رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: م. أمجد ذياب 11 مايو، 2026 0 تعليق

عالم التقنية والذكاء الاصطناعي .. التقنيات الذكية ودورها في الجانب الطبي والصحي الخيري (1-2)

  • استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة، يجب أن يُبنى على منظومة قيمية صارمة، تشمل: الاستقلالية، والسلامة، والعدالة، والشفافية، والمساءلة، والاستدامة
  • يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في السياق الإسلامي وتوسيع هذا الإطار ليُقرأ في ضوء مقاصد الشريعة في حفظ النفس ورفع الحرج وتحقيق العدل ومنع الضرر
 

يعد الذكاء الاصطناعي في المجال الخيري الصحي، أداة فاعلة لتحسين الكفاءة وتقليل التكاليف؛ كما أصبح مدخلًا لإعادة صياغة مفهوم (العدل الصحي) و(تحقيق مقاصد حفظ النفس) في سياق مؤسسي معاصر؛ فالقيمة الجوهرية لهذه التقنيات لا تكمن في سرعتها الحسابية، بل في قدرتها على كشف ما لا يُرى، وربط ما لا يُربط، ودعم القرار في بيئات يغلب عليها التعقيد وندرة الموارد.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نعيد تصميم العمل الخيري الصحي بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من بنيته المعرفية والتشغيلية، دون أن يفقد روحه الإنسانية؟

بوصلة التحول الرقمي الصحي

       يرتبط هذا التحول بمجموعة من الأسئلة العميقة التي تمثل بوصلة العمل الخيري في عصر البيانات: من هو الأشد احتياجًا في هذه اللحظة للخدمات الصحية؛ وذلك ليس بناءً على من تقدم بالطلب، بل بناءً على مستوى الهشاشة الفعلية؟ وما التدخل الذي يحقق أعلى أثر صحي مستدام لكل وحدة إنفاق؟ وما الفجوات الصامتة التي لا تظهر في التقارير، لكنها تنتج معاناة ممتدة؟ وكيف نضمن عدالة توزيع الدعم في ظل تفاوت القدرة على الوصول والطلب؟ وكيف نوازن بين الشفافية أمام المتبرعين، وصون كرامة المرضى وخصوصيتهم؟ ومن الجدير بالذكر أن هذه الأسئلة تتقاطع مع ما قررته منظمة الصحة العالمية، من أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة، يجب أن يُبنى على منظومة قيمية صارمة، تشمل: الاستقلالية، والسلامة، والعدالة، والشفافية، والمساءلة، والاستدامة. ويمكن في السياق الإسلامي توسيع هذا الإطار ليُقرأ في ضوء مقاصد الشريعة، ولا سيما: حفظ النفس، ورفع الحرج، وتحقيق العدل، ومنع الضرر.

إعادة تعريف النموذج التشغيلي

       النموذج السائد في كثير من المؤسسات الخيرية الصحية هو نموذج (التدفق الورقي)، وهو: طلب يدخل، ويُراجع، ويُقبل أو يُرفض، ثم يُصرف الدعم. هذا النموذج، رغم ضرورته، يعاني من قصور بنيوي؛ لأنه يتعامل مع الظاهر فقط (الطلبات المقدمة)، ويقيس النشاط (عدد الحالات) أكثر من الأثر (نتائج التدخل)! وبذلك فإنه لا يملك آلية منهجية للتعلم من البيانات المتراكمة.

مراحل التحول

ويبدأ التحول الحقيقي في الانتقال إلى نموذج (هندسة الأثر)؛ حيث تصبح البيانات محور اتخاذ القرار، ويُعاد تصميم دورة العمل لتشمل: 1- جمع البيانات الصحية والاجتماعية والاقتصادية مترابطة. 2- بناء نماذج تصنيف للمستفيدين بحسب درجة الهشاشة. 3- تطوير مؤشرات الأثر بدل مؤشرات نشاط فقط. 4- إنشاء حلقات التغذية الراجعة (Feedback Loops) تربط القرار بنتيجته الفعلية. مثال توضيحي: بدل أن تقيس المؤسسة «عدد مرضى السكري الذين تم دعمهم»، تقيس «نسبة انخفاض المضاعفات خلال 6 أشهر بعد التدخل»، وهو تحول من الكمّ إلى الأثر.

الحوكمة الأخلاقية

قد يؤدي إدخال الذكاء الاصطناعي في بيئة إنسانية دون حوكمة صارمة إلى نتائج عكسية، مثل تكريس التحيزات أو انتهاك الخصوصية؛ لذلك، يجب الانتقال من «الامتثال الشكلي» إلى «المسؤولية الأخلاقية الفعلية» وذلك عبر:
  • بناء نماذج قابلة للتفسير، ولا سيما في قرارات الاستحقاق.
  • اعتماد مبدأ «القرار البشري» في القرارات الحساسة.
  • تقليل البيانات إلى الحد الضروري (Data Minimization).
  • وضع السياسات الواضحة لاستخدام البيانات ومشاركتها.
  • إنشاء لجان مراجعة أخلاقية داخل المؤسسة.

الذكاء الاصطناعي واكتشاف (الاحتياج الكامن)

لا شك أن العدالة في العمل الخيري لا تتحقق فقط بتساوي الفرص، بل بكشف الفروق الخفية بين الناس. وهنا يظهر مفهوم «الاحتياج الكامن»؛ أي الحاجة التي لم تُعبَّر عنها، ويمكن للذكاء الاصطناعي تحليل بيانات متعددة (طبية، وجغرافية، واقتصادية، وسلوكية) لاستخراج أنماط تشير إلى الهشاشة، مثل:
  • الانقطاع غير المسوغ عن العلاج، وهو مؤشر مبكر على خطر التدهور.
  • التكرار العالي للحالات الطارئة داخل الأسرة نفسها، ما يدل على هشاشة بنيوية.
  • التركز الجغرافي لأمراض معينة، بما يشير إلى فجوات في الخدمات الوقائية.
  • تقاطع الفقر مع الأمراض المزمنة، وهو من أعلى مؤشرات الخطر الصحي.
وبهذا يتحول العمل الخيري من «الاستجابة لمن طلب» إلى «الوصول لمن لم يستطع الطلب»، وهو أقرب إلى تحقيق معنى قوله -تعالى-: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}؛ حيث تُقدَّم الحاجة الأشد ولو لم تُصرَّح.  

الذكاء الاصطناعي في خدمة الأطباء

       يتجه استخدام (ChatGPT) طبيًا نحو دعم الأطباء في تلخيص ملفات المرضى، ومراجعة الفحوصات، واقتراح احتمالات تشخيصية، وكتابة التقارير. ويعتمد ذلك على ربط النموذج بمصادر طبية موثوقة من خلال تقنية (RAG)؛ بحيث يسترجع معلومات حديثة بدل الاعتماد على الذاكرة فقط؛ كما يمكن دمجه مع أدوات تحليل الصور الطبية مثل الأشعة والرنين المغناطيسي لمساعدة الطبيب على ملاحظة المؤشرات المهمة، ويبقى دوره مساعدًا للقرار الطبي، لا بديلًا عن الطبيب، مع ضرورة حماية بيانات المرضى ووضع صلاحيات واضحة للاستخدام.

خلاصة القول

       رغم كل ما سبق، يبقى المبدأ الحاكم أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحلّ محل الحسّ والبُعد الإنساني؛ بل يجب أن يوجهه ويعززه؛ فهناك أبعاد لا تُقاس رقميا بالكامل، مثل: الألم، والكرامة، والظروف الاجتماعية الدقيقة. لذلك، فإن النموذج الأمثل هو «ذكاء اصطناعي مدعوم بإنسانية عالية»؛ حيث تتخذ الخوارزميات دور التوجيه والتحليل، ويحتفظ الإنسان بدور التقدير النهائي في الحالات المركبة، وعليه فإن توظيف الذكاء الاصطناعي في العمل الخيري الصحي - إذا تم ضمن إطار مقاصدي وأخلاقي محكم - يمكن أن ينقل المؤسسات من مجرد «مُخفِّف للمعاناة» إلى «صانع للعدالة الصحية»، وهو بذلك لا يخدم الكفاءة فقط، بل يخدم معنى الاستخلاف في الأرض؛ حيث تُدار الموارد المحدودة بما يحقق أعظم نفع للإنسان.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك