الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي(4) أمان الرُّسل والمبعوثين
- تُقرّ الشريعة الإسلامية الحصانة للرسل والسفراء الموفدين في المهام الدبلوماسية في السلم والحرب وتكفل لهم الأمان وحماية النفس والمال
- عقد الأمان يقتضي الكفّ عن قتال الحربيين وصون دمائهم وأموالهم والتزام الدولة الإسلامية بتأمين من يدخلها من غير المسلمين وحمايته طوال مدة إقامته المحددة
ما زلنا في استعراض البحث الموجز في أحكام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي، الذي تناول فيه مؤلفه الشيخ: د. وليد خالد الربيع (أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة جامعة الكويت) أهم ملامح هذا الجانب المهم من الدبلوماسية والعلاقات الدولية؛ مبيّنًا مواضع التلاقي والافتراق بينهما، ونستكمل في هذه الحلقة الحديث عن أسس الحصانة الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي، من خلال الحديث عن أمان الرسل والمبعوثين وموقف الإسلام منهم.
تُقرّ الشريعة الإسلامية حصانةً للرسل والسفراء الموفدين في المهام الدبلوماسية إلى الدولة الإسلامية في السلم والحرب، وتكفل لهم الأمان وحماية النفس والمال، وعدم جواز الاعتداء عليهم أو إهانتهم، مع تمتعهم بامتيازات محددة كالإعفاء من بعض الضرائب في حالات معينة، وتسري هذه الأحكام طوال مدة إقامتهم في دار الإسلام.حرمة الدماء في الإسلام
والحصانة التي تخلعها الدولة الإسلامية على السفراء أو الأجانب الداخلين إليها من باب حرمة الدماء في الإسلام، ولقد استند تأمين الرسل والمبعوثين من غير المسلمين في الفقه الإسلامي إلى أساس شرعي، له أدلته الثابتة الواضحة من الكتاب والسُنَّة والآثار المنقولة عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- ألا وهو(عقد الأمان).أولاً: تعريف عقد الأمان
الأمان في اللغة مصدر الفعل أمن يأمن أمناً وأماناً وأمانة وأمنة إذا اطمأن ولم يخف، فهو آمن وأمن، قال الخليل: الأمنة من الأمن، والأمان إعطاء الأمنة؛ فالأمان عدم توقع المكروه في الزمن الآتي وأصله من طمأنينة النفس وزوال الخوف. وأما تعريف الأمان في الاصطلاح فيعني ترك القتل والقتال مع الحربيين وعدم استباحة دمائهم وأموالهم أو استرقاقهم، والتزام الدولة الإسلامية توفير الأمن والحماية لمن لجأ إليها من الحربيين واستقر تحت حكمها مدة محدودة.ثانيا: مشروعية الأمان
ثبتت مشروعية الأمان بأدلة من الكتاب الكريم والسنة المطهرة والإجماع، فمن الكتاب الكريم قوله -تعالى-: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون}، قال القرطبي: (وإن أحد من المشركين) أي من الذين أمرتك بقتالهم (استجارك) أي سأل جوارك أي أمانك وذمامك فأعطه إياه ليسمع القرآن، أي يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه، فإن قبل أمرا فحسن، وإن أبى فردّه إلى مأمنه، وهذا ما لا خلاف فيه، وقال ابن كثير: «إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده «.حكم الآية باق إلى يوم القيامة
وحكم هذه الآية باق إلى يوم القيامة لم ينسخ بقوله -تعالى-: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} كما ذهب إليه بعض العلماء كالضحاك والسديّ، وليس حكمها قاصرًا على فترة الأجل الذي ضربه الله تعالى لمشركي العرب كما قاله بعض العلماء، وإنما هذه الآية محكمة كما قال الحسن البصري: «هي محكمة سنة إلى يوم القيامة»، وقال الأوزاعي: «هي إلى يوم القيامة»، وقال سعيد بن جبير: جاء رجل من المشركين إلى عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدًا بعد انقضاء الأربعة أشهر فيسمع كلام الله أو يأتيه بحاجة قتل ؟ فقال علي بن أبي طالب: لا لأن الله تبارك وتعالى يقول: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ}.مشروعية الأمان في السُنَّة النبويَّة
وردت أحاديث كثيرة دلت على مشروعية الأمان منها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ذمّـة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم»، قال النووي: «المراد بالذمة هنا الأمان ومعناه: أن أمان المسلمين للكافر صحيح، إذا أمنه به أحد من المسلمين حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم»، وقال الترمذي: «ومعنى هذا عند أهل العلم أن من أعطى الأمان من المسلمين فهو جائز عن كلهم».أمان الرسل والمبعوثين
هذا فيما يتعلق بعقد الأمان في الجملة، وأما أمان الرسل والمبعوثين على وجه الخصوص فقد وردت نصوص شرعية خاصة تدل على مشروعية تأمين الرسل والموفدين من دولهم، إلى أن يؤدوا مهامهم التي بعثوا من أجلها، فمن تلك النصوص:(1) موقف سليمان -عليه السلام- من هدية بلقيس
موقف سليمان -عليه السلام- من هدية بلقيس؛ حيث اعتبر أن هذه الهدايا نوعٌ من الرشوة؛ ولذلك رفضها وأعاد المبعوثين مكرمين دون أن يمسهم بأدنى أذى قائلا لرئيس الوفد: ارجع إليهم، وهنا مبدأ إسلامي وهو أن الدولة المسلمة يجب ألا تنتهك مبدأ الحصانة والأمن الممنوحين لأي مبعوث، وأن العقوبة التي يمكن أن تتخذ هي ترحيلهم عن البلاد.(2) الرسل لا تقتل
ما أخرجه أبو داود عن نعيم بن مسعود قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لرسولي مسيلمة حين قرأ عليه كتاب مسيلمة-: «ما تقولان أنتما؟ «قالا: نقول كما قال، قال: «أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما»، قال في عون المعبود: فيه دليل على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام.(3) الأمان لمن جاءه مسترشدا
ومن ذلك قول ابن كثير -رحمه الله-: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدا أو في رسالة، كما جاء يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش منهم عروة بن مسعود ومكرز بن حفص وسهيل بن عمرو وغيرهم واحدًا بعد واحد، وما ثبت أن أبا سفيان جاء وافًا للمدينة من أهل مكة لما نقضت قريش الصلح الذي كان بينها وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعرض له رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بقتل ولا غيره لأنه قد تقرر حكمه السابق وهو أن الرسل لا تقتل.الحاجة تدعو إلى ذلك
وأما من جهة المعقول فقد علل ذلك ابن قدامة بقوله: «ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإنا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا فتـفوت مصلحة المراسلة، وقال محمد بن الحسن عن الرسل: «إذا لم يكونوا آمنين لا يستطيعون تأدية الرسالة»، وبهذا يظهر أن الفقهاء المسلمين قد سبقوا الفقه الحديث والنظريات القانونية التي تسوغ منح الحصانات قبل أن تطرحها الاتفاقيات الدبلوماسية الحديثة.ثالثاً: متى يثبت الأمان للرسل؟
ينبغي التفريق بين حالين:- الأولى: إذا مُنح المبعوث أمانًا من الإمام أو نائبه بكتاب رسمي، ثبت له الأمان باتفاق الفقهاء.
- الثانية: إذا ادعى الحربي أنه رسول من دولة أخرى دون وثيقة، فقد اختلف الفقهاء في حكمه إلى ثلاثة مذاهب:
- والراجح: المذهب الأول؛ لقوة أدلته، ولأن الأصل اشتراط الإذن في دخول دار الإسلام، ويُكتفى بالعلامة الظاهرة كوجود كتاب رسمي، وإلا بقي على الأصل في معاملة الحربيين.
لاتوجد تعليقات