الموقف الشرعي من الفتن .. أنواعها وعلاماتها وسبل الوقاية منها
- الأصل في النوازل العظام أن يتقي المسلم ربه، ويلزم السلامة، ويترك معالجة الفتن للعلماء الراسخين وأهل الولاية؛ فهم أقدر على تقدير المصلحة ودرء المفسدة
- الصبر والثبات عند اشتداد الفتن من أعظم القربات التي تميز أهل الإيمان واليقين
- الفتن سنة كونية متكررة لا يكاد يسلم منها أحد وتزداد خطورتها عند ضعف العلم والبصيرة
- يتفاوت الناس في مواقفهم من الفتن؛ فمنهم من يتصدر لها ويخوض في غمراتها دون علم ولا بصيرة، وهذا من أخطر المسالك التي حذّر منها النبي - صلى الله عليه وسلم -
إعداد: اللجنة الإعلامية في إدارة العمل النسائي
تسعى إدارة العمل النسائي لجمعية إحياء التراث الإسلامي إلى نشر العلم الشرعي من خلال دوراتها في برنامج دروب الخير، مواصلةً عطاءها العلمي الذي يضيء البصائر في أزمنة المتغيرات والاضطراب، ومن ثمرات هذا الجهد المبارك دورة بعنوان: (السلامة من الفتن في ضوء الكتاب والسنة)، التي قدّمها الشيخ د. بسام الشطي، واستكمالا لما بدأناه في العدد الماضي من عرض لهذه الدورة، نضع بين أيديكم ملخص الدرس الثاني، الذي يُؤسس لفهم هذا الباب العظيم في ضوء الوحيين، تأصيلاً ووعيًا، وتحذيرًا وتبصيرًا.
أولًا: موقف الناس من الفتن
يتفاوت الناس في مواقفهم من الفتن؛ فمنهم من يتصدر لها ويخوض في غمراتها دون علم ولا بصيرة، وهذا من أخطر المسالك التي حذّر منها النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث نهى عن استشراف الفتن والتعرض لها، والأصل في النوازل العظام أن يتقي المسلم ربه، ويلزم السلامة، ويترك معالجة الفتن للعلماء الراسخين وأهل الولاية؛ فهم أقدر على تقدير المصلحة ودرء المفسدة. ومن أعظم أنواع الخلل: عبادة الله «على حرف»؛ حيث يثبت الإنسان عند الرخاء، فإذا أصابته الفتنة انقلب على عقبيه، فخسر الدنيا والآخرة. قال -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ...} (الحج: 11).ثانيًا: أنواع الفتن
تتنوع الفتن التي تصيب الإنسان، وأخطرها نوعان:(1) فتنة النفس
وهي ما يعتري القلب من وساوس، وإحباط، وغرور، ومجاهدة الشهوات، ودواؤها الصدق في اللجوء إلى الله، وسؤاله الثبات والهداية، والاستعاذة به من مضلات الفتن.(2) فتنة المجتمع
وهي ما يقع بين الناس من اختلاف وصراع وتباين في الآراء، وهو أمر كوني لا يخلو منه مجتمع، وقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي يعتزلهم ولا يصبر. وتتدرج الفتن حتى تشمل العامة والخاصة؛ فمنها ما يصيب الدول والمجتمعات، ومنها ما يقع في المال والأهل، وتُكفَّر ببعضها الصلوات والصدقات. ثم تبلغ ذروتها في «الفتنة العمياء المطبقة» التي تذهب بالبصائر وتُضلّ العقول.ثالثًا: علامات اقتراب الفتن
إن كثرة الفتن وتتابعها من دلائل اقتراب الساعة وفساد الأحوال، ومن أبرز تلك العلامات:تقارب الزمان
قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقومُ الساعةُ حتى يتقاربَ الزمانُ، فتكونُ السنةُ كالشهرِ، و الشهرُ كالجمعة، وتكونُ الجمعةُ كاليومِ، ويكونُ اليومُ كالساعة، و تكونُ الساعةُ كالضَّرَمَةِ بالنارِ»، وهو ما يُفهم منه تسارع الأيام، أو تقلص المسافات بفعل الوسائل الحديثة حتى كأن الزمن قد انطوى، ومن علاماتها كذلك الشحّ، وهو البخل بحقوق الله، وذهاب الإخلاص، وتقديم الدنيا على الدين، واختلال الموازين حتى يُطلب المنكر باسم التطور، ويُستغرب المعروف.رابعًا: الفتن ودخولها إلى البيوت
شبّه النبي - صلى الله عليه وسلم - الفتن بتساقط المطر، إشارةً إلى عمومها وشمولها، حتى تصل إلى داخل البيوت› فتحدث النزاعات بين الأقارب، وقد تبلغ حدّ القطيعة والخصام، وفي هذا العصر، تُعدّ وسائل الإعلام والأجهزة الحديثة من أعظم أبواب الفتن؛ إذ اقتحمت البيوت وأثّرت في العقيدة والسلوك، وأضعفت الروابط الأسرية، حتى صارت عند كثيرين بابًا للإلهاء والإدمان وإضاعة الأوقات والأموال.خامسًا: أثر الفتن على القلوب
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تُعرضُ الفتنُ على القلوبِ كالحصيرِ عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أُشربَها نكتَتْ فيه نكتةٌ سوداءُ فيصيرُ أسودَ مربادًّا كالكوزِ مُجَخِّيًا، لا يعرفُ معروفًا ولا ينكرُ إلا ما أُشرِبَ من هَواه»؛ فالقلوب تتأثر تباعًا بما يُعرض عليها؛ فمن استسلم للفتنة نُكت في قلبه سواد حتى تطمس بصيرته، ومن ردّها واستنكرها حفظ الله له قلبه فبقي نقيا مستنيرًا. ومع اشتداد الفتن، تختلط المفاهيم، ويصعب التمييز بين الحق والباطل، ولا سيما مع تصدر أهل الباطل بألسنة فصيحة وحجج مزخرفة، وقد يبلغ المؤمن في شدة البلاء مبلغًا عظيمًا من الألم، حتى يتمنى لو كان في قبره، لا جزعًا من الدنيا، ولكن خوفًا على دينه وسط اضطراب الفتن وغربة الحق.سادسًا: المشرق وبؤر الفتن
أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن الفتن تخرج من جهة المشرق، حيث قامَ - صلى الله عليه وسلم - إلى جَنبِ المِنبَرِ فقال: «الفِتنةُ هاهُنا، الفِتنةُ هاهُنا، مِن حَيثُ يَطلُعُ قَرنُ الشَّيطانِ -أو قال: قَرنُ الشَّمسِ»، وقد شهد التاريخ أن تلك البقاع كانت منطلقًا لكثير من الصراعات والفتن، وظهرت فيها فرق ضالة ومذاهب منحرفة، كالخوارج وغيرهم، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بظهور المسيح الدجال في آخر الزمان، وأنه يجد أنصارًا من تلك الجهات، ما يدل على استمرار الفتن وتتابعها إلى قرب قيام الساعة.النجاة في زمن الفتن
وفي خضمّ هذه الفتن المتلاطمة، لا نجاة للعبد إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم جماعة المسلمين، والرجوع إلى العلماء الربانيين؛ فالثبات في زمن الفتن عبادة عظيمة، ومن صدق مع الله ثبّته وهداه، ومن اعتصم به عصمه ونجّاه إلى صراط مستقيم.سمات الفتن وخطورتها
- خطورة الفتن وعموم ابتلاء الناس بها: الفتن سنة كونية متكررة، لا يكاد يسلم منها أحد، وتزداد خطورتها عند ضعف العلم والبصيرة.
- وجوب الحذر من التعرّض للفتن والخوض فيها: الأصل الشرعي هو السلامة وترك الخوض في الفتن، مع الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص في النوازل العامة.
- تنوع مصادر الفتن بين داخلية وخارجية: الفتن تشمل فتنة النفس (الشهوات والوساوس) وفتنة المجتمع (الاختلافات والصراعات)، وكلاهما يحتاج إلى مجاهدة شرعية.
- ارتباط كثرة الفتن بعلامات اقتراب الساعة: من أبرزها تقارب الزمان، وظهور الشح، واختلال المفاهيم حتى يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.
- دخول الفتن إلى البيوت عبر الوسائل الحديثة: أصبحت الأجهزة ووسائل الإعلام من أخطر أبواب الفتن المؤثرة على العقيدة والسلوك والعلاقات الأسرية.
- أثر الفتن المباشر على القلوب والبصائر: الفتن تُكوّن على القلب أثرًا متراكماً؛ فإما سواد يطمس البصيرة، أو نور يحفظ الاستقامة والثبات.
- خطورة اختلاط الحق بالباطل في زمن الفتن: من أشد ما يزيد الفتنة تعقيدًا تصدر أهل الباطل ببيان مؤثر يلبّس الحق بالباطل.
- عظم الحاجة إلى الثبات والاعتصام بالوحيين: النجاة في زمن الفتن مرهونة بالتمسك بالكتاب والسنة، ولزوم جماعة المسلمين وأهل العلم.
- الثبات في الفتن عبادة وتميّز إيماني: الصبر والثبات عند اشتداد الفتن من أعظم القربات التي تميز أهل الإيمان واليقين.
لاتوجد تعليقات