رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عماد عطية 15 يونيو، 2026 0 تعليق

التوحيد وأثره في بناء الإنسان

  • التوحيد هو الأساس في بناء الإنسان حيث تبدأ التربية الحقيقية من إصلاح القلب وترسيخ الإيمان قبل الاهتمام بالمظاهر والأحكام
  • ضعف التوحيد يؤدي إلى الانحراف العقدي مثل الغلوّ في الأشخاص والتعلق بالقبور وهو ما يوقع في الشرك

تقوم التربية النبوية على بناء الإنسان من داخله قبل أن تُعنى بتقويم ظاهره، فهي تربية تبدأ من القلب، وتغرس فيه أصول الإيمان قبل أن تحمّلَه تفاصيل الأحكام، ومن يتأمل طريقته - صلى الله عليه وسلم - في تعليم أصحابه، يرى عناية ظاهرة بتأسيس القلوب على معرفة الله، وترسيخ معاني العبودية الحقة فيها؛ لأن القلب متى استقام على معاني التوحيد الصافية استقامت الجوارح، وسهل عليها بعد ذلك حمل التكاليف والالتزام بأحكام الدين.

غَرْسُ مَعَانِي التَّوْحِيدِ

        تزداد روعة هذا المنهج حين يتجلى في تربية الناشئة؛ إذ لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤخر غرس معاني التوحيد حتى يبلغ الصغير مبلغ الرجال، بل كان يودعها في قلبه منذ نعومة أظفاره، لتنشأ نفسه على تعظيم الله والثقة به والاعتماد عليه, ومن أبلغ الشواهد على هذا النوع من التربية النبوية، ذلك الحديث الجليل الذي يرويه عبداللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا- قَائِلًا: «كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».

احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ

       يفتتح النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاياه بهذه الكلمة الجامعة: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، ليضع أساس العلاقة بين العبد وربه، فحفظ الله يكون بحفظِ العبدِ حدودَ ربه، فيقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويرعى حقه في السر والعلن، فإذا استقرت هذه الحراسة في قلب العبد وجوارحه كان الجزاء من جنس العمل، كما دل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «احفظ الله تجده تجاهك»؛ أي تجده أمامك بالعون والهداية والتوفيق، وهي معية تفيض على القلب طمأنينة ويقينا، وتُشْعِرُ العبد أن عناية الله تسبقه في خطواته وتصحبه في شؤونه، وإذا استقر هذا المعنى في النفس، انصرف العبد إلى الله وحده في طلب الحاجات، فلم يلتفت إلى غيره في سؤال ولا رجاء.

أَصْلُ تَوْحِيدِ القَلْبِ

     ثم يقرر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصلاً من أصول التوحيد، غاية العظمة في عمق معناه وسمو أثره، وهو توحيد التعلق بالله وحده، فيقول: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»، ففي هاتين الجملتين تتجلّى تربية عظيمة للنفس، تزرع فيها روح الاستقلال بالقلب عن المخلوقين، وإخلاص التوجه إلى خالق السماوات والأرض وحده، فلا يحيد عن الاعتماد عليه ولا ينصرف عن الالتجاء إليه، فإذا استقر في قلب المؤمن هذا الإدراك العميق، وعَلِم عِلْم اليقين أن الخلق كلهم عاجزون عن أن يملكوا له نفعًا أو ضرًا إلا بإذن الله وتقديره، لم تخدعه سطوة مخلوق، ولم يخطر بباله أن يكون لبشر سلطان مطلق على مصيره.

حِينَ يَضْعُفُ التَّوْحِيدُ

         لكن المؤلم أن بعض المسلمين لما ضعف في قلوبهم هذا اليقين صرفوا قلوبهم إلى غير الله، فجعلوا لهم من النعوت والألقاب ما لا يليق إلا بمقام الألوهية، فنادوهم عند قبورهم وأضرحتهم بألقاب كقولهم: «سيد السماوات والأرض»، و«المتصرف في الأكوان»، و«محيي الموتى»، و«ماحي الذنوب»، و«دافع البلاء»، إلى غير ذلك من ألقاب تجاوزت مقام الولاية، بل فاقت مقام النبوة نفسه, ما لم يقف الأمر عند حد الألقاب، بل بلغ الغلو ببعضهم أن يسجدوا بين يدي ذلك القبر كما يسجدون لله، وأن يجعلوا منه قبلة وملجأ تقصده القلوب في الحاجات والشدائد، بل ينفقون عليه وعلى خِدمته وسدنته أموالًا طائلة، ما لو أنفق بعضها على فقراء الأمة لأغناهم، ولكنه الانحراف حين يضعف التوحيد في القلوب، وتنصرف النفوس عن التعلق بالله إلى التعلق بالمخلوقين.

قصور الْفَهْم

        والأعجب من ذلك أنهم إذا عاتبهم معاتب على هذا الصنيع، أو أنكر عليهم منكر ما يقعون فيه من الغلو، سارعوا إلى الاعتذار قائلين: إنا لا نعبدهم، وإنما نتوسل بهم إلى الله، وكأنهم لا يشعرون أن حقيقة العبادة كامنة فيما يفعلون، وأن أعظم مظاهر الإله المعبود أن يقف العباد بين يديه خاضعين ضارعين، يلتمسون منه المدد، ويرجون منه العون، ويصرفون إليه الدعاء والرجاء، فإذا كانوا يقفون عند تلك القبور بهذه الحال التي لا ينبغي إلا لله، فقد جعلوا أصحابها موضع العبادة وإن زعموا بألسنتهم غير ذلك، فهم في حقيقة أمرهم عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون.

طُمَأْنِينَةُ القَلْبِ بالله

        فإذا استيقظ القلب لهذا المعنى، واستقر فيه نور التوحيد، تحولت علاقة العبد بربه إلى علاقة حيّة نابضة باليقين والثقة؛ علاقة تقوم على إدراك راسخ بأن كل نفع إنما يُطلب من الله، وأن كل ضُر إنما يُستدفع بالله، فإذا تمكن هذا اليقين من نفس العبد لم يلتفت إلى غير ربه ومولاه، فلا يغرّه بريق المخلوقين، ولا يخدعه سلطان مَن خَلْقُه مِن الطين، بل تظل بصيرته متعلقة بالقوة الإلهية التي لا تخيب، والحكمة الربانية التي لا تخطئ، عندئذ يتوجه بالسؤال إلى الله وحده، ويستمد منه العون والمدد، مع أخذه بالأسباب المشروعة التي جعلها الله وسائل لا غايات.

عِزَّة التَّوْحِيدِ

        جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليصوغ من هذه المعاني نفوسًا عزيزة كريمة تنبض فيها روح الشرف والأنفة والحمية، وحررهم من رقّ العبودية لغير الله؛ فلا يذل صغيرهم لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفهم قويهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلا بالحق والعدل؛ فكانت نفوسهم مفعمة بالعزة والإباء؛ يردّون يد الظالم إذا بطش، ويقولون للمتجبر إذا طغى: لا تغلُ في تقدير نفسك، ولا تتجاوز حدك؛ فإنما أنت عبد مخلوق لا رب معبود، واعلم أنه لا إله إلا الله.

التَّوْحِيدُ أساس الْعِزَّةِ

        تلك كانت صورة النفوس حين كان التوحيد حيًّا في القلوب، أما حين تسرب إلى العقيدة ما تسرب من شوائب الشرك الخفي تارة والظاهر أخرى، تبدلت الحال؛ فخضعت الرقاب، وانكسرت النفوس، ووهنت العزائم، ورضي كثير من الناس بحياة الضعة والذل، فوجد أعداؤهم إليهم السبيل، وغلبوهم على أمرهم، واستباحوا ديارهم وأموالهم، فكان ذلك ثمرة الانصراف عن حقيقة التوحيد التي بها تقوم الأمم وتعلو، ومن هنا يُعلَم أن طريق العزة التي يطلبها المسلمون لا يُفتح لهم إلا من باب التوحيد؛ فوالله لن تستعيد الأمة سالف مجدها، ولن تبلغ ما ترجوه من عزٍّ وسعادةٍ في حياتها، حتى تسترد قبل ذلك ما فرّطت فيه من صفاء العقيدة وإخلاص العبادة لله وحده.

عَاقِبَةُ الِانْصِرَافِ عَنِ التَّوْحِيدِ

        إن الله -جل جلاله- أغير على حقه من أن يُفيض بالسعادة والتمكين على قوم جعلوه وراء ظهورهم، فإذا نزلت بهم نازلة أو ألمّت بهم شدة، توجهوا إلى حجر أو قبر قبل أن يتوجهوا إليه، ونادوا جذعًا أو بشرًا قبل أن يرفعوا أكفّ الضراعة إليه -سبحانه-. إن سنة الله في عباده لا تتخلف ولا تحابي أحدًا؛ فكلما انتهكت الأمة حمى التوحيد، وسمحت للشرك أن يتسلل إلى عقيدتها، عاقبها الله بسلب ما أنعم به عليها من قوةٍ وعزٍّ وتمكين، فما نقض المسلمون عهد التوحيد في زمانٍ ولا مكان إلا انتقضت وحدتهم، وتفرّق جمعهم، وسُلِّطت عليهم أيدي أعدائهم؛ وتلك سنّة ماضية لا تحيد.

التَّوْحِيدُ مِحْوَرُ الِاسْتِقَامَةِ

        إن التوحيد ليس مجرد أصلٍ عقديٍّ ذهنيّ فحسب، بل هو منهج حياةٍ ينعكس على سلوك الإنسان وتوازنه الداخلي وعلاقته بربه وبالناس من حوله، فمتى استقرّ في القلب صفاء التوحيد، تحرّر الإنسان من التعلّق بالمخلوقين، وامتلأ يقينًا بأن النفع والضر بيد الله وحده، فانعكس ذلك سكينةً في النفس، وثباتًا في المواقف، واستقامةً في السلوك، كما يظهر أن انحراف التصوّر في هذا الباب يؤدي إلى اضطرابٍ في المفاهيم، وتشتّتٍ في وجهة القلب، وما يترتب على ذلك من ضعفٍ في البناء النفسي والاجتماعي للأمة. ومن ثم فإن استعادة التوازن الحقيقي في حياة المسلمين تبدأ من إعادة هذا الأصل إلى مركزه الصحيح في الوعي والسلوك، ليكون التعلق بالله وحده هو المنطلق والغاية، وبذلك تستقيم حياة الفرد والمجتمع على أساسٍ من اليقين والطمأنينة والاعتدال.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك