رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ناظم المسباح 7 سبتمبر، 2026 0 تعليق

سلسلة الأخلاق الإسلامية .. خُلُق الحِيْطَةِ حسن التقدير والاستعداد للمخاطر (2-2)

  • الكمال أن يجمع العبد بين غاية الحيطة وإحكام الأخذ بالأسباب وكمال التفويض وصدق التوكل على الله تعالى
  • الحيطةُ والاحترازُ لا ينافيانِ مقَام التوكلِ بحالٍ من الأحوالِ بل هما من صَميمِ حقيقتهِ وجوهرِ معناه
  • التوكُّل الشرعي في حقيقته عبادةٌ تقوم على ركنين متلازمين: ركنٌ قلبي هو تفويض الأمر إلى الله وصدق الاعتماد عليه وركنٌ عملي هو الأخذ بالأسباب وبذل الحيطة والتحرُّز من المهالك والآفات
  • مَن عطَّلَ الأسبابَ والحيطةَ بدعوى التوكلِ فقد طعنَ في حكمةِ التشريعِ ومَن اعتمدَ على الأسبابِ والحيطةِ وقطعَ تعلّقَ قلبهِ بالله فقد وقعَ في شركِ الأسبابِ
 

استكمالا لما بدأنا الحديث عنه في العدد الماضي عن خلق الحيطة؛ حيث ذكرنا أنه منهج أصيل يجمع بين التوكل على الله، والأخذ بالأسباب، والتبصر في العواقب، وذكرنا أنَّ نصوص القرآن الكريم والسُنَّة النبوية ومواقف السيرة قد حفلت بصور هذا الخُلُق العظيم، الذي لا يعني الخوف أو الوسوسة، وإنما حسن التقدير والاستعداد للمخاطر، والأخذ بالأحزم والأوثق؛ فالوقاية قبل وقوع الضرر من هدي الشرع ومقتضيات الحكمة، واليوم نكمل الحديث عن هذا الخلق العظيم من خلال الحديث عن التطبيقات النبوية في الحيطة والحذر.

       من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في حديث الهجرة الطويل عن عائشة -رضي الله عنها- وفيه: «.... بينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها؛ فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي! والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأذن فأذن له فدخل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أذن لي في الخروج»، والشاهد هنا هو مجيئه - صلى الله عليه وسلم - متقنعاً وفي وقت لا ينتشر الناس فيه، وأمره - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر بإخراج من عنده حتى لا يفشى سره بقصد أو بغير قصد؛ وذلك لخطورة الموقف وسرية الأمر.

نوم علي - رضي الله عنه - في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم -

       وهناك شواهد أخرى أيضًا في حديث الهجرة وهي أمره - صلى الله عليه وسلم - عليا - رضي الله عنه - بأن يرقد في فراشه ليلة الهجرة، وخروجه ليلا باتجاه اليمن مع أنه يريد جهة يثرب إيهاما لقريش أنه يريد اليمن وليس يثرب؛ لأنه سينعطف إذا غاب عن أنظارهم نحو يثرب فجعل الناس يبحثون جهة اليمن.

اختباؤه - صلى الله عليه وسلم - في الغار

       ثم اختباؤه - صلى الله عليه وسلم - في الغار ثلاثة أيام، وإقراره دخول أبي بكر الغار قبله لينظفه ويزيل أي مكروه فيه، وسلوكه طريقا غير معتاد، وإرساله عبدالله بن أبي بكر عينا على قريش، واستئجاره عبدالله بن أريقط خريتا لكيلا يضل الطريق؛ كل هذه دروس وعبر من هجرته - صلى الله عليه وسلم - في الحيطة والحذر وعلى هذا يكون ديدن المسلم.

أفي القوم محمد؟!

        ومنه ما رواه البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب في قصة معركة أحد وفيه: «... فقال أبو سفيان أفي القوم محمد ثلاث مرات، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجيبوه ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا»، والشاهد أنه بعد إصابة المسلمين يوم أحد وكثرة الجراح والقتل فيهم ظن المشركون أن محمدا وأبا بكر وعمر قد قتلوا، فأراد قائدهم أبو سفيان أن يتأكد من مقتلهم فنادى بأعلى صوته أفيكم محمد... فنهاهم النبي عن إجابته والسبب في ذلك أن أبا سفيان لو علم بأنهم أحياء لكر عليهم بجيشه مرة أخرى، وأنهك معسكر المسلمين المثخن بالجراح، وكانت المفسدة الثانية الأعظم، وفي نهيه - صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم - من الحيطة والحذر ما يدل على ذكائه وفطنته مع ما في جوابهم من نكاية لأبي سفيان وأعوانه. قدم المفسدة الصغرى على الكبرى. وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: «غزونا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك، فلما أتينا تبوك قال: أما إنها ستهب الليلة ريح شديدة فلا يقومن أحد، ومن كان معه بعير فليعقله؛ فعقلناها، وهبت ريح شديدة فقام رجل فألقته بجبل طيء...».

الفرق بين الحيطة والوسوسة

  • الوسوسة: هي ما يخطر في نفس الإنسان أو ذهنه وتكون في الشر، أو بمعنى آخر: ما ينفثه الشيطان في قلب الإنسان من شر، وليس للإنسان فيه أمر.
  • أما الحيطة: هي أن يتخذ الإنسان أوثق الأمرين وخيرهما، وهي أمر خارجي طارئ ليس محله ذهن الإنسان أو قلبه، وإنما جاء نتيجة حدوث أمر خارجي استدعى حدوث الحيطة والحذر. وهي من فعل الإنسان بخلاف الوسوسة فإنها من فعل الشيطان.

الحيطة لا تنافي التوكل

       الحيطةُ والاحترازُ لا ينافيانِ مقَام التوكلِ بحالٍ من الأحوالِ، بل هما من صَميمِ حقيقتهِ وجوهرِ معناه؛ إذ التوكلُ الشرعيُّ في حقيقتهِ عبادةٌ مركَّبةٌ من شقَّين متلازمين لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر: شقٌّ باطني قلبيٌّ وهو تفويض الأمرِ إلى الله والاعتماد التامُّ عليه -سبحانه-، وشقٌّ ظاهري جوارحيٌّ وهو التزامُ الأسبابِ والتحرّزُ من المهالكِ والآفات، فمَن عطَّلَ الأسبابَ والحيطةَ بدعوى التوكلِ فقد طعنَ في حكمةِ التشريعِ، ومَن اعتمدَ على الأسبابِ والحيطةِ وقطعَ تعلّقَ قلبهِ بالله فقد وقعَ في شركِ الأسبابِ، والكمالُ هو ما كانَ عليه الأنبياءُ والرسلُ من الجمعِ بينَ غايةِ الحيطةِ والأخذِ بالأسبابِ، معَ غايةِ التفويضِ والتوكلِ، والشواهد من القرآن والسنة والسيرة الآنفة الذكر تدل على ذلك.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك