رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد سلطان السلطان 11 أغسطس، 2026 0 تعليق

خواطر  الكلمة الطيبة .. جهود دعاة السُنّة في تصحيح ما أُلحق بالأذان من بدع

 

  • الدّعوات الإصلاحية الصادقة لا تقاس بكثرة الشعارات وإنما بما تحققه من إحياء للسنة وتصحيح للمفاهيم وتقريب الأمة من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم -
  • مسؤولية الدعاة وطلبة العلم لا تنتهي عند معرفة الحق بل تمتد إلى تبليغه بالحكمة والسعي في نشر السُنّة وتصحيح الأخطاء بالعلم والرفق
 

لم تقتصر مهمة الدعاة والعلماء عبر التاريخ على إلقاء الدروس وإلقاء الخطب، بل كان من أعظم واجباتهم تصحيح المفاهيم، وتنقية السنة مما علق بها من زيادات أو ممارسات لا تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أثمرت هذه الجهود المباركة في واقع الناس، حتى تغيرت بعض المظاهر التي ظلت متداولة سنوات طويلة، ثم اندثرت عندما ظهر الدليل، وانتشرت السنة، وقام أهل العلم بواجب البيان.

ومن النماذج الواضحة على ذلك ما يتعلق ببعض الأمور التي ارتبطت بالأذان، سواء ما كان متصلاً بالأذان نفسه، أو ما أُلحق به من ممارسات اعتادها الناس حتى ظنها كثير منهم من شعائر الدين.

أولاً: تصحيح الدعاء بعد الأذان

        من السنن الثابتة أن المسلم يجيب المؤذن، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يقول الدعاء الوارد في الحديث الصحيح: «اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته». وقد وردت في بعض الروايات زيادة: «إنك لا تخلف الميعاد»، وهي زيادة حكم عليها كبار المحدثين بالشذوذ والضعف، وبيّنوا أنها لا تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن أبرز من ناقش هذه المسألة الإمام الألباني -رحمه الله- في سلسلة الأحاديث الصحيحة؛ حيث قرر أن هذه الزيادة غير محفوظة، وأن المشروع الاقتصار على اللفظ الثابت في الصحيح. ومع ذلك، ظلت هذه الزيادة تُتلى سنوات طويلة عبر الإذاعة والتلفزيون، حتى اعتادها الناس، وظن كثير منهم أنها جزء من الدعاء المأثور.

جهود علمية وإعلامية مثمرة

        لم يكتف دعاة السنة ببيان الحكم في مجالسهم الخاصة، بل سلكوا مسارات عدة متكاملة لإزالة هذه الزيادة من الواقع، فكان المسار العلمي من خلال الدروس والمحاضرات، وبيان الحكم الشرعي بين طلاب العلم والشباب، والإشارة إلى هذه المسألة في الرسائل العلمية والكتيبات الدعوية، حتى أصبح كثير من الناس على علم بضعف هذه الزيادة. ثم جاء المسار الإعلامي؛ حيث كتب الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله- مقالات تناول فيها هذه القضية، وانتقد استمرار بث الزيادة عبر وسائل الإعلام، مؤكدًا أن الواجب الالتزام بالألفاظ الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. أما المسار الرسمي، فتمثل في مخاطبة الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة الإعلام ووزارة الأوقاف، وبيان أن هذه الزيادة لا تصح نسبتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن استمرار إذاعتها يخالف ما ثبت في السنة. وقد أثمرت هذه الجهود بفضل الله، فأزيلت هذه الزيادة من البث الرسمي، وأصبح الدعاء الذي يُذاع بعد الأذان موافقًا للفظ الصحيح الوارد في السنة، وهو ما لا يزال معمولًا به إلى اليوم.

ثانيا: التواشيح الدينية

ومن المظاهر الأخرى التي ارتبطت بالأذان قديمًا ما كان يُعرف بـ(التواشيح الدينية)، وهي الأناشيد والمدائح التي كانت تُبث قبل الأذان أو بعده، ولا سيما قبل أذان المغرب؛ حيث كانت تمتد أحيانًا لدقائق. وقد اشتملت بعض هذه التواشيح على عبارات من الغلو في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أوصاف وثناء لم ترد في الكتاب والسنة، كما كانت تمثل أحد المظاهر المرتبطة بالطرق الصوفية التي انتشرت في عدد من بلاد المسلمين، حتى أصبحت جزءًا ثابتًا من البث الإذاعي والتلفزيوني.

مواجهة علمية هادئة

وقف دعاة السنة من هذه الظاهرة موقف البيان والنصح، فبينوا أن العبادات والشعائر مبناها على التوقيف، وأن ما لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز جعله من شعائر الدين أو ما يتصل بها. وتنوعت وسائل المعالجة؛ فمنها الدروس العلمية والمحاضرات التي أوضحت حقيقة هذه التواشيح وحكمها، ومنها المقالات العلمية، ومن أشهرها مقال للشيخ عبدالله السبت بعنوان (التواشيح الدينية)، تناول فيه هذه الظاهرة بالنقد العلمي المؤصل، مبينًا ما فيها من مخالفات شرعية. ومع استمرار النصح والحوار مع الجهات المعنية، أزيل هذا البرنامج من البث الرسمي، حتى أصبح من أراد سماع تلك التسجيلات لا يجدها إلا ضمن المواد القديمة المحفوظة في الأرشيف أو المنشورة عبر بعض المنصات الإلكترونية.

أثر الدعوة في إصلاح الواقع

        تكشف هذه النماذج جانبًا مهما من آثار الدعوة السلفية في المجتمع، فهي لم تكن دعوة نظرية تقف عند حدود التأليف والخطابة، وإنما كان لها أثر عملي في تصحيح المفاهيم، وإحياء السنن، وإزالة ما علق بالدين من ممارسات لا تقوم على دليل صحيح. كما تؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالصدام ولا بالتشهير، وإنما بالعلم، والحكمة، والصبر، والاستمرار في البيان، والتواصل مع المجتمع ومؤسساته، حتى يؤتي العمل ثماره بإذن الله.

دروس وعبر

        إن هذه المواقف تعلم الدعاة وطلاب العلم أن مسؤوليتهم لا تنتهي عند معرفة الحق، بل تمتد إلى تبليغه بالحكمة، والسعي في نشر السنة، وتصحيح الأخطاء بالعلم والرفق، مع الصبر على طول الطريق، فما دام أهل السنة قائمين بواجب البيان، متمسكين بالوحي، ثابتين على منهج السلف، فإن الخير باقٍ في الأمة بإذن الله، وستظل السنة تظهر، والبدعة تضعف، مصداقًا لقوله -تعالى-: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}. وهكذا يثبت التاريخ أن الدعوات الإصلاحية الصادقة لا تقاس بكثرة الشعارات، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس، وبما تحققه من إحياء للسنة، وتصحيح للمفاهيم، وتقريب للأمة من هدي نبيها - صلى الله عليه وسلم -.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك