شباب تحت العشرين 1307
لا تُرهق نفسك بالمقارنات
في زمنٍ تُعرض فيه حياة الناس على وسائل التواصل الاجتماعي كما لو كانت كاملةً بلا نقص، يقع كثيرٌ من الشباب في فخّ المقارنة؛ ينظر إلى غيره فيحسبه أسعد، وأنجح، وأوفر حظًّا! ثم يعود إلى نفسه مثقَلًا بالمقارنات، والهمّ المتزايد، والمشكلة ليست في أن ترى نعم الآخرين؛ بل في أن تنسى ما بين يديك من نعمٍ لا تُحصى، وأن تجعل ميزانك بيد غيرك، لا بيد ربك، قال الله -تعالى-: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ} (طه: 131)؛ فهذا نهيٌ رحيم، يحفظ القلب من التعلّق بما عند الناس، ويصونه من الاحتراق الداخلي.
إن المقارنات المستمرة تُفسد صفاء القلب، وتسرق لذّة السعي، وتحوّل الحياة إلى سباقٍ مرهق لا خطَّ نهاية له، وقد أرشد النبي -[- إلى ميزانٍ يقيك هذا العناء فقال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدرُ ألا تزدروا نعمة الله عليكم»؛ فالقضية ليست أن تُغلق عينيك عن الواقع؛ بل أن تُحسن توجيه بصرك؛ تنظر إلى من سبقك فتتعلم، لا لتتحسّر، وتنظر إلى من دونك فتشكر، لا لتتعالى. وتذكّر أن ما تراه في الناس غالبًا هو «أجمل ما لديهم»، لا «كلّ ما لديهم»، فخلف الصور المبهرة قصصٌ خفيّة من تعبٍ، وقلقٍ، ونقصٍ لا يُعرض، قال الله -تعالى-: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 21)، أي إن في داخلك من النعم والفرص ما يستحق أن تلتفت إليه بدل أن تظلّ مشغولًا بغيرك. والشاب الواعي لا يقيس قيمته بعدد ما يملكه غيره، بل بمدى قربه من ربّه، واستقامته على طريقه، وسعيه في تطوير نفسه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»؛ فاجعل منافستك مع نفسك: كيف تكون اليوم أفضل من أمس؟ وكيف تقترب خطوةً من هدفك؟ أما الانشغال الدائم بغيرك، فلن يزيدك إلا تعبًا.التوازن بين الدين والدنيا
اعلم أيها الشاب أنَّ التديّن ليس هروبًا من واقع الحياة، ولا النجاح الدنيوي مسوغًا للتفريط في حقّ الله، بل هو توازنٌ دقيق، تُبنى فيه الدنيا على هدى، وتُطلب فيه الآخرة بسعيٍ واعٍ، قال الله -تعالى-: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص:77)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»؛ فالشاب الواعي هو من يُصلح قلبه فلا تفسده الدنيا، ويُتقن عمله فلا يتذرّع بالدين للتقصير، فيجمع بين صفاء الإيمان وحُسن الإتقان، ويمضي في حياته بقلبٍ معلّقٍ بالله، ويدٍ عاملةٍ في عمارة الأرض.كن صاحب أثر طيب
لا تعِش لنفسك وحدك؛ فالحياة تمضي سريعًا، ولا يبقى للإنسان منها إلا ما قدّم، وما خلّف من أثرٍ في القلوب والأعمال، قال الله -تعالى-: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} (يس: 12)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»؛ فالأثر الصادق لا يُقاس بضخامته، بل ببركته ودوامه؛ كلمةٌ تهدي، أو يدٌ تعين، أو فكرةٌ تُصلح، قد تمتدّ آثارها سنين بعد رحيلك، ازرع خيرًا في كل طريق، واترك بصمةً ترفعك عند الله ولو بكلمة.خَلْوتك سرُّ صلاحك

وقت الإنسان هو عمره

الثبات في زمن التقلّب
في زمنٍ تتبدّل فيه القناعات سريعًا، وتُعرض الأفكار كأنها حقائق نهائية، يبقى الثبات على الحقّ نعمةً كبرى. قال الله -تعالى-: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} (إبراهيم: 27)، الثبات ليس جمودًا، بل وعيٌ عميق، وبصيرةٌ تُبصر العواقب، وقلبٌ تعلّق بالله لا بالناس، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يأتي على الناس زمانٌ القابضُ على دينه كالقابض على الجمر»، فلا تستوحش طريق الحقّ، وإن قلّ سالكوه.الغفلة عن الهدف الحقيقي للحياة
ينشغل بعض الشباب بتفاصيل الدنيا ومتاعها، حتى يغيب عنهم السؤال الأهم: لماذا خُلِقنا؟ وما الغاية من هذه الحياة؟ قال الله -تعالى-: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} (القيامة: 36)، أي بلا أمرٍ ولا نهي، ولا حسابٍ ولا جزاء؛ فالحياة ليست عبثًا ولا لهوًا، بل هي دار ابتلاءٍ وعمل، يُختبر فيها صدق العبد، ويُبنى فيها مصيره الأبدي. فمن أدرك حقيقتها، عاش واعيًا لخطواته، حريصًا على وقته، موجّهًا سعيه لما ينفعه عند لقاء الله.فتاوى شبابية: حكم الحلف بالله صدقًا وكذبًا

- سئل الشيخ ابن باز -رحمه الله-: لي صديق يُكثر الحلف بالله صدقًا وكذبًا فما حكم ذلك؟
- فأجاب -رحمه الله- قائلاً: يُنصَح ويقال له: ينبغي لك عدم الإكثار من الحلف، ولو كنت صادقًا؛ لقول الله -سبحانه وتعالى-: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} (المائدة:89)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» وذكر منهم: «ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه»؛ فالمشروع للمؤمن أن يقلل من الأيمان ولو كان صادقا؛ لأن الإكثار منها قد يوقعه في الكذب.
لا تستهِن بالصغائر
قد يظنّ بعض الشباب أن الذنب الصغير لا أثر له، أو أن تكراره لا يضرّ، لكن الحقيقة أن تراكم الصغائر يُثقِل القلب شيئًا فشيئًا حتى يضعفه ويُطفئ صفاءه، قال الله -تعالى-: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} (النور: 15)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إيّاكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهلكنه»، فالمؤمن لا يقيس الذنب بصغره أو كبره في نظره، بل بعِظَم من يعصيه، فلا تنظر إلى صِغَر المعصية، ولكن انظر إلى جلال الله الذي خالفته؛ فإن ذلك أدعى لحياء القلب واستقامته.
لاتوجد تعليقات