونصرته؛ فالخير بلا أثرٍ ينحسر، والحق بلا مدافعةٍ ينكسر. ولهذا لم يكلِّف الله أهل الحقّ أن يكونوا صالحين في أنفسهم فحسب، بل أن يكونوا مصلحين لغيرهم، يحملون الخير ويبلِّغونه، ويزاحمون به الشر ويقاومونه؛ قال -تعالى-: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (آل عمران: 104)؛ فالحقُّ أمانةٌ لا تُحبس في القلوب، بل تُترجم أثرًا في الحياة: كلمةً تُسمع، وعلمًا يُنشر، وقلمًا يكتب، ومؤسسةً تبني؛ ليبقى للخير حضوره، وللهداية نورها، وللحق سلطانه في حياة الناس. ومن هنا فإنَّ المسؤولية لا تبدأ بمواجهة الباطل بعد ظهوره، بل بصناعة البديل قبل انتشاره؛ بناءً للوعي، وتحصينًا للأجيال، وملئًا لفراغٍ إن تركناه اليوم دفع ثمنه أبناؤنا غدًا؛ فالشاب بحاجة إلى من يبدِّد شبهته ويوجِّه طاقته، والمرأة بأمس الحاجة إلى خطاب شرعي واعٍ يفهم واقعها ويجيب عن قضاياها، والمجتمع كله بحاجة إلى من يبصِّره بالحق ويهديه إلى الرشد، فمساحات التأثير لمن يحضرها، والعقول لمن يحسن مخاطبتها، والقلوب لمن يعرف طريقها. ولا شك أنَّ ميادين التأثير حولنا واسعة، والثغور كثيرة؛ في البيت، والمسجد، والمدرسة، والإعلام، والعمل الخيري، والمنصات الرقمية، ولكلٍّ منا ثغرٌ يستطيع أن يسدَّه، وأثرٌ يمكن أن يتركه؛ فلا تستصغر كلمةً تهدي، ولا خيرًا تدعمه؛ فربَّ عملٍ صغير بارك الله فيه، فامتد أثره إلى أجيال، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فوالله لَأَنْ يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بلِّغوا عنِّي ولو آيةً». ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرّق كلَّ صاحب رسالة: أين ميدان تأثيري؟ والجواب أقرب مما نظن؛ فليس المطلوب أن تبحث عن أبعد الميادين، ولا أن تنتظر اكتمال الإمكانات، وإنما ابدأ من أقرب ثغر تقدر عليه، مستثمرًا ما تحسن من قدرات، ومستعينًا بما تملك من وسائل، ومبادرًا بما يتاح من فرص؛ فالأثر العظيم لا تصنعه دائمًا الإمكانات الكبيرة، وإنما تصنعه همةٌ تعرف ثغرها، وتبذل وسعها، فلا تنتظر حتى يملأ غيرك الفراغ؛ بادر إلى ثغرك، واصنع أثرك فالفراغ لمن يملؤه.!  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك