واجب الأدب مع الله وخشيته
- الأدب مع الله ينبع من معرفة العبد بربه وعلمه أنه سبحانه يعلم السر وأخفى فيذل له ويخشع في عبادته
- الأدب مع الله يقتضي التوقف عند حدود العلم واحترام مقام النصوص وعدم جعل الدين ميدانا للظنون والأهواء
- الأدب مع الله من أجلّ المعاني التي ينبغي أن يتربى عليها المسلم؛ فهو أصل عظيم من أصول العبودية، ودليل على حياة القلب، وصفاء الإيمان
يقصد بالأدب مع الله تحقيقُ معنى العبودية ظاهرًا وباطنًا؛ بتعظيم الله -تعالى-، والانقياد لأوامره، والتسليم لحكمه، ومراقبته في السر والعلن، وقوام ذلك على معرفة الله بأسمائه وصفاته، ومعرفة ما يحبه ويرضاه، وما يكرهه وينهى عنه، ثم ترجمة تلك المعرفة إلى سلوك يليق بجلاله -سبحانه وتعالى-؛ كتعظيم شرعه، وحسن الظن به، والحياء منه، وصيانة القلب واللسان والجوارح عن معصيته.
عبادة قلبية:
والأدب مع الله عبادة قلبية تنعكس على الجوارح فتُهذّب السلوك وتُزكّي العمل، ويمكن تعريفه بإيجاز بأنه: تهذيبُ المسلم -قلبه ولسانه وجوارحه- بأدب الشرع، حتى يكون عبدًا متواضعًا، خاشعًا، مستسلمًا لربه، مراقبًا له في كل حال. والأدب مع الله من أجلّ المعاني التي ينبغي أن يتربى عليها المسلم؛ فهو أصل عظيم من أصول العبودية، ودليل على حياة القلب، وصفاء الإيمان، ومعرفة العبد قدر ربه -جل جلاله-، وينبغي أن يكون الأدب مع الله منهج حياة يظهر في الاعتقاد والعبادة، وفي القول والعمل، والسر والعلن.مصدر الأدب مع الله:
والأدب مع الله ينبع من معرفة العبد بربه: بعظمته وكماله، ورحمته وحكمته، وقدرته وعلمه أنه -سبحانه- يسمع ويرى، ويعلم السرّ وأخفى؛ فيتذلل له ويخشع في عبادته حتى لا يكون كما قال -تعالى-: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}؛ أي: ما لكم لا تعظّمون الله حق تعظيمه؟! فمن عرف الله عظّمه، ومن عظّمه استحيا منه، ومن استحيا منه راقب قلبه ولسانه وجوارحه.من مظاهر الأدب مع الله:
1- تعظيم أوامره ونواهيه: وهو من أعظم الأدب مع الله؛ ذلك أن المسلم حين يتعامل مع شرع الله، لا يتعامل معه على أنه أمر ثانوي، أو خيار قابل للتقديم والتأخير - بحسب الهوى والمصلحة -؛ بل يستقبل أمر الله بالتسليم الكامل والانقياد، كما قال -تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}؛ فالأدب مع الله أن يقول العبد بلسان حاله قبل مقاله: سمعنا وأطعنا. 2- حسن الظن بالله: ومن صوره كذلك حسن الظن بالله -تعالى-، واليقين بأن الله لا يقدّر لعبده المؤمن إلا ما فيه حكمة ورحمة، وإن خفيت عليه تفاصيلها؛ فقد يبتلي الله عبده ليطهّره، أو يمنعه ليحفظه، أو يؤخر عنه ما يحب ليعطيه خيرًا مما طلب، والأدب هنا ألا يعترض القلب على قضاء الله، ولا يتسخط اللسان؛ بل يقول المؤمن: قدر الله وما شاء فعل، ويوقن أن اختيار الله له أرحم من اختياره لنفسه. 3- مراقبته في الخلوات: ومن أعظم السلوكيات التي تدل على الأدب مع الله: مراقبته في الخلوات؛ فكثير من الناس يحسن ظاهره أمام الناس، لكن الأدب الصادق يظهر حين يخلو العبد بنفسه، فلا يراه أحد إلا الله؛ فمن استحيا من نظر الله إليه، كفّ عينه عن الحرام، وصان لسانه عن الفحش، وحفظ قلبه من الرياء والحسد والكبر؛ قال -تعالى-:{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، وكما قال رسوله - صلى الله عليه وسلم -: «اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وهي درجة الإحسان - كما جاء في حديث جبريل عليه السلام - فالمراقبة ثمرة من ثمار الخشية، ودليل على أن القلب يعظم الله -تعالى- وحده، وليس الناس. 4- الأدب في الدعاء: وذلك بأن يدعو العبد ربه بتذلل وافتقار؛ لا على وجه الاستعجال أو الاعتراض؛ فيبدأ بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ويطلب من ربه وهو موقن بالإجابة، راضٍ بما يختاره الله له، وليس من الأدب أن يقول العبد: دعوتُ فلم يُستجب لي! وكأنه يمنّ على ربه بدعائه! بل المؤمن يعلم أن الدعاء عبادة، وأن الإجابة آتية لا محالة، ولكن في الوقت الذي يختاره الله للعبد؛ حيث يكون فيه مصلحته التي لا يعلمها إلا الله ولكن -الإنسان بفطرته- يحب استعجال الخير، قال -تعالى-: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلِ}؛ فدعوة المؤمن مستجابة إما في الدنيا أو في الآخرة. 5- حفظ اللسان عند ذِكر الله: ومن السلوكيات المهمة أيضًا حفظ اللسان عند ذِكر الله وأحكامه؛ فلا يليق بالمسلم أن يتكلم عن الله بغير علم، أو يفتي في دينه بلا بصيرة، أو ينسب إلى الشرع ما ليس منه، وذلك مصداقًا لقوله -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}؛ فالأدب مع الله يقتضي التوقف عند حدود العلم، واحترام مقام النصوص، وعدم جعل الدين ميدانًا للظنون والأهواء، والأخطر من ذلك أن يجعل كلام الله وآياته وأحكامه ميدانًا للسخرية أو اللهو واللعب والضحك؛ فهذا من الكفر الصريح، كما قال -تعالى-: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}! 6- شكر النعم واستعمالها في الطاعة: فالعين نعمة، واللسان نعمة، والمال نعمة، والصحة نعمة، والعُمر نعمة، ومن سوء الأدب مع الله، أن يستخدم العبد نعم الله -تعالى- فيما يغضبه؛ فينظر بعينه إلى الحرام، أو يسمع بأذنه الباطل، أو ينفق ماله في الفساد، أو يضيع عمره فيما لا ينفع؛ فالشكر الحقيقي ليس كلمة تقال بل طاعة تظهر في السلوك والحياة. 7- الخشية من الله حبّ وتعظيم: ومن أعظم ما يزكي هذا الأدب في القلب: خشية الله -تعالى-، والخشية هنا ليست خوفًا مجردًا يبعث على اليأس، وإنما خوف مقرون بالعلم والتعظيم والمحبة؛ ولذلك قال -تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وقال -في وصف المؤمنين-: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}؛ فكلما ازداد العبد معرفة بربه، ازداد خشية له، وكلما عظمت الخشية في قلبه، صلح عمله، واستقام طريقه، وشعر بالطمأنينة والأمان: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} . والخشية الصادقة تظهر في أمور عملية؛ منها: المبادرة إلى التوبة عند الذنب، وعدم الإصرار على المعصية، وردّ الحقوق إلى أهلها، والبعد عن الظلم، والورع في المال، والصدق في المعاملة، والإحسان إلى الخلق؛ فمن خشي الله لم يظلم ضعيفًا، ولم يخن أمانة، ولم يغش في بيع أو شراء، ولم يتكبر على عباد الله، وهذا كله من صور الأدب مع الله بامتثال أوامره. 8- تعظيم العبادات والخشوع فيها: فتعظيم الصلاة -بوصفها صلة العبد بربه، وميدان الأدب والخشوع- من أهم مظاهر الأدب مع الله؛ فليس من الأدب أن يقف العبد بين يدي الله وقلبه لاهٍ، أو يؤخر الصلاة بلا عذر، أو يؤديها -دون تدبّر أو خشوع- بوصفها عادة لا كعبادة؛ فإن المصلي حين يقول: الله أكبر، فإنه يعلن أن الله أكبر من الدنيا وشواغلها، وأعظم من كل ما يشغله عنها. 9- التواضع والإخلاص: فالتواضع وترك العُجب بالعمل الصالح من مظاهر الأدب مع الله؛ فمهما عبد الإنسان ربه، فهو مقصر في حقه، مفتقر إلى رحمته وفضله، وقد كان النبي -[ وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه؛ فلما سئل عن ذلك قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا!» فهذا هو مقام الأدب الكامل مع الله: عبادة بلا غرور، وشكر بلا مِنّة، وخشية بلا قنوط.خطورة المسألة:
وإن من الخطر أن يضعف الأدب مع الله في حياة الناس؛ فتخف هيبة الأمر والنهي، ويكثر التساهل في المُحرمات، ويُستهان بالكلمة، ويغيب استحضار نظر الله إليه، ولذلك كان واجبًا على الأسرة، والمدرسة، والمنبر، والإعلام الإسلامي، أن يعيدوا غرس هذا المعنى في النفوس: أن الله عظيم، وأن حقه أعظم الحقوق، وأن العبد لا ينجو إلا بتقوى الله وتعظيمه ومراقبته؛ فالواجب هنا عظيم بالأدب مع الله والسعي إلى ترسيخه في سلوك الأبناء والشباب والأسرة والناس جميعًا؛ فالموظف يحتاج إلى خشية الله في أمانته، والتاجر في بيعه، والمعلم في رسالته، والوالد في تربيته، والكاتب في كلمته، والمسؤول في قراره، وكل إنسان في سره وعلانيته؛ حتى تغشانا الرحمة، وتصلح الأمور وننال بذلك رضوان الله في الدنيا والآخرة.الخلاصة:
وختامًا؛ فإن الأدب مع الله وخشيته ليسا بابًا خاصًا بالعُبّاد والزهاد فحسب؛ بل هما أساس حياة المسلم كلها؛ فطوبى لمن امتلأ قلبه تعظيمًا لله، واستقام ظاهره وباطنه على مرضاته، وجعل بينه وبين معصية الله حاجزًا من الحياء والخشية فهذا عنوان التقوى وحقيقته، ونسأل الله -تعالى- أن يرزقنا قلوبًا تخشاه، وألسنة تذكره، وجوارح تطيعه، وأدبًا يليق بجلاله وعظمته، ذلك {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}.
لاتوجد تعليقات