أقدم وثيقة وقف كويتية محفوظة .. وقف سلمان بن صقر الطيري العازمي سنة 1223هـ/1808م
- تكتسب وثيقة وقف سلمان العازمي أهميةً استثنائية لكونها أقدم وثيقة وقفية كويتية محفوظة في السجلات الوقفية ومرجعًا لتوثيق تاريخ الوقف في الكويت
- تكشف الوثيقة عن البعد الإيماني في حياة الواقف إذ ربط ريع الوقف بأعمال البر وفي مقدمتها الأضحية وسائر وجوه الخير
يحتل الوقف مكانة راسخة في تاريخ المجتمعات الإسلامية، ولم يكن مجرد وسيلة للتصدق أو الإنفاق، وإنما كان نظاماً متكاملاً أسهم في حفظ الثروة، ورعاية الأسرة، وإغاثة المحتاجين، وتمويل أعمال البر، وإدامة النفع بعد وفاة الواقف، وقد عرف أهل الكويت الوقف منذ مراحل مبكرة من تاريخ مجتمعهم، شأنهم في ذلك شأن سائر المجتمعات الإسلامية التي ارتبطت فيها الحياة الاجتماعية والاقتصادية بالقيم الدينية ومؤسسات التكافل.
حكم نص الوثيقة
«الموجب لتحريره والداعي لتصديره هو أن الرجل: (سلمان بن صقر الطيري العازمي) في تمام صحته وكمال عقله ومن غير إقهار ولا إجبار قد أوقف (بيته) الكائن له في بلد الكويت البيت الشمالي على بناته (دلها) و(عيدة)، وعلى أمهم: (مطرة بنت غريب)، وأن هؤلاء المذكورين يعملون له أضحية وخير خيرات مما يعود عليه نفعه يوم القيامة، وإن قدروا على حجة فيحجون عنه إن كان في أجرته قدر، والله على ما نقول وكيل، جرى وحرر في 28 جمادى الأول سنة 1223 من بعد الهجرة النبوية -على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام- وصلى الله على محمد وسلم».هامش الوثيقة
وقد كتب على هامش الوثيقة بشكل عرضي وصف للبيت، ومن حوله من الجيران وهو كما يلي: (حدود البيت المذكور قبلة: (بيت فريح الصانع)، وشرقا: (بيت سليمان الوهيبي)، وشمال جنوب: (بيت قاسم السهول)، وجنوبا: (بيت مطرة بنت غريب زوجة سليمان).التوقيع خلف الوثيقة
وفي خلف الوثيقة وردت العبارة التالية (وإن حضرتي أنا يا سلمان بن صقر العازمي قد أوقفتها المسماة بالسيوخية على (دلها) بنتي، و(عيدة) بنتي يعملون لي خيرات من صدقة وأضحية وما أشبه ذلك من حجة، والله على ما أقول وكيل) والشهود الذين وقعوا في الخلف هم: (مساعد الغريب العازمي)، و(سعد بن راشد العازمي) و(سعيد).القيمة الاستثنائية للوثيقة
وتأتي القيمة الاستثنائية لوثيقة وقف سلمان بن صقر الطيري العازمي، المؤرخة في 28 جمادى الأولى سنة 1223هـ، الموافق 1808م، أقدم وثيقة وقفية كويتية محفوظة ومثبتة في السجلات الوقفية الكويتية، ويمكن الاستناد إليها في توثيق تاريخ الوقف في الكويت. وليس المقصود أن سلمان بن صقر الطيري كان أول من أوقف في الكويت، ولا أن الوقف لم يكن معروفاً قبل سنة 1223هـ، وإنما المقصود أن هذه هي أقدم وثيقة وقفية كويتية وصلت إلينا محفوظة؛ بحيث يمكن للباحث اليوم أن يستند إلى نصها ومادتها في دراسة تاريخ الوقف الكويتي، وقد وصفها الباحث باسم اللوغاني في المادة المنشورة عنها بأنها ربما تكون أقدم وثيقة للوقف الإسلامي في الكويت، كما نُشرت الوثيقة ضمن الأعمال التي تناولت الوثائق الكويتية القديمة.تاريخ الوثيقة وأهميتها
تعود الوثيقة إلى سنة 1223هـ/1808م، في عهد الشيخ عبد الله بن صباح الأول، الذي حكم الكويت من سنة 1776م إلى سنة 1813م، وبذلك فإنها تنقل إلينا شاهداً ماديا مباشراً على جانب من الحياة الاجتماعية والشرعية في الكويت خلال مطلع القرن التاسع عشر.سلمان بن صقر الطيري والبيت الذي أصبح وقفاً
تبدأ الوثيقة بصياغة شرعية تؤكد أهلية الواقف واختياره، فتذكر أن سلمان بن صقر الطيري العازمي كان في «تمام صحته وكمال عقله ومن غير إقهار ولا إجبار»، ثم تنص على أنه أوقف بيته الكائن في بلد الكويت، المعروف بالبيت الشمالي، على ابنتيه دلها وعيدة وعلى أمهما مطرة بنت غريب، وتربط الوثيقة الانتفاع بالوقف بأعمال البر؛ إذ نصت على أن المذكورين يعملون له أضحية وخيرات، وأن يحجوا عنه إذا كان في غلة الوقف ما يكفي لذلك، وقد جرى تحرير الوثيقة في 28 جمادى الأولى سنة 1223هـ- ١٨٠٨م. إن هذا النص القصير يقدم لنا صورة واضحة عن طبيعة الوقف في المجتمع الكويتي آنذاك: عقار خاص يتحول إلى أصل وقفي، وأسرة تنتفع به، وأعمال بر تستمر من ريعه، وغاية دينية يتطلع الواقف إلى استمرارها بعد وفاته، ومن أهم الدلالات التي تكشفها الوثيقة أن الوقف لم يكن منفصلاً عن حاجات الأسرة؛ فالواقف أوقف البيت على ابنتيه وعلى أمهما، وفي الوقت نفسه جعل من منافعه وسيلة لتحقيق أعمال البر من الأضحية والخيرات والحج عنه وهذا النموذج يجسد وظيفة مهمة من وظائف الوقف في المجتمع الإسلامي؛ إذ استطاع الواقف من خلاله أن يجمع بين رعاية الأسرة وإدامة الصدقة والأجر من الله -تعالى-، ومن هذا البعد تكشف الوثيقة عن وعي مبكر بأهمية استدامة العطاء، وهو مفهوم يمثل اليوم أحد أهم المبادئ في العمل الوقفي والمؤسسي.البيت الوقفي وخريطة الكويت القديمة
ولعل من أجمل ما في هذه الوثيقة وصفها الدقيق للعقار الموقوف، ففي زمن لم تكن فيه الخرائط المساحية الحديثة ولا أرقام القطع والمنازل، كان تحديد العقارات يتم من خلال ذكر الجيران والجهات الأربع، وقد حددت الوثيقة حدود البيت بذكر عدد من البيوت المجاورة، منها بيت فريح الصانع، وبيت سليمان الوهيبي، وبيت قاسم السهول، إضافة إلى بيت مطرة بنت غريب زوجة سليمان. وهذه الأسماء ليست تفاصيل هامشية؛ فهي تمثل جزءاً من الخريطة العمرانية والاجتماعية للكويت القديمة. ولهذا فإن وثائق الأوقاف يمكن أن تصبح مصدراً مهماً لدراسة العمران الكويتي القديم، إلى جانب كتب التاريخ والروايات المحلية.أسماء تحفظ ذاكرة المجتمع
تضم الوثيقة عدداً من الأسماء التي تجعلها سجلا اجتماعيا مصغراً للكويت في ذلك العصر فنجد اسم الواقف سلمان بن صقر الطيري العازمي، وزوجته مطرة بنت غريب، وابنتيه دلها وعيدة، كما نجد أسماء الشهود، ومنهم مساعد الغريب، وسعد بن ختلان، وسعيد، إلى جانب أسماء الجيران: قاسم السهول، وسليمان الوهيبي، وفريح الصانع. وتحفظ الوثيقة كذلك اسماً مهما في تاريخ التوثيق الكويتي، هو علي بن محمد بن مصطفى، الذي يظهر بوصفه كاتباً وشاهداً على الوثيقة؛ حيث تشير الوثيقة إلى أن شخصية الكاتب تحتاج إلى مزيد من البحث، ولا سيما من خلال البحث عن وثائق أخرى كتبها ومقارنة أسلوبه وصياغاته وأختامه عليها، هذا الجانب مهم جدا؛ لأن دراسة تاريخ الوقف لا تقتصر على الواقفين والمستحقين، وإنما تشمل أيضاً القضاة وكتّاب الوثائق والشهود الذين أسهموا في حفظ الحقوق الوقفية، ومن خلال جمع الوثائق المتقاربة زمنيا يمكن للباحث أن يتعرف إلى تطور لغة التوثيق، وصيغ الوقف، وأسماء القائمين على كتابتها، ومدى انتظام العمل القضائي والوثائقي في الكويت في تلك المرحلة.الأضحية والحج والخيرات
تكشف الوثيقة بوضوح عن الجانب الإيماني في حياة الواقف، فقد ربط الانتفاع بالوقف بالأضحية والخيرات، كما جعل الحج عنه مرتبطاً بوجود ما يكفي من غلة الوقف وهذه الإشارة ذات دلالة كبيرة؛ لأنها تظهر أن الواقف كان ينظر إلى ماله الموقوف بوصفه وسيلة لتحقيق أثر مستمر.هل هي أول وثيقة وقف كويتية؟
من الخطأ أن نخلط بين تاريخ الوقف وبين تاريخ الوثائق التي حفظت لنا؛ فالوقف كان معروفاً في المجتمعات الإسلامية قبل سنة 1223هـ بقرون طويلة، ومن ثم لا يصح أن نستنتج من أقدم وثيقة وصلت إلينا أن هذا هو تاريخ بداية الوقف في الكويت، والأدق أن نقول إن أوقافاً سبقت هذا الوقف على الأرجح، وربما سبقت الوثيقة بمدة، لكن وثائق تلك الأوقاف لم تصل إلينا محفوظة بما يتيح لنا إثباتها وثائقيا اليوم, ومن هنا تتفرد وثيقة سلمان بن صقر الطيري بقيمتها؛ لأنها تمثل أقدم شاهد وثائقي وقفي كويتي وصل إلينا محفوظاً ومثبتاً في السجلات الوقفية التي يمكن الرجوع إليها، وهذه الأولوية لا تعني أنها أول ممارسة وقفية في الكويت، وإنما تعني أنها أقدم أثر وثائقي وقفي باقٍ نستطيع أن ندرسه ونوثقه ونبني عليه بحثاً علميا. ومن عجيب ما قرأت أن أرملته قبل وفاتها قد أوقفت بيتها الخاص الذي تملكه لأعمال الخير، رحمها الله ورحم زوجها، وجعل ما قدموه أجرا باقيا وإن طال الزمان.صفحة كبيرة في تاريخ الكويت
وفي الختام نقول: بعد أكثر من قرنين من تحريرها، ما زالت وثيقة وقف سلمان بن صقر الطيري العازمي تحتفظ بقدرتها على الحديث إلينا، وتخبرنا عن رجل من أهل الكويت أوقف بيته، وعن ابنتين وأم، وعن جيران وشهود، وعن بيت كان قائماً في الكويت القديمة، وعن أضحية وخيرات وحج، وعن طريقة في التوثيق، وعن مجتمع كانت فيه قيم البر والتكافل جزءاً من حياته اليومية، وهكذا تتحول وثيقة صغيرة في حجمها إلى صفحة كبيرة في تاريخ الكويت؛ صفحة تحفظ لنا جانباً من ذاكرة مجتمع جعل من الوقف وسيلة لحفظ الأسرة، وإدامة البر، وصيانة المال، واستمرار الخير.
لاتوجد تعليقات