رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: ذياب أبو سارة 11 أغسطس، 2026 0 تعليق

في ضوء الأسس العقدية والممارسات السلوكية .. الضوابط الشرعية لمفهوم «الحرية» في الإسلام

 

  • تحتل الحُرية بمفهومها الصحيح مكانة مركزية في التصور الإسلامي إذ يقوم هذا التصور على تكريم الإنسان ومنحه القدرة على الاختيار وتحميله مسؤولية أقواله وأفعاله
  • تنطلق الحُرية في بُعدها العقدي من تحرير الإنسان من كل صور الاستعباد لغير الله، لتتحقق عبوديته الخالصة له -سبحانه- وهي عبودية لا تناقض مفهوم الحرية بل تؤسس لها وتحميها
  • قرر علماء الإسلام أن الحرية الحقيقية هي حرية القلب من التبعية لغير الله، وأن الانقياد للشريعة هو في جوهره تحرير للإنسان من الاستعباد البشري والشهواني
  • الإنسان ليس كائنًا مستقلًا، ولا مالكًا مطلقًا لنفسه وجسده وماله؛ بل هو عبدٌ لله مُستخلف في الأرض ومسؤول عن اختياراته
  • يقرر الإسلام حق الإنسان في التعبير عن رأيه وإبداء النصيحة وبيان الحق وإنكار الظلم والمشاركة في إصلاح المجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة
  • الحرية الشخصية في الإسلام ليست حق الإنسان في إهلاك نفسه، وإنما حقه في إدارة حياته بما يحقق كرامته ومصلحته من غير معصية ولا عدوان
  • من الواجبات المعاصرة : التحقق قبل النشر وبيان مصادر المعلومات والتفريق بين الخبر والرأي وتصحيح الخطأ عند ظهوره وعدم اجتزاء الكلام بما يغير معناه
  • تخضع الحرية في الإسلام لجملة من الضوابط الكُليّة التي تحفظ توازنها بين صيانة الكرامة الإنسانية ومنع الفوضى والعدوان ويمكن إجمالها في عشرة ضوابط متكاملة
  • يجوز للدولة أن تنظم ممارسة الحريات لحفظ الحقوق والمصالح العامة، شريطة الاستناد إلى قانون معلن وأن يحقق مصلحة حقيقية
  • أضافت التقنيات الحديثة مجالات جديدة للحرية كما أوجدت في الوقت نفسه صورًا جديدة للاعتداء تستدعي اجتهادًا معاصرًا
  • تقدّم الشريعة مفهومًا متكاملًا للحرية يجمع بين الكرامة الإنسانية والعبودية لله وحده وبين الحق والواجب وبين الفرد والمجتمع وبين إطلاق الطاقات الإنسانية وحمايتها من أن تتحول إلى أدوات للظلم والفساد
  • من الانحرافات أيضًا الخلط بين النقد والإساءة؛ فالنقد المشروع يقوم على الدليل، والعدل، واحترام الأشخاص، والتفريق بين الخطأ وصاحبه
 

للحرية مكانة مركزية في التصور الإسلامي؛ إذ يقوم هذا التصور على تكريم الإنسان، ومنحه الإرادة والقدرة على الاختيار، وتحميله مسؤولية أقواله وأفعاله؛ غير إن هذه الحرية -بمفهومها الصحيح- ليست تحررًا من كل قيد، ولا ترخيصًا لاتباع الهوى، وإنما هي قدرة واعية ومسؤولية تُمارَس ضمن إطار العبودية لله -تعالى-، وأحكام الشريعة، في ظل مراعاة حقوق الآخرين، ومصالح المجتمع، كما تنطلق الحرية في بُعدها العقدي من تحرير الإنسان من كل صور الاستعباد لغير الله، لتتحقق عبوديته الخالصة له -سبحانه-، وهي عبودية لا تناقض مفهوم الحرية بل تؤسس لها وتحميها.

        ويُعدّ مفهوم الحرية من أكثر المفاهيم تداولًا في الخطاب الفكري والسياسي والإعلامي المعاصر، وأصبح في الوقت نفسه من أكثرها التباسًا واضطرابًا؛ إذ يُستعمل تارة للدلالة على كرامة الإنسان وحقه في الاختيار، وتارة أخرى لتسويغ الانفلات من الدين والأخلاق والقيم الاجتماعية، ويعود جانب كبير من هذا الاختلاف إلى تباين المرجعيات الفكرية التي تحدد معنى الحرية وحدودها، وتتصل بجملة من القضايا الجوهرية، من أبرزها: حقيقة الإنسان وغاية وجوده، ومصدر الحقوق والقيم، والعلاقة بين الفرد والمجتمع، وحدود التصرف الشخصي، ومعيار الخير والشر، والجهة المخولة بتنظيم الحريات.   في التصور الإسلامي، لا يُنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا مستقلًا استقلالًا مطلقًا عن خالقه، ولا مالكًا مطلقًا لنفسه وجسده وماله؛ بل هو عبد لله؛ مستخلف في الأرض، ومؤتمن على ما وهبه الله من نعم، ومسؤول عن اختياراته.

مفهوم الحُرية في الإسلام

        يمكن تعريف الحرية في الإسلام -رغم أنه مصطلح معاصر-بأنها: تمكين الإنسان من اختيار معتقده وأقواله وأفعاله وتصرفاته المشروعة، دون إكراه أو اعتداء، في إطار عبوديته لله، وأحكام الشريعة، وحقوق الآخرين، والمصلحة العامة المعتبرة. ويقوم هذا التعريف على أربعة عناصر متكاملة: الاختيار؛ إذ لا معنى للحرية من دون إرادة وقدرة على المفاضلة؛ وانتفاء الإكراه الظالم، سواء صدر عن فرد أو جماعة أو سلطة؛ والمشروعية؛ بحيث لا تتحول الحرية إلى غطاء للعدوان والفساد؛ والمسؤولية؛ إذ يترتب على كل اختيار آثار دينية وأخلاقية وقانونية. وقد تبدو العبودية في التصور المادي نقيضًا للحرية مطلقًا، غير إن الإسلام يفرق بين نوعين من العبودية: عبودية لله الخالق، وهي عبودية تكريم وهداية، وعبودية للمخلوق أو الهوى، وهي عبودية إذلال واستلاب؛ ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا غاية عليا توجه إرادته؛ فإن لم يكن عبدًا لله أصبح - في الغالب- عبدًا لهواه، أو للمال، أو للمنصب، أو للشهرة، أو لضغط المجتمع، وذلك مصداقًا لقوله -تعالى-: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (الجاثية: 23).

  • ومن هنا قرر علماء الإسلام أن الحرية الحقيقية هي حرية القلب من التبعية لغير الله، وأن الانقياد للشريعة هو في جوهره تحرير للإنسان من الاستعباد البشري والشهواني؛ حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المعنى: «فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب»، مبينًا أن تعلق القلب بالمخلوقات يجعل الإنسان خاضعًا لها وإن بدا في الظاهر قويًا أو متصرفًا.
ويؤكد الإمام الشاطبي المعنى ذاته حين يحدد مقصد دخول المكلف تحت أحكام الشريعة بقوله: «إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد لله اضطرارًا»؛ فالتحرر الحقيقي، في هذا الأفق، يبدأ من داخل الإنسان: من تحرير القلب من الهوى والخوف والطمع والتبعية العمياء، ولا تعارض بينه وبين العبودية لله، بل هو ثمرة من ثمارها.

الأسس العقدية والفكرية للحرية

١. تكريم الإنسان: أقام الإسلام نظرته إلى الإنسان على أصل التكريم، قال -تعالى-: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء: 70). وهذا التكريم أصل شامل لا يقتصر على جنس أو لون أو قومية، فالناس جميعًا يرجعون إلى أصل واحد، والتفاضل الحقيقي بينهم إنما يكون بالتقوى والعمل الصالح لا بالعرق أو النسب أو الثروة، كما في قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13). وتقتضي كرامة الإنسان في هذا الأفق ألا يُستعبد بغير حق، وألا يُهان، وألا تُنتهك حرمته، وألا يُجبر على ما لا يعتقده، وألا تُصادر حقوقه الأساسية من دون موجب شرعي عادل. ٢. التوحيد أساس التحرر: لا يمثل التوحيد قضية نظرية محضة في باب العقيدة فحسب، بل هو - في الوقت نفسه - إعلان لتحرير الإنسان من كل عبودية باطلة؛ فشهادة ألا إله إلا الله تقتضي ألا يخضع القلب خضوع العبادة إلا لله، وألا تكون طاعة المخلوق مطلقة، وألا يُمنح حاكم أو عالم أو جماعة حق التشريع المطلق، وألا يتحول المال أو الهوى أو العرف إلى مرجعية تعلو على أمر الله. وبهذا يحمي التوحيد الإنسان من الاستبداد الديني والسياسي والاجتماعي على السواء؛ ذلك أن الطاعة البشرية في الإسلام مقيدة بالمعروف، وليست تفويضًا مطلقًا لأحد من الخلق. ٣. الإرادة الإنسانية والتكليف: أثبت القرآن الكريم للإنسان مشيئة واختيارًا، قال -تعالى-: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29)، وليست هذه الآية تقريرًا لتساوي الإيمان والكفر، ولا إسقاطًا لعاقبة الاختيار؛ فقد ذكرت الآية نفسها ما أعده الله للظالمين بعدها، وإنما تقرر أن الإنسان يختار، ثم يتحمل تبعة اختياره؛ فلا تكليف بلا إرادة، ولا ثواب ولا عقاب على ما لا اختيار للإنسان فيه، ولذلك رفع الشرع المؤاخذة في حالات الإكراه، وفقدان العقل، وانتفاء القصد المعتبر. ٤. تلازم الحرية والمسؤولية: ليست الحرية في الإسلام امتيازًا منفصلًا عن الواجب؛ بل تقابلها مسؤولية أمام الله ثم أمام الناس؛ قال -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36)،  فالإنسان حر في دائرة الاختيار، لكنه غير معفى من آثار اختياره؛ فالكلمة، والمعلومة، والعقد، والمال، والمنصب، والمنصة الإعلامية، كلها أمانات يُسأل عنها صاحبها. ٥. المسؤولية الفردية: قرر الإسلام أن الإنسان لا يُؤاخذ بذنب غيره، قال -تعالى-: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الأنعام: 164)، وهذا الأصل يمنع العقوبات الجماعية، والثأر من الأبرياء، ومؤاخذة الأسرة بجرم أحد أفرادها، كما يمنع التمييز ضد الإنسان بسبب عرقه أو نسبه أو انتماء لم يخترْه.

الحرية بوصفها مقصدًا شرعيًا

       اهتم علماء الإسلام المتقدمون بحفظ النفس والعقل والدين والمال والعرض، وبمنع الإكراه والظلم والاستعباد، وإن لم يجمعوا هذه الأحكام دائمًا تحت مصطلح واحد هو «الحرية»، وقد أبرز ابن عاشور الحرية باعتبارها مقصدًا كليا من مقاصد الشريعة، وربطها بالمساواة والفطرة الإنسانية، فقال: «الحرية من الفطرة، وهي مما نشأ عليه البشر»، وقرر أن المساواة إذا كانت أصلًا في الخِلقة، فإن الحرية تترتب عليها بوصفها مقصدًا من مقاصد الشريعة. ويمكن النظر إلى الحرية في ضوء ذلك باعتبارها مقصدًا خادمًا للمقاصد الكبرى؛ فحرية الاعتقاد والبحث تعين على حفظ الدين عن طريق الاقتناع لا النفاق، وحرية التفكير والتعليم تعين على حفظ العقل، وحرية العمل والكسب والتملك تعين على حفظ المال، وحرمة الإكراه والاعتداء تعين على حفظ النفس، وحرمة التجسس والقذف والتشهير تعين على حفظ العرض والكرامة، وحرية الزواج المشروع وتكوين الأسرة تعين على حفظ النسل. غير إن الحرية ليست مقصدًا منفردًا بذاته يلغي سائر المقاصد؛ بل تعمل في انسجام معها؛ فإذا تحولت ممارستها إلى تهديد للنفس أو العقل أو الأسرة أو الأمن أو الحقوق العامة، انتقلت من دائرة الحرية المشروعة إلى دائرة الضرر أو الجريمة.

نطاقات الحرية في الإسلام

١. الحرية الدينية وحرية الاعتقاد: قرر القرآن الكريم أصل عدم الإكراه على الدخول في الإسلام، قال -تعالى-: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة: 256)، وقال -سبحانه- مخاطبًا نبيه -[-: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99)؛ ذلك أن الإيمان لا يتحقق في حقيقته بالإجبار، لأنه تصديق وإذعان قلبي، وقد عاش غير المسلمين في المجتمع الإسلامي محتفظين بأديانهم وشعائرهم في الحدود التي نظمتها الأحكام والعهود، غير إن حرية الاعتقاد في التصور الإسلامي لا تعني أن الأديان والعقائد كلها صحيحة عند الله، ولا أن الحق والباطل متساويان، ولا أن المجتمع المسلم ملزم بنشر ما يناقض عقيدته، ولا أن الانتماء الديني لا تترتب عليه أحكام ومسؤوليات، وفي هذا السياق ينبغي التفريق بين ثلاثة مستويات: الإكراه على الدخول في الإسلام، وهو منفي بنص القرآن؛ والاعتقاد القلبي المجرد، وهو بين الإنسان وربه -لا يملك البشر إدخال الإيمان إلى القلب بالقوة- والتصرفات العلنية ذات الآثار الدينية والاجتماعية والقانونية، وهذه هي التي تدخل في دائرة القضاء والنظام العام. ٢. حرية التفكير والنظر العلمي: دعا القرآن الكريم إلى النظر والتدبر والاستدلال، وذمّ التقليد الأعمى، وناقش المخالفين بالحُجة والبرهان، قال -تعالى-: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: 111)؛ فالأصل في التفكير والبحث العلمي الإباحة، بل قد يرتقيان إلى الوجوب إذا تعلقت بهما حاجة الأمة أو دفع ضرر عنها. وتشمل الحرية الفكرية السؤال لفهم الدّين، والبحث في الكون والإنسان والمجتمع، والاجتهاد في المسائل التي تقبل الاجتهاد، ونقد الآراء البشرية، ومراجعة الأعراف والممارسات، والاستفادة من تجارب الأمم وعلومها؛ غير إن هذا التفكير العلمي يُضبط بالأمانة والمنهج، فلا يجوز بناء الأحكام على الوهم والشائعات أو التلاعب بالدراسات والبيانات، مصداقًا لقوله -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36)، كما يجب التفريق بين النص الشرعي القطعي، وفهم العالم أو المفسر للنص، والاجتهاد البشري الذي يقبل المناقشة والتصويب؛ فالعصمة إنما هي للكتاب والسنة، وليست لأحد من العلماء بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ٣. حرية التعبير: يقرر الإسلام حق الإنسان في التعبير عن رأيه، وإبداء النصيحة، وبيان الحق، وإنكار الظلم، والمشاركة في إصلاح المجتمع-على كل المستويات-، قال -تعالى- في وصف المؤمنين: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38)؛ فحرية التعبير في الإسلام ليست مقصورة على تأييد الأقوياء، بل تشمل نصحهم ومساءلتهم والاعتراض على الظلم بالوسائل المشروعة؛ غير إن هذه الحرية لا تتسع لشهادة الزور والكذب المتعمد، ولا لقذف الأبرياء واتهامهم بلا بينة، ولا للتشهير وانتهاك الأعراض، ولا للغيبة والنميمة، ولا للتحريض المباشر على العنف، ولا لإفشاء الأسرار والأمانات، ولا لنشر الأخبار الكاذبة، ولا للسخرية من الدين وشعائره، ولا لإثارة العداوات العرقية والطائفية، ولا للإضرار المتعمد بأمن الناس وحقوقهم؛ قال -تعالى-: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} (الحجرات: 12)، فالفرق كبير بين نقد الفكرة والاعتداء على صاحبها، وبين كشف الفساد بالدليل والقذف بلا بينة، وبين المعارضة السياسية المشروعة والتحريض على الدماء. ٤. الحرية الشخصية:  للإنسان في الإسلام مساحة واسعة في شؤونه المباحة: اختيار طعامه ولباسه المباح، ومهنته وعمله، ومكان سكنه، والتنقل والسفر وفق الأنظمة المشروعة، وتكوين الصداقات والعلاقات المشروعة، واختيار الزوج أو الزوجة، وترتيب شؤونه الخاصة، والانتفاع بوقته وماله؛ ذلك أن الأصل في العادات والمعاملات الإباحة ما لم يرد دليل بالتحريم. غير إن ملكية الإنسان لنفسه ليست مطلقة؛ فلا يجوز له أن يقتل نفسه، أو يُهلك جسده، أو يتعاطى ما يدمر عقله، أو يحوّل جسده إلى وسيلة للإضرار بنفسه أو بالآخرين؛ فالحرية الشخصية في الإسلام ليست حق الإنسان في إهلاك نفسه، وإنما حقه في إدارة حياته بما يحقق كرامته ومصلحته من غير معصية أو عدوان. ٥. حرية الخصوصية: قرر الإسلام حُرمة البيوت والأسرار والحياة الخاصة، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} (النور: 27)، وقال -سبحانه-: {وَلَا تَجَسَّسُوا} (الحجرات: 12)، ويدخل في ذلك في العصر الحاضر حماية المراسلات والاتصالات، وعدم اختراق الأجهزة والحسابات، ومنع نشر الصور الخاصة من دون إذن، وحماية البيانات الشخصية، ومنع التسجيل السرّي بلا مُوجب قانوني معتبر، وعدم تتبع عورات الناس وأخطائهم الخاصة، وحماية المعلومات الطبية والمالية والعائلية، ولا يجوز تقييد الخصوصية إلا لضرورة معتبرة، وبقدرها، ومن جهة مختصة، وبإجراءات عادلة، وليس لمجرد الشك أو الرغبة في السيطرة. ٦. الحرية الاقتصادية: أقر الإسلام الملكية الخاصة، وحرية التبادل والتجارة والتعاقد والكسب، قال -تعالى-: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (النساء: 29)، ومن مظاهر هذه الحرية اختيار العمل المشروع، وإنشاء المشروعات، والبيع والشراء، والتملك والإرث والهبة، والدخول في العقود برضا صحيح، والانتفاع بالمال وتنميته، والانتقال من عمل إلى آخر، ورفض العقد الذي لا يرضاه الإنسان؛ غير إن هذه الحرية تُقيَّد بتحريم الربا، والغش والتدليس، والرشوة، والسرقة والاختلاس، والاحتكار الضار، وأكل أموال الناس بالباطل، واستغلال حاجة الضعفاء، والعقود المشتملة على ظلم أو غرر فاحش، والإضرار بالبيئة والمصلحة العامة؛ فالمال في الإسلام حق فردي ووظيفة اجتماعية في الوقت نفسه، والمالك مستخلف فيه، وليس له أن يستعمله في الإفساد أو الاعتداء. ٧. الحرية الاجتماعية وحرية تكوين الأسرة: أعطى الإسلام الرجل والمرأة حرية القبول أو الرفض في الزواج؛ فلا يصح أن يكون الزواج وسيلة للإكراه الاجتماعي أو المالي، وتقوم الأسرة في التصور الإسلامي على الرضا، والمودة والرحمة، والحقوق المتبادلة، وتحمل المسؤولية، وحماية الأطفال والضعفاء، وعدم الإضرار؛ وليست سلطة الوالدين أو الزوج سلطة مطلقة، بل هي رعاية مقيدة بالمعروف والمصلحة، وقد قرر الحديث أن كلًا من الرجل والمرأة راعٍ ومسؤول عن رعيته، كما لا يجوز للأعراف القبلية أو الاجتماعية أن تصادر حق المرأة أو الرجل في الاختيار المشروع، أو أن تحرم الإنسان حقًا أباحه الله لمجرد اختلاف اللون أو المهنة أو الطبقة. ٨. الحرية السياسية والمشاركة العامة: يقوم التصور السياسي الإسلامي على جملة من المبادئ، أبرزها الشورى، والعدل، وأداء الأمانة، والنصيحة، ومحاسبة المسؤول، وطاعة ولي الأمر في المعروف، ومنع الاستبداد والظلم، وحماية الحقوق العامة، واستقلال القضاء؛ قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (النساء: 58)، وقال -سبحانه-: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: 8)، وتشمل المشاركة العامة المشروعة إبداء الرأي، وتقديم المشورة، ومراقبة المال العام، وكشف الفساد بالأدلة، والمطالبة بالحقوق، والدفاع عن المظلوم، والمشاركة في مؤسسات المجتمع، واختيار الأصلح بالوسائل المتاحة، كما لا تعني حرية المعارضة جواز الفوضى أو التكفير أو الاعتداء المسلح.

الضوابط الشرعية العامة للحرية

تخضع الحرية في الإسلام لجملة من الضوابط الكُليّة التي تحفظ توازنها بين صيانة الكرامة الإنسانية ومنع الفوضى والعدوان، ويمكن إجمالها في عشرة ضوابط متكاملة.
  • الضابط الأول: العبودية لله ومرجعية الوحي؛ فالحرية لا تمنح الإنسان حق تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل، ولا تجعل الرغبة الشخصية مصدرًا أعلى للقيم؛ فالمؤمن يختار داخل دائرة التكليف، ويجتهد فيما يقبل الاجتهاد، لكنه لا يجعل نفسه ندا لله في التشريع. ولا يعني ذلك إغلاق باب العقل، بل العقل أداة لفهم الوحي وتنزيله وتحقيق مقاصده، لا أداة لإبطال النصوص القطعية لمجرد مخالفتها للهوى السائد.
  • الضابط الثاني: منع الضرر؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضِرار»، وهذه قاعدة كبرى في تنظيم الحرية؛ فممارسة الإنسان لحريته تتوقف عندما تتحول إلى اعتداء محقق أو غالب على حق غيره، كما في تلويث البيئة العامة، أو القيادة المتهورة، أو ترويج دواء ضار، أو نشر بيانات الناس الخاصة، أو الغش التجاري، أو التحريض على قتل الأبرياء، ولا يكفي مجرد الادعاء بوجود الضرر لتقييد الحريات، بل ينبغي أن يكون الضرر حقيقيا ومعتبرًا، وأن يكون المنع متناسبًا معه.
  • الضابط الثالث: حفظ الضرورات والمقاصد الكبرى، وهي الدّين، والنفس، والعقل، والنسل والأسرة، والمال، والعرض والكرامة، والأمن والعدل العام، ولا يعني حفظ هذه المقاصد أن تُستخدم شعارات مطاطة لقمع الناس؛ بل يجب إثبات الصلة الحقيقية بين الفعل والضرر، واختيار أقل القيود تحقيقًا للمصلحة.
  • الضابط الرابع: حقوق الآخرين؛ فحرية الفرد لا تبيح له الاعتداء على حياة الآخرين، ولا أموالهم، ولا سمعتهم، ولا أسرارهم، ولا مساكنهم، ولا عقائدهم التي كفل لهم العهد ممارستها، ولا حقهم في الأمن والعدالة، وقد أعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع حرمة الدماء والأموال والأعراض؛ فالحرية والحقوق متبادلتان: ما يطلبه الإنسان لنفسه يجب أن يعترف بأصله لغيره، ولا يجوز أن يجعل حريته وسيلة لمصادرة حرية الآخرين.
  • الضابط الخامس: الصدق والعلم؛ فلا تُقبل دعوى حرية التعبير لتسويغ الكذب أو تلفيق الأدلة أو نشر الإشاعات، قال -تعالى-: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: 6)، ومن الواجبات المعاصرة المترتبة على ذلك: التحقق قبل النشر، وبيان مصادر المعلومات، والتفريق بين الخبر والرأي، وتصحيح الخطأ عند ظهوره، وعدم اجتزاء الكلام بما يغير معناه، وعدم استخدام الصور والمقاطع المفبركة، واحترام قواعد البحث العلمي.
  • الضابط السادس: الأخلاق والآداب العامة؛ فالإسلام لا يفصل بين القانون والأخلاق فصلًا كاملًا؛ فبعض الأفعال قد لا تصل إلى مستوى الجريمة القضائية؛ لكنها تبقى محرمة أو مذمومة أخلاقيا، كالبذاءة، والسخرية الجارحة، والغيبة، وسوء الظن، وتتبع العورات، وخداع الناس، ونشر الفاحشة. ولا يعني ذلك تجريم كل خطأ أخلاقي؛ فهناك فرق بين الحرام الديني، والخطأ الأخلاقي، والمخالفة التنظيمية، والجريمة التي تستوجب العقوبة، والخلط بينها يوسّع دائرة العقوبات ويؤدي إلى الاستبداد باسم الدين.
  • الضابط السابع: التناسب بين المنع والضرر؛ فليس كل ضرر يبرر المنع الكلي، فقد يكفي التنبيه، أو التصحيح، أو حق الرد، أو التعويض، أو إزالة المحتوى المحدد، أو تنظيم الوقت أو المكان، أو وضع شروط مهنية، أو عقوبة محدودة متناسبة؛ والأصل ألا تتوسع السلطة في المنع متى أمكن دفع الضرر بوسيلة أخف.
  • الضابط الثامن: سلطة القضاء لا سلطة الأفراد؛ فعندما تكون ممارسة الحرية متصلة بجريمة أو عقوبة، لا يجوز أن يتحول الناس إلى قضاة وجلاّدين. ومن أهم الضمانات في هذا الباب: ثبوت الفعل بالأدلة المعتبرة، وسماع دفاع المتهم، والتحقق من القصد والأهلية، وانتفاء الإكراه والشبهة، وتناسب العقوبة، وصدور الحكم عن جهة مختصة، ومنع الانتقام الشخصي؛ وقد أكد الفقهاء أن الحدود والعقوبات العامة من اختصاص الحاكم أو نائبه، لما يترتب على إقامتها من الأفراد من فساد واضطراب.
  • الضابط التاسع: اعتبار المآلات؛ فقد يكون الفعل جائزًا في أصله، ثم يُمنع في حالة معينة لما يترتب عليه من ضرر غالب، كما قد يكون المنع نفسه أشد ضررًا من الفعل، ولهذا ينبغي عند تنظيم الحرية النظر في النتائج المتوقعة، وحجم الضرر، واحتمال وقوعه، والبدائل المتاحة، ومدى تأثير القرار في الأبرياء، وإمكان إساءة استخدام المنع، وأثره الطويل في الثقة والاستقرار.
  • الضابط العاشر: عدم تحويل القيود إلى استبداد؛ فكما أن الحرية قد يُساء استعمالها، فإن القيود قد يُساء استعمالها أيضًا؛ فلا يجوز اتخاذ حماية الدين ذريعة لتصفية الخصومات، ولا المصلحة العامة ذريعة لمصادرة الأموال، ولا حماية السمعة ذريعة لمنع كشف الفساد، ولا طاعة ولي الأمر ذريعة لتسويغ الظلم، ولا الأمر بالمعروف ذريعة للتجسس والإهانة؛ فالعدل واجب مع الموافق والمخالف، ومع القوي والضعيف، كما قال -تعالى-: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: 8).

الانحرافات المعاصرة في فهم الحرية

        الحرية المطلقة تصور غير قابل للتطبيق؛ لأن إطلاق حرية فرد قد يؤدي إلى إلغاء حرية غيره؛ فلو كانت حرية التملك مطلقة لجاز أخذ مال الآخرين، ولو كانت حرية التعبير مطلقة لجاز القذف والتهديد، ولو كانت حرية الحركة مطلقة لجاز اقتحام البيوت، ولو كانت حرية التجارة مطلقة لجاز بيع السموم والغش والاحتكار. إذًا فالمشكلة ليست في وجود القيود بذاتها، بل في أربعة أمور: مصدر القيد، ومشروعيته، وتناسبه مع الضرر، والجهة التي تطبقه. والقيد المشروع في الإسلام هو الذي يستند إلى دليل أو مصلحة معتبرة، ويحفظ حقًا حقيقيًا، ويُطبَّق بعدل، ولا يتجاوز مقدار الحاجة؛ أما القيود المبنية على الهوى أو التعصب أو؛ فليست من الشريعة، ولو رُفعت فوقها شعارات دينية.
  • ومن الانحرافات أيضًا الخلط بين النقد والإساءة؛ فالنقد المشروع يقوم على الدليل، والعدل، واحترام الأشخاص، والتفريق بين الخطأ وصاحبه، وقصد الإصلاح، وإتاحة حق الرّد، بينما تقوم الإساءة على السخرية والتشهير والقذف والاجتزاء والتحريض.
  • ومنها، الخلط بين المعصية والجريمة؛ فليست كل معصية مما تتدخل فيه الدولة بالعقوبة، فهناك معاصٍ علاجها التوبة والوعظ والتربية والستر، وتوسيع التجريم ليشمل كل تقصير ديني قد يؤدي إلى النفاق والتجسس وإفساد علاقة الناس بالدين.
ومنها، الخلط بين النص والاجتهاد؛ إذ من الضروري التفريق بين النص القطعي، والحكم المجمع عليه، والاجتهاد الفقهي، والسياسة الإدارية، والعرف الاجتماعي، فقد يُقدَّم اجتهاد بشري أو عرف محلي على أنه حكم إلهي لا يقبل المراجعة، وهو ما يضيّق دائرة الحرية بغير حق.  

ضوابط تنظيم الدولة للحريات

        يجوز للدولة أن تنظم ممارسة الحريات لحفظ الحقوق والمصالح العامة، غير إن هذا التنظيم يجب أن يلتزم بجملة من الشروط: أن يكون مستندًا إلى قانون معلن، وأن يحقق مصلحة حقيقية لا متوهمة، وأن يكون متناسبًا مع الخطر، وألا يميز بين الناس بغير حق، وأن يخضع للمراجعة القضائية، وأن يحدد مدة القيود الاستثنائية، وأن يحفظ حق الدفاع والتظلم، وألا يصادر أصل الحرية بحجة تنظيمها، وألا يجعل الناقد السلمي في منزلة المجرم العنيف، وأن يخضع المسؤول نفسه للقانون؛ فالسلطة في الإسلام أمانة ومسؤولية لا ملكية شخصية، وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من غش الرعية، وبيّن أن من استرعاه الله رعية ولم يحطها بالنصيحة استحق الوعيد الشديد. وبذلك يمكن تلخيص التصور الإسلامي للحرية في معادلة جامعة تتضمن الحرية المشروعة من خلال الاختيار الواعي وحماية الكرامة الإنسانية والتزام الحق وتحمل المسؤولية ومنع الضرر والعدوان؛ فالحرية في الإسلام ليست في تفلّت الإنسان من كل قيد، وإنما تحرره من القيود التي تستعبده وتُذلّه، والتزامه بالحدود التي تحفظ إنسانيته وحقوق الآخرين؛ فالإنسان الحر في ميزان الإسلام هو من يملك إرادته، ويتحرر من الخوف والهوى والطمع، ويقول الحق، ويعدل مع المخالف، ويحترم كرامة الناس وخصوصياتهم، ويتحمل مسؤولية اختياره، وهكذا تقدّم الشريعة مفهومًا متكاملًا للحرية يجمع بين الكرامة الإنسانية والعبودية لله وحده، وبين الحق والواجب، وبين الفرد والمجتمع، وبين إطلاق الطاقات الإنسانية وحمايتها من أن تتحول إلى أدوات للظلم والفساد.  

«الحرية» في البيئة الرقمية والإعلامية

       أضافت التقنيات الحديثة مجالات جديدة للحرية؛ كما أوجدت في الوقت نفسه صورًا جديدة للاعتداء تستدعي اجتهادًا معاصرًا؛ فمن حقوق الإنسان في البيئة الرقمية: حماية بياناته، ومعرفة كيفية استخدامها، والموافقة على جمع المعلومات عنه، وحماية حساباته ومراسلاته، وتصحيح البيانات الخاطئة، والاعتراض على التشهير، والوصول العادل إلى المعرفة، وعدم التمييز الخوارزمي الظالم.
  • وتقابل هذه الحقوق مسؤوليات رقمية، من أبرزها: عدم نشر الشائعات، وعدم انتحال الشخصيات، وعدم اختراق الحسابات، وعدم نشر المقاطع الخاصة، وعدم التنمر الإلكتروني، وعدم التحريض على العنف، وعدم استخدام الذكاء الاصطناعي لتلفيق الأقوال والصور، والتحقق من المحتوى قبل تداوله، وتصلح قاعدة {وَلَا تَجَسَّسُوا} (الحجرات: 12)، وقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» أساسًا شرعيًا مهمًا لبناء اجتهاد فقهي معاصر يحمي الخصوصية الرقمية ويمنع الإيذاء الإلكتروني.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك