رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد سلطان السلطان 11 مايو، 2026 0 تعليق

خواطر الكلمة الطيبة .. بين خرافة الموروث وحقيقة التوحيد

من أبرز الظواهر البدعية التي شاعت في مجتمعاتٍ متعدّدة، وتسلّلت إلى بيوت المسلمين وأحوالهم، ما يُعرف بـ(العين الزرقاء)؛ تلك الرمزية التي غدت عند بعضهم وسيلةً لدفع الضرر، ووقايةً من الحسد، مع ما يحيط بها من تصوّراتٍ ومعتقدات تحتاج إلى وقفةٍ صادقة، ونظرةٍ ناقدةٍ تُعيد الأمور إلى ميزان الحقّ، وتكشف حقيقة ما استقرّ في الأذهان من أوهام.

       مما يذكر في هذه الظاهرة أنه قد اكتُشِفَتْ منطقةُ (تلِّ براك) - وهي إحدى التلالِ الأثريّة في بلادِ الشام، في سوريا - وعُثِرَ فيها على أقدمِ تمائمِ «العين»، ويُقال إن تاريخها يرجع إلى نحو ثلاثةِ آلافٍ وثلاثِ مئةِ سنةٍ قبل الميلاد. هكذا يروي أهلُ الاكتشافاتِ والتنقيبِ عن التراثِ وبواطنِ الأرض. وبالنظر إلى هذه الرمزيّة، نجد أنّ «العين» - أو ما يُسمّى بالعين الزرقاء - قد توارثتْها ثقافاتٌ متعدّدة، وتبنّتها حضاراتٌ مختلفة؛ فقد وُجدت في الشام، كما عُرفت في مصر قبل نحو ألفٍ وخمسِمائةِ سنةٍ قبل الميلاد، فيما سُمّي بـ«عين حورس»، ثم انتقلت هذه الفكرة إلى تركيا، فيما يُعرف بـ«نظر بونجوك»، ثم سرت في أقاليم شتّى، حتى وصلت إلى عددٍ من بلاد المسلمين. وسأدعُ هذا الامتدادَ التاريخيّ جانبًا، لأقفَ عند أصلِ الفكرة: وهي الاعتقادُ بأنّ هذه «العين» تدفع الضرر، وتردّ الحسد، وتحمي صاحبها من شرّ الناظرين؛ فيُعلّقها المرء على صدره، أو في سيارته، أو في بيته، أو في أدواته، ظنًّا منه أنّها تردّ العين، وتدفع البلاء، بل ويُقال عند بعضهم: إنّها تردّ الشيطان! وهنا يبرز سؤالٌ جوهريّ: من الذي أوحى للناس بهذه الفكرة؟ إنّه الشيطان نفسُه؛ إذ يلبّس على الناس، ويوهمهم أنّهم إن فعلوا هذه الأفعال اندفع عنهم شرّه، وهو في الحقيقة يزيدهم ضلالًا، ويُؤكّد ذلك ما جاء في قصّة أبي هريرة -رضي الله عنه- مع الشيطان، حين وكّله النبي - صلى الله عليه وسلم - بحفظِ صدقةِ رمضان، فجاءه الشيطانُ يسرق، فأمسكه، فشكا إليه الفقرَ والحاجة، فتركه. ثم تكرّر ذلك مرّتين، وفي المرّة الثالثة قال له الشيطان: «ألا أعلّمك شيئًا إذا قلته حَفِظَك الله من الشيطان؟» قال: نعم. قال: «إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آيةَ الكرسي»، فلمّا أخبر أبو هريرة- رضي الله عنه - النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «صدقك وهو كذوب». فهذا الشيطان - مع كونه كذّابًا - قد يَصدُق أحيانًا لمصلحةٍ أعظم، وهي تمرير الباطل على الناس؛ فهو لمّا رأى حرص أبي هريرة على العلم، دلّه على الحقّ. أمّا عامّة الناس، فيُضلّهم بمثل هذه الخرافات، فيقول لهم - بلسان الحال-: علّقوا «العين الزرقاء» تُدفَع عنكم الأضرار، وتُصرَف عنكم الأسقام! وقد انتشرت هذه الظاهرة في كثيرٍ من البلدان، ومنها الكويت، فكانت تُرى في البيوت، والسيارات، بل وتطوّر الأمر حتى صُنعت منها أشياء تُهان كالنِّعال!
  • ولا تُنسى كلمةٌ مؤثّرةٌ للشيخ عبدالرحمن عبدالصمد -رحمه الله-؛ إذ قال مستنكرًا: «كيف يرضى الرجلُ لنفسه أن يضع نعلًا أمام وجهه؟!», إنّها صورةٌ تختصر حجمَ التناقض: تميمةٌ تُعظَّم، ثم تُهان، ومع ذلك يُظنّ أنّ فيها نفعًا أو ضرًّا!
والحقّ الذي لا مرية فيه: أنّ النفعَ والضرّ بيد الله وحده، وأنّ ما سوى ذلك أوهامٌ ينسجها الشيطان، ويُروّجها الجهل، حتى تستقرّ في عقول الناس على أنّها حقائق.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك