العبث..!
من المنظور القرآني -والسنة النبوية الصحيحة- فإن العبث هو كل فعل أو قول يخلو من الحكمة والمقصد المشروع، أو يشتمل على اللهو الباطل الذي لا يحقق مصلحة معتبرة، ويختلف ذلك عن الترويح المباح أو المزاح المشروع.
أولًا: مفهوم العبث في القرآن:
جاء لفظ العبث ومشتقاته في القرآن للدلالة على معانٍ عدة:- نفي العبث عن خلق الله -تعالى-: يؤكد القرآن الكريم أن الله -تعالى- خلق كل شيء لحكمة وغاية؛ إذ هو الحكيم -جل وعلا-؛ فقال -تبارك وتعالى-:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}، وقال -تعالى-: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (المؤمنون: 115)، وهو استفهام استنكاري! والمعنى: أن حياة الإنسان ليست بلا غاية؛ وإنما خُلق الإنسان لعبادة الله وعمارة الأرض والابتلاء.
- نفي أن يكون الإنسان قد خُلق هملاً بلا غاية: قال -تعالى-: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} (القيامة: 36)، وهذا استفهام استنكاري أيضا، وكلمة (سُدى) تعني: الشيء المهمل المتروك الذي لا يُنتفع به، ولا يُقاد لغاية، أو بغير أمر ونهي وحساب.. فهنا: ينكر الله - سبحانه وتعالى - أن يُخلق الإنسان هملاً بلا غاية، أو يُترك بلا تكليف بأوامر ونواهٍ، أو يُترك دون بعث وحساب وجزاء على أفعاله؛ بل خلقه الله لحكمة عظيمة، وجعله مكلفاً ومحاسباً في الآخرة.
- الحكمة والإتقان في الخلق: قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} (الدخان: 38)؛ أي إن خلق الله قائم على الحكمة وليس على العبث أو اللعب.
ثانيًا: مفهوم العبث في السنة النبوية الصحيحة:
- بينت السنة المعنى العملي (للعبث) من خلال التوجيهات النبوية الشريفة، ومن ذلك:
- قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»: وهذا أصل في ترك الانشغال بما لا فائدة فيه.
- وقال - صلى الله عليه وسلم-: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل... عن عمره فيما أفناه...»؛ ففيه أن وقت الإنسان مسؤول عنه، فلا يليق إضاعته في العبث.
- ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن العبث في الصلاة، ومن ذلك قوله: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» وهو أثر مشهور عن بعض السلف، أما الأحاديث الصحيحة فقد دلت على كراهة الانشغال في الصلاة بغيرها، مثل النهي عن كثرة الحركة والالتفات لغير حاجة.
ثالثًا: هل كل لعب أو مزاح يُعد عبثًا؟
الجواب: لا؛ فالله -عز وجل- قد ذم اللهو فقط الذي يصرف عن الحق؛ فقال - تعالى -: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ} (العنكبوت: 64)، وليس المقصود تحريم كل ترفيه، وإنما بيان أن الانشغال بالدنيا الذي يؤدي إلى نسيان الآخرة هو المذموم، والسنة تثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا، وكان يسابق زوجته عائشة -رضي الله عنها-، وأذن باللعب المباح في بعض المناسبات، كما أقر لعب الحبشة بحرابهم في المسجد، وأذن للصغار باللعب بما يناسب أعمارهم. إذًا فهناك فرق بين: الترفيه المباح: يعين على النشاط، ولا يشتمل على معصية، ولا يضيع واجبًا. والعبث المذموم: ما كان بلا فائدة، أو أدى إلى تضييع الواجبات، أو اشتمل على محرم، أو أفضى إلى إفساد الدين أو الأخلاق.رابعًا: ضابط العبث في الإسلام:
يمكن تلخيص الضابط في النقاط الآتية: إذا كان الفعل يحقق مصلحة دينية أو دنيوية معتبرة، فهو ليس عبثًا. وإذا كان مجرد ترويح مباح لا يفضي إلى معصية ولا يضيع واجبًا، فهو جائز. وإذا كان يضيع الوقت والعمر بلا نفع، أو يشغل عن الفرائض، أو يوقع في المحرمات، فهو من العبث المذموم. الخلاصة: الإنسان لم يُخلق عبثًا ولم يُترك هملاً، بل خُلق لرسالة ومسؤولية، وأُحيطت أعماله بالرقابة والحساب؛ قال -تعالى-: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (يس: 12)، ومن ثم فحياة المسلم ينبغي أن تقوم على الوعي بالغاية، وتحمل المسؤولية، وأداء الحقوق والواجبات بحكمة واتزان.
لاتوجد تعليقات