الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية – يصحّ الوقف على من لا يصحّ تصرُّفُه
ما زال الحديث مستمرًا عن الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية، ونستكمل معًا الحديث عن الضوابط التي تتعلّق بالموقوف عليهم، ومع ضابط: (يصحّ الوقف على من لا يصحّ تصرُّفُه)، ومقتضاه أنّ صحّة التصرُّف من الموقوف عليه ليست شرطًا لصحّة الوقف.
ولا يُشترط كون الموقوف له جائز التصرُّف؛ فيصحّ الوقف للصبيّ، والمجنون، والمغمى عليه، والنّائم، والسفيه، باتّفاق الفقهاء، الذي دعا إلى حكاية هذا الإجماع هو اتّفاق أهل العلم وأئمّة الفقه، على عدم ذكر أيّ شرطٍ -ممّا يتعلّق بأوصاف التكليف- في الجهة الموقوف عليها، سوى أهليّة التملُّك، ومعلومٌ أنّ أهليّة التملُّك غير جواز التصرُّف في المملوك، ويبقى هذا هو المتّفق عليه، وإن اختلفوا في صفة قبول من احتيج إلى قبوله من هؤلاء.
قال الخطيب الشربيني: «(فإنْ وقفَ على معيّن ) من (واحدٍ) أو اثنين (أو جمعٍ، اشتُرط إمكانُ تمليكِه)، في حالِ الوقفِ عليهِ بوجودِه في الخارج؛ فلا يصحّ الوقف على ولدِه وهو لا ولدَ له، ولا على فقيرِ أولادِه ولا فقيرَ فيهِم؛ فإنْ كان فيهم فقيرٌ وغنيٌّ صَحَّ، ويُعطى منه أيضاً من افتقرَ بعدُ، كما قاله البغوي...» .
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: «الموقوف عليه، وهو قسمان: معيّن، وغيره؛ فالأوّل المعيّن من شخصٍ أو جماعةٍ، ويُشترط صحة تملُّكه بأنْ يكون موجوداً حالَ الوقْف، أهلاً لتملُّك الموقوف من الواقف؛ لأنّ الوقف تمليكُ العين والمنفعة -إن قلنا بانتقال الملك إليه-، وتمليكُ المنفعةِ إنْ لم نقل به...»، وقال الدّردير في تعليقه على قول خليل -في شروط الموقوف عليه- على أهلٍ للتملُّك: «حقيقةً، كزيدٍ والفقراء، أو حكمًا، كمسجدٍ ورباطٍ وسبيلٍ» .
وقال العبدري -نقلاً عن ابن الحاجب-: «قال: ولا يُشترط قبولُه إلا إن كانَ معيَّنًا وأهلاً، وقال ابن عرفة: المحبَّس عليه: ما جازَ صَرْفُ منفعةِ المحبَّس له أو فيه» ، وقال الخرشي: «فقولُه: على أهلٍ للتملُّك، هو الموقوف عليه، وهو الموصوف بالتملُّك، والواقف يتّصف بالتمليك...وكلامُ المؤلّف يشمل الموجودَ والمعدومَ كالأعقاب، ويشمل العاقل وغيرَه، والمسلمَ والكافرَ»، أمّا الحنابلة فقد ضبطوا الموقوف عليه بأن يكون «معيّنًا يملكُ»، قال البهوتي: «(ويشترط في غير) الوقف على (المسجد ونحوه) كالرّباط والقنطرة (أن يكون على معيّن يملك) ملكاً ثابتاً؛ لأنّ الوقف تمليك» .
وقوله: ملكاً ثابتاً، احترازٌ عن الجنين؛ لأنّ ملكَه موقوفٌ على انفصاله حيًّا، كما في الميراث والوصيّة؛ فكذا في الوقف.
فإذا تبيّن أن الكلمة متفقة على ضرورة صلاحيّة الموقوف عليه للتملُّك؛ فإنّه يلزمنا أن نتذكّر أنّ استحقاق الملك عند الأصوليِّين يُشترطُ له وجود الحياة المستقرّة في المالك، وهو المعبَّر عنه بـ (الذمّة)، كما يقدّمونها في مباحث الأهليّة.
وعليه: فإنّ من توفّرت فيه أهليّة الوجوب، وهي التي ينبني عليها استحقاق الملك، يصحّ الوقف عليه، إلّا ما استُثني لعوارض أخرى.
و«أهليّة الوجوب ثابتةٌ لكلّ إنسانٍ بوصفِ أنّه إنسانٌ، سواءً أكان ذكراً أم أنثى، وسواءً أكان جنيناً أم طفلاً أم مميّزاً أم بالغاً، أم رشيداً أم سفيهاً، عاقلاً أو مجنوناً، صحيحاً أو مريضاً؛ لأنها مبنيةٌ على خاصّةٍ فطريّةٍ في الإنسان؛ فكلُّ إنسانٍ أيًّا كان، له أهليّة الوجوب، ولا يوجد إنسانٌ عديمُ أهليّة الوجوب؛ لأنّ أهليّته للوجوب هي إنسانيّته»، وأهليّة الوجوب هي التي يعرفونها بقولهم: «وصفٌ شرعيٌّ مقدَّرٌ، يصيرُ به الإنسانُ أهلاً لما يجبُ له وعليه» .
وعليه فإنّ المرجّح أنّ كلّ من له أهليّة وجوبٍ يصحّ بها تملُّكُه؛ فالوقف عليه صحيحٌ، وجواز تصرُّفه من عدمه ليس من شروط صحّة الوقف، وتكتمل الصّورة بالتذكير بما ترجّح من كون الموقوف عليه وإن كان معيّنًا؛ فإنّ قبولَه ليس شرطًا للانعقاد، وإنّما لاستحقاق نصيبه من الوقف، والله -تعالى- أعلم.
التطبيقات
1- لا يصحّ وقْف المصحف على كافرٍ؛ لأنّه ليس أهلاً لتملُّكه، وإن كان جائز التصرُّف .
2- يصحّ الوقف على الصبيّ الصغير، سواءً كان مميّزاً أم غير مميّز.
3- يصحّ الوقف على المجنون، ومن باب أولى، على المعتوه .
4- يصحّ الوقف على السفيه؛ لأنّه أهلٌ للتملُّك وإن اختلف في أهليّته للتصرُّف، وفي الحَجْر عليه من عدمه.
لاتوجد تعليقات