رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 11 مايو، 2026 0 تعليق

دعم الكويت أسهم في بناء كوادر طبية وتقديم خدمات صحية متخصصة.. د. البلعسي: إحياء التراث جسرٌ للخير في دعم القطاع الصحي اليمني

  • إعادة السمع تعني إعادة الأمل للأسر وتمكين الأطفال من الانخراط في المجتمع ومنحهم فرصة ليصبحوا أفرادًا منتجين وفاعلين
  • تجارب الأطفال المستفيدين من زراعة القوقعة تُبرز الأثر العميق للعمل الطبي والإنساني في المجتمع
  • الواقع الصحي مليء بالتحديات فالحرب ونقص الموارد أديا إلى ضعف الخدمات الصحية وانتشار الأمراض وسوء التغذية
  • زراعة القوقعة مشروع حياة والعمليات المتاحة في اليمن الآن بأقل من نصف التكلفة مقارنة بالخارج
  • دعم الكويت والجمعيات الخيرية أسهم في بناء كوادر طبية وتقديم خدمات صحية متخصصة في اليمن
  • دعم برامج إعادة السمع هو استثمار في الإنسان اليمني وفي مستقبل اليمن نفسه فأقل مساهمة يمكن أن تغيّر مصير طفل وربما مستقبل عائلة بأكملها
  • العمل الإنساني الطبي سيبقى ركيزة أساسية في دعم المجتمع اليمني ولا سيما إذا تضافرت جهود الحكومة والجمعيات المحلية وأهل الخير من الداخل والخارج
 

في قلب التحديات الصحية والاقتصادية التي تواجه اليمن، يبرز دور الأطباء والمخلصين للعمل الإنساني الذين يصنعون فرقًا حقيقيا في حياة المرضى والمجتمع، ود.عبدالكريم البلعسي، (الناشط في العمل الإنساني واستشاري أول أنف وأذن وحنجرة وزراعة القوقعة، والأستاذ المساعد بجامعة ذمار)، يمثل نموذجًا للالتزام الطبي والإنساني، وهذا الحوار يستعرض مسيرته العلمية والطبية، وتجربته في توطين عمليات زراعة القوقعة، وعمله الخيري، ووجهة نظره حول الواقع الصحي في اليمن، مع تسليط الضوء على المواقف الإنسانية التي تركت أثرًا عميقًا في حياته العملية.

  • حدثنا عن مسيرتك العلمية والطبية منذ بدايتها؟
  • أنا من مواليد الضالع في جنوب اليمن، ودرست الابتدائية والإعدادية والثانوية، ومن الموافقات الطيبة أنَّ دراستي كانت في مدارس أنشأتها الكويت في عام 1974، الابتدائية والمتوسطة والإعدادية والثانوية وكلها كانت في جنوب اليمن، ثم انتقلت إلى صنعاء بعد الوحدة اليمنية عام 1990 لدراسة الطب.
ووجدت نفسي لاحقًا أعمل في مستشفى الكويت الجامعي الذي أسسته جامعة الكويت، وهو أمر مر مرور الكرام حينها، فلم نكن نفكر في الأمور البعيدة، الحمد لله أكملت دراسة الماجستير والدكتوراة في الخرطوم عام 2007، وبعد عودتي التحقت بجامعة ذمار أستاذا مساعدا، ثم أصبحت رئيس قسم لأكثر من 14 عامًا، وبدأت تدريب الطلاب في مستشفى الكويت في جامعة ذمار، وخلاصة هذه التأملات، أن كثيرًا من زملائي في اليمن وفي وظائف حكومية وعلمية، هم ثمرات الدعم الخيري الكويتي، وهذا بفضل الله أولًا ثم بفضل الداعمين والمحسنين الكويتيين، فضلا عن إنجازات كبيرة تُحسب لدولة الكويت أميرًا وحكومة وشعبًا وجمعيات خيرية داعمة.
  • ما أبرز الإنجازات الطبية التي حققتها في مجال الأنف والأذن والحنجرة؟
  • منذ 17-18 عامًا نعمل في جراحة الأنف والأذن والحنجرة، ولا سيما الجراحات الدقيقة للأذن، وفي ديسمبر 2024، قمنا بإجراء أول عمليات زراعة القوقعة في اليمن، وأنشأنا أول مركز متخصص، وكان لذلك أثر طيب في إعادة حاسة السمع للأطفال الذين حرموا منها، وكذلك إعادة الأمل للآباء والأمهات، وقد أجرينا حتى الآن 84 عملية زراعة قوقعة، بالتعاون مع أهل الخير والمحسنين داخل البلد ومن المرضى أنفسهم، مع وجود أكثر من 240 حالة تحت الانتظار؛ إذ لم نستطع إجراء العمليات إلا للحالات التي توفر لها بعض الدعم.

البلعسي بعد إجراء عملية زراعة القوقعة لأحد الأطفال 

  • كيف تصف الواقع الصحي في اليمن؟
  • الواقع الصحي في اليمن صعب جدا، ويواجه تحديات كبيرة؛ بسبب الوضع الاقتصادي والحرب التي ألقت بظلالها على القطاع الصحي لأكثر من عشر سنوات، فالمرافق الحكومية تعمل بأقل من 50% من طاقتها، وهناك انتشار للحمى والأوبئة وسوء تغذية بين الأطفال والأمهات الحوامل والمرضعات، كما أن هناك نقصا كبيرا في الموارد المالية، والأدوية، والمحاليل، والمستلزمات الطبية، وهذا يؤثر تأثيرًا مباشرًا على صحة المجتمع.
وعلى صعيد الإعاقة السمعية في اليمن لا شك أنَّها بحاجة إلى دعم كبير؛ لأن إعادة السمع تعيد للمريض حياته؛ فمن يولد فاقدا للسمع لا يستطيع الكلام، ولا القراءة، ولا سماع كلام الله، ولا الفهم العلمي والمعرفي؛ لأن العلم يأتي عبر السماع، قال -تعالى-: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، فالسمع هو البوابة الأولى للمعرفة، ومن يعيده لمريض فاقد السمع يكون قد أعاد له حياته وانخراطه في المجتمع.
  • كيف كان ارتباطك بالعمل الخيري، وما أثره على القطاع الصحي؟
  • ارتبطت بالعمل الخيري عندما وجدت أن كثيرًا من الناس غير قادرين على إجراء عمليات زراعة القوقعة، ولمسنا معاناة حقيقية؛ لذلك سعينا لتوظيف خبراتنا الطبية لخدمة هذه الفئة، والتعاون مع أهل الخير، والعمل الخيري في اليمن يغطي فجوات كبيرة، مثل مراكز الغسيل الكلوي، ودعم مرضى السرطان، وبناء مستشفيات ومراكز صحية، وقوافل طبية متنقلة لتقديم الخدمات في المناطق النائية، وعمليات متخصصة للعيون، والأنف والحنجرة، ودعامات القلب، وجمعية إحياء التراث الإسلامي الكويتية أسهمت إسهاما كبيرا في هذه المشاريع، التي تعد حجر الزاوية في الدعم الصحي الخيري.
 
  • ما المواقف الإنسانية التي أثرت فيك خلال عملك؟
  • أكثر المواقف الإنسانية تأثيرًا كانت عند زراعة القوقعة لطفل عمره 12 عامًا؛ فقد السمع فجأة وكان متفوقًا وذكيا، لكنه شعر بالعزلة، ورؤية الأب والأم يبكون عند سماع ابنهم كانت مؤثرة جدا، كما زرعنا القوقعة لطفلة فاقدة السمع والبصر، وعند سماعها للمرة الأولى بدأت تتعلم وتقرأ القرآن وتحفظه، وكان لهذا الأثر النفسي والمعرفي العظيم على حياتها، هذه اللحظات تجعل العمل الطبي عملًا إنسانيا ومؤثرًا للغاية.
 
  • ما التحديات الطبية والمالية التي تواجه برنامج زراعة القوقعة؟
  • جهاز القوقعة يكلف حوالي 12 ألف دولار، ونحاول تأمين جزء من التكلفة محليا، لتغطية 3-4 آلاف دولار تقريبًا، بينما الباقي يتحمله المريض، وهو تحد كبير؛ لأن معظم الأسر غير قادرة على ذلك، كما أن التأهيل بعد العملية يجب أن يكون باللغة العربية واللهجة المحلية لضمان استفادة المريض؛ لأن التأهيل في الخارج لا يناسب دائمًا السياق اليمني، ويستغرق فترات طويلة قد تصل إلى سنة.

أثناء إحدى عمليات زراعة القوقعة 

  • كيف يتم اختيار الحالات المناسبة لزراعة القوقعة؟
  • أجرينا دراسة أولية شاملة شملت 863 حالة، بعد الفحوصات، وجدنا: 30% لديهم سمع رباني أو مشكلات سلوكية، لا يحتاجون للزراعة، وثلث لديهم ضعف سمع يحتاج سماعة طبية فقط، والثلث الأخير هو المرشح لزراعة القوقعة.
كما استبعدنا بعض الحالات بسبب ضعف بنية القوقعة، وعيوب خلقية، وعدم وجود عصب سمعي، أو القوقعة مسدودة نتيجة التهاب حاد، ومن الأمور المهمة والضرورية التأهيل بعد العملية، وبعض الأسر غير ملتزمة به؛ لذلك تم استبعادهم أيضًا، وحتى الآن أجرينا 84 عملية، بينما هناك حوالي 260 حالة تحت الانتظار، بانتظار دعم الجهات الخيرية.
  • كيف ترى أثر زراعة القوقعة على المجتمع والمرضى؟
  • زراعة القوقعة تبعث الأمل؛ فالطفل الذي لا يسمع لا يستطيع التعلم أو قراءة القرآن أو التواصل مع الآخرين، زرعنا حالات لم يكن لديهم السمع أو البصر، وبعد العملية بدؤوا في التعلم والانخراط في المجتمع؛ فالعمل الطبي هنا ليس مجرد علاج، بل هو مشروع حياة، وإعادة أمل للمجتمع بأسره.
 
  • برأيك، كيف تساهم مبادرات العمل الخيري في دعم القطاع الصحي في اليمن؟
  • العمل الخيري في اليمن - ولا سيما المؤسسات الكويتية- يملأ فجوة كبيرة في القطاع الصحي الذي يعاني نقص الموارد الحكومية، على سبيل المثال، وجود مستشفيات متخصصة مثل مراكز الغسيل الكلوي، ودعامات القلب، وعملية إعادة البصر للأطفال، كلها أصبحت ممكنة بفضل الله ثم الدعم الخيري الكويتي؛ حيث توفر الجمعيات الخيرية العلاجات المجانية، والقوافل الطبية المتنقلة، والعمليات المتخصصة، ولا سيما في المحافظات النائية التي لا يمكن للمرضى الوصول إليها بسهولة، هذه المبادرات ليست فقط خدمات طبية، بل مشاريع حياة، تغيّر واقع الإنسان وتمكّنه من ممارسة حياته اليومية بطريقة روتينية.
 
  • كيف يمكن للمهتمين بالدعم الإنساني المشاركة في برامج مثل زراعة القوقعة؟
  • يمكن لأهل الخير والجمعيات المساهمة في تمويل أجهزة القوقعة، والعمليات الجراحية، أو برامج التأهيل بعد العملية، كل عملية زراعة قوقعة تكلف حوالي 12 ألف دولار، ونحن نحاول تغطية جزء منها محليا، لكن هناك جزء كبير يحتاج لدعم خارجي أو محلي إضافي، دعمهم يعني إعادة السمع لمئات الأطفال الذين يعيشون في عزلة بسبب الإعاقة السمعية، وهو أثر دائم ومباشر على حياتهم ومستقبلهم.

تكريم د. البلعسي من إحدى المؤسسات الخيرية 

  • كيف ترى مستقبل العمل الإنساني الطبي في اليمن، ولا سيما في ظل التحديات الاقتصادية والصحية الحالية؟
  • المستقبل في الحقيقة مليء بالتحديات، ولكن هناك أيضًا فرص كبيرة إذا تم توظيف الإرادة الإنسانية بطريقة منظمة؛ فاليمن يواجه ظروفًا اقتصادية وصحية صعبة جدا، فالمرافق الصحية تعاني نقص الكوادر والمستلزمات، والحرب المستمرة تزيد من صعوبة وصول الخدمات الطبية إلى المواطنين، خصوصًا في المناطق النائية، مع ذلك، أنا أرى أن العمل الإنساني الطبي سيبقى ركيزة أساسية في دعم المجتمع اليمني، خصوصًا إذا تضافرت جهود الحكومة، والجمعيات المحلية، وأهل الخير من الداخل والخارج.
من خبرتي، البرامج التي تركز على التدريب المحلي للكوادر، وبناء مراكز متخصصة مثل: مراكز زراعة القوقعة، وتوفير التأهيل الشامل بعد العلاج، يمكن أن تخلق نموذجًا مستدامًا يخدم أجيالًا قادمة.
  • ما الرسالة التي توجهها للمجتمع اليمني والداعمين حول أهمية الاستثمار في برامج إعادة السمع؟
  • رسالتي لكل من المجتمع اليمني وأهل الخير والداعمين: الاستثمار في برامج إعادة السمع ودعمها هو استثمار في حياة الإنسان ومستقبله؛ فالطفل أو الشخص الذي يولد فاقد السمع لا يستطيع التعلم، ولا التواصل، ولا المشاركة في الحياة الاجتماعية والدينية كما يجب، وعندما نعيد له السمع، نحن لا نقدم له علاجًا مؤقتًا فقط، بل نعيد له القدرة على التعلم، والتفكير، والتواصل، وحفظ كتاب الله وفهم علومه.

لهذا، فكل دعم مالي أو معنوي يوجه لهذه البرامج له أثر طويل الأمد، وإعادة السمع تعني إعادة الأمل للأسر، وتمكين الأطفال من الانخراط في المجتمع بطريقة مألوفة، ومنحهم فرصة ليصبحوا أفرادًا منتجين وفاعلين؛ فالنتائج الإنسانية والمعرفية والاجتماعية التي تتحقق تستحق كل جهد وموارد، وأقل مساهمة يمكن أن تغيّر مصير طفل، وربما مستقبل عائلة بأكملها؛ فالاستثمار في برامج إعادة السمع هو استثمار في الإنسان اليمني وفي مستقبل اليمن نفسه.      

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك