رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 11 مايو، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ

  • احْتَجَمَ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأعْطى الحجَّامَ أُجْرةً وفي ذلك جواز التداوي بالاحتجام
  • أحلَّ الله لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ وغيرِ ذلك
 

عن رَافِع بْن خَدِيجٍ - رضي الله عنه -: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1199) باب: تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنهي عن بيع السنور, في هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «ثَمَنُ الكلبِ خَبيثٌ» أي: حَرامٌ، والمُرادُ ثَمَنُ بَيعِهِ أو شِرائِهِ، وما تمَّ كَسْبُهُ مِن ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ؛ لأنَّ الكلبَ مَنْهيٌّ عَنِ اقْتنائِهِ وتَربيتِهِ، إلَّا كلْبَ الماشيةِ والحَرْثِ، كما سبق.

مَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ

  • قوله: «ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ» وكذلك ما تَأخُذُهُ البَغِيِّ مِن مالٍ مُقابِلَ فعلها، ومُقابلَ تَسليمِ نفْسِها للرَّجُلِ الأجْنبيِّ، فهو مُحرَّمٌ؛ لأنَّ الزِّنا حَرامٌ، وما أُخِذَ عليه مِن مالٍ فهو حَرامٌ، وسمَّاه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- مَهراً؛ لكَونِه على صُورتِه؛ فهو مقابلُ تَمكينِ المرأةِ من نَفْسِها.

كَسْبُ الحَجَّامِ

  • قوله: «وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ» والحَجَّامُ هو مَنْ يقومُ بالحِجامةِ، وهي إخْراجُ الدَّمِ الفاسِدِ مِنَ نواحي الجسد، وتعتمد على استخدام أكوابٍ خاصة، يتم وضعها على الجلد ثُمّ شفط الدم، وهذا ممّا يحفّز تدفق الدّم، ثمّ يُجْرح الجلد فيخرج الدّم، وفي الحِجَامة منافعُ عظيمة للبدن، وشفاءٌ مِنْ أمْراض وعلل كثيرة، ولذا حثّ عليها النبيّ - صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة؛ حيثُ قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «خيرُ ما تَدَاويتُم به الحِجَامة». أخرجه البخاري ومسلم.
وروى جابر: عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «إنْ كانَ في شيءٍ مِن أدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أوْ لَذْعَةٍ بنارٍ تُوافِقُ الدَّاءَ، وما أُحِبُّ أنْ أكْتَوِيَ». رواه البخاري، وعن أبن عباس: عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «الشِّفَاءُ في ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وكَيَّةِ نَارٍ، وأَنْهَى أُمَّتي عَنِ الكَيِّ». رواه البخاري في الطب (5680)، وكَوْنُ كَسْبِهِ خَبيثًا لا يَعني أنَّه مُحرَّمٌ؛ فالخَبيث هو الرّديءُ مٍنْ كلّ شيء، وقد يرِد الخَبيث بمعنى الحَرَام. ولأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم- قدِ احْتَجَمَ وأعْطى الحجَّامَ أُجْرةً، كما في الصَّحيحَينِ من حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، كما سيأتي، ولو كان ذلك حَراماً لَمَا أعْطاهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-؛ ولذا حُمِلتْ أحاديثُ النَّهيِ عن كَسْبِ الحجَّامِ، والتَّصريحِ بأنَّه خَبيثٌ؛ على التَّنْزِيهِ والتَّرَفُّعِ عن دَنيءِ المكاسبِ، والحَثِّ على مَكارمِ الأخْلاقِ، ومَعالي الأُمُورِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ النَّهيُ كان في أول الإسْلامِ، ثمَّ نُسِخَ ذلك؛ فلَمَّا أعْطى الحَجَّامَ أجْرَه، كان ناسخاً لِمَا تَقدَّمَه.

من فوائد الحديث

  • أنّ اللهُ -تعالى- أحلّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ، وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِنَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارةِ، وغيرِ ذلك.
  • وفيه: الحَثَّ على أنْ يكونَ المسلِمَ كَريمَ النَّفْسِ، مُترَفِّعًا عَنِ الدَّنايا.

 باب: إباحة أجْرة الحَجّام

        عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: «حَجَمَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- أَجْرَهُ، وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ، ولَوْ كَانَ سُحْتاً لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-»، وعَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وقَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ؛ الْحِجَامَةُ، أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ». في الباب حديثان، رواهما مسلم في المساقاة (1204-1205) باب: حلّ أجْرة الحِجامة، وروى الحديث الأول البخاري في الإجارة (2278، 2279) باب: خراج الحجّام، وروى الحديث الثاني البخاري في البيوع، وفي الإجارة أيضا (2277) باب: ضريبة العبد، وتعاهد ضرائب الإماء. وفي (2281) باب: مَنْ كلّم موالي العبد أنْ يُخففوا عنه من خراجه.

حَجَم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- عبدٌ لبني بياضة

  • قوله: «حَجَم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- عبدٌ لبني بياضة» وهو أبو طيبة، كما في حديث أنس، واسمه نافع على الصحيح، وكان مولًى لمحيصة بن مسعود من بني حارثة وعبد بني بياضة، وكان يقال له أيضاً: أبو هند، وفي لفظ لمسلم: دعا النبي - صلى الله عليه وسلم- غلاماً لنا، إلخ. ولا معارضة، فإنّ قول أنس: غلاماً لنا يعني الأنصار، وكونه من بني بياضة، أو بني حارثة، يدلُّ على تكرّر الاحْتِجام؛ إذْ إنّ بني بياضة غير بني حارثة.
  • قوله: «فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- أَجْرَهُ» أجْره؛ أي: قِيمة عمله. وفي حديث أنس: «فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ».
قوله: «ولَوْ كَانَ سُحْتاً لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-» أي: ولو كان حَرَاماً لمْ يُعطه؛ أي: ولو كان أجرُ الحجَّام محرّمَاً؛ لم يُعطِه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- أُجرةً على عمله هذا؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم- لا يُعطي شيئاً محرَّمّاً - صلى الله عليه وسلم-، وفي بعضها: «ولو عَلِمَ كراهيةً لم يُعطه»؛ ولا تعارضَ فيه؛ إذ قد تُحمل الكراهية على كراهة التّحريم، أو على نفي التَّحْريم بل الكراهية فقط.

كسب الحَجّام

  • قوله: «وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ» أي: شَفَع له عند سيّده، فخفّف عنه الخَراج الذي يَدفعه له، قال الحافظ: «واختلفَ العُلماء في كسب الحَجّام، فذهبَ الجُمهور إلى أنّه حلال، واحتجّوا بهذا بحديث ابن عباس، قالوا: هو كسبٌ فيه دَناءة وليس بمُحرّم، فحَمَلوا الزَّجر عنه على التنزيه، ومنهم مَنْ ادّعى النّسخ، وأنّه كان حراماً، ثم أبيح وجنح إلى ذلك الطحاوي، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحُرّ والعبد، فكرهوا للحُر الاحْتِراف بالحجامة، ويَحرُم عليه الإنْفاق على نفسِه منها، ويجوزُ له الإنْفاق على الرّقيق والدَّواب منها، وأباحُوها للعَبد مُطلقاً، وعُمْدتهم حديث محيصة: أنّه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم- عن كسب الحجام، فنَهَاه، فذكر له الحاجة فقال: اعْلفه نَواضِحك. أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن ورجاله ثقات». «فتح الباري» (4/ 459).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واتخاذُ الحِجَامة صناعةً يتكسّب بها، هو ممّا نهي عنه عند إمكان الاستغناء عنه، فإنّه يُفضي إلى كثرةِ مُباشرة النَّجاسات والاعتناء بها، لكن إذا عَمِل ذلك العَمل بالعِوض؛ استحقَّه، وإلا فلا يجتمع عليه استعماله في مباشرة النَّجاسة، وحِرْمانه أجرته، ونُهي عن أكله مع الاستغناء عنه، مع أنّه ملكه، وإذا كانت عليه نفقة رقيق أو بهائم يحتاج إلى نفقتها، أنفقَ عليها من ذلك؛ لئلا يَفْسد ماله، إذا كان الرجل محتاجاً إلى هذا الكسْب، ليس له ما يُغْنيه عنه إلا المسألة للناس، فهو خيرٌ له مِنْ مسألة الناس؛ كما قال بعض السلف: كسبٌ فيه دَنَاءة؛ خَيرٌ مِنْ مَسألة الناس». الفتاوى الكبرى (5/ 412).
  • قوله: - صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ؛ الحِجَامَةُ، أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ» وفيه الحثّ على الحِجامة، وأنّها منْ أحْسن الدّواء وأنفعه.
قال الحافظ: وفي الحديث إباحة الحِجَامة، ويلتحقُ به ما يتداوى مِنْ إخْراج الدم وغيره، وفيه: الأجْرة على المُعَالجة بالطب. انتهى. الفتح (4/ 459).

من فوائد الحديث

  • جوازُ أخذ الأجْرة على الحِجامة، والاكتساب بها، مع الكراهة.
  • جواز التداوي بالاحتجام.
  • وفيه: الشفاعة إلى أصْحاب الحُقُوق أنْ يُخفّفوا منها.
  • وجواز مُخارجة السيد لعبده، كأن يقول له: أذنت لك أن تكتسب على أن تعطيني كل يوم كذا، وما زاد فهو لك.
  • وفيه: أنّ الله أحلَّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ، وغيرِ ذلك، كما حَثَّ الشَّرْعُ المُسلِمَ على أنْ يكونَ كَريمَ النَّفْسِ، مُتْرَفِّعاً عَنِ الدَّنايا.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك