رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 4 مايو، 2026 0 تعليق

مكارم الأخلاق .. السَّماحة..

رافقت صاحبي إلى سوق (المباركية)؛ ليشتري الطيب والبخور كعادته كل عام، يتزود لنفسه وللمسجد، تكفل لأكثر من عشر سنوات بلوازم تطييب المسجد. - سوف نشتري من محلنا المعتاد. وبالفعل، رحب بنا البائع، عرف صاحبي، طلب منه (نصف كيلو) ..لفت البائع انتباه صاحبي إلى زيادة السعر. - لقد زادت الأسعار قليلا، هذا العام. - لن أدفع أكثر مما دفعته في المرة السابقة!!. - كم أخذت نصف الكيلو؟! - دفعت خمسمئة دينار، ولن أزيد!. - أصبحت الآن ستمئة، زادت رسوم الشحن والجمارك في بلد المنشأ. -  هي خمسمائة، لا غير. - أخذ صاحبي يجادل البائع، إلى أن أخذ ما أراد بالسعر الذي أراد! غادرنا المحل.. - هل تعرف المصطلح اللغوي لنقاشك مع البائع حول السعر؟! - كلا، في الكويت نسميه (مكاسرة)، (يكاسر). - في اللغة (مماكسة)! - أول مرة أسمع هذه الكلمة. - هي كذلك، وهي من الأمور التي تذكر في كتب الفقه، وأنها جائزة، ويستدلون على ذلك بحديث جابر بن عبدالله بن حرام يقول: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأعيا جملي، فأردت أن أسيبه، فلحقني الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعا له، وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله من قبل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بعنيه بأوقية، قلت: لا، قال: بعنيه بوقية، قلت لا، قال: بعنيه، قلت: فعلت، واستثنيت حملانه إلى المدينة، فلما بلغنا المدينة، أتينه بالجمل، وانتقدت ثمنه ثم رجعت، فأرسل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أتراني إنما ماكستك لآخذ جَملك؟ خُذ جملك، ودراهمك». وفي رواية النسائي: عن جابر بن عبدالله قال كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر وكنت على جمل فقال: «مالك في آخر الناس؟ قلت: أعيا بعيري فأخذ بذنبه ثم زجره؛ فإن كنت إنما أنا في أول الناس يهمني رأسه؛ فلما دنونا من المدينة قال: ما فعل الجمل؟ بعنيه قلت: لا؛ بل هو لك يا رسول الله، قال: لا بل بعنيه، قلت: لا بل هو لك، قال: لا بل بعنيه قد أخذته بأوقية اركبه فإذا قدمت المدينة فأتنا به فلما قدمت المدينة جئته به؛ فقال لبلال يا بلال زِن له أوقية وزده قيراطا، قلت هذا شيء زادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يفارقني فجعلته في كيس فلم يزل عندي حتى جاء أهل الشام يوم الحرة فأخذوا منا ما أخذوا». والبائع كان  سمحا معك، يبدو أنه ذو خلق ودين! - نعم، أحسبه كذلك هو حريص على الصلاة، وكثيرًا ما يذكر لي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جابر - رضي الله عنه -: «رحم الله عبدا سمحًا إذا باع سمحا، وإذا اشترى سمحًا، وإذا اقتضى سمحا». قبل أن نصل مركبتنا، مررنا على مطعم صغير، اقترح عليّ صاحبي أن نتناول عشاء خفيفا، وافقت دون تردد؛ فقد بدرت الفكرة لي قبل أن يتكلم صاحبي! - إن السماحة خلق كريم؛ ولاسيما في مواطن الشحّ، في الصحيحين عن أبى هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اشترى رجل من رجل عقارا، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب؛ فقال للبائع: خذ ذهبك أنا اشتريت منك الأرض ولم أشتر الذهب، وقال الذي باع له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها؛ فتحاكما إلى حكيم فقال لهما: ألكما ولد؟ قال أحدهما: نعم، وقال الآخر: لي جارية (بنت)، قال: أنكحا الغلام الجارية وأنفقا على أنفسهما منه، فقبلا!» ، والسماحة تكون أثناء البيع، وبعد البيع، إذا تراجع أحدهما، وفي طلب الثمن، وفي دفع الثمن: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فكنت على بكر صعب لعمر؛ فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عُمر ويرده ثم يتقدم فيزجره عُمر ويرده؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: (بعنيه) قال: هو لك يارسول الله! قال: (بعنيه) فباعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هو لك يا عبدالله بن عمر فاصنع به ما شئت». وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: «كان لرجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - سنّ من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: أعطوه فلم يجدوا إلا سنا فوق سنه قال أعطوه؛ فقال أوفيتني فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن خياركم أحسنكم قضاء». - إن المرء يطلب البَرَكة- سواء كان بائعا أو مشتريا- والبركة لا تأتي إلا بالصدق والإخلاص كما في حديث حكيم بن حزام، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا، محقت بركة بيعهما». - لا شك أن المؤمن يطلب البركة في كل شؤونه؛ بل حتى بعد أن تتم البيعة وأراد المشتري أن يتراجع؛ فمن الكمال إقالة البيعة كان في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أقال مسلما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة» وفي شرح رياض الصالحين: فكان البيع أمرًا ضروريًا لحاجة بني آدم، ولكن من الناس من يبيع بالعدل، ومن الناس من يبيع بالظلم، ومن الناس من يبيع بالإحسان، الناس ثلاثة أقسام، قسم يبيع بالعدل لا يظلم ولا يظلم، وقسم يبيع بالجَور والظلم كالغشاش والكذاب وما أشبه ذلك، وقسم يبيع بالفضل والإحْسان فيكون سمحا في البيع وفي الشراء، إن باع لم يطلب حقه وافيا بل ينزل من الثمن ويمهل في القضاء، وإن اشترى لا يهمه أن يزيد عليه الثمن ويبادر بالوفاء فيكون محسنا. وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - للمتسامحين في البيع والشراء فقال: «رحم الله امرأ سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى سمحًا إذا اقتضى»؛ فالإنسان كلما كان سمحا في بيعه وشرائه وتأجيره واستئجاره ورهنه وارتهانه وغير ذلك فإنه أفضل، وقال الله -تعالى- عن شعيب :إنه قال لقومه: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، أوفوا المكيال أي: ما تبيعونه كيلًا والميزان ما تبيعونه وزنا أو فوه ولا تنقصوا منه شيئا، وهذا دليل على أن الوفاء في العقود مما جاءت به الشرائع السماوية السابقة. - إن التجارة باب عظيم من أبواب الرزق فيه خير كثير لمن راقب الله فيه، في الحديث: «عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق». - قاطعت صاحبي: هذا الحديث لا يصحّ، رواه سعيد بن منصور في سننه مرسلا، وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة، والحديث الصحيح هو: عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده -رضي الله عنهما- أنه خرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: «يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه؛ فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى وصدق». وعن قيس بن أبي غرزة قال: كنا نسمى في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السماسرة فمّر بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمّانا باسم هو أحسن منه؛ فقال: «يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك