رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عمر بلقاضي 4 فبراير، 2020 0 تعليق

الآيات الكونية وفريضة التفكير (2)


استكمالا لما بدأنا الحديث عنه في موضوع الآيات الكونية وفريضة التفكر؛ حيث ذكرنا أن الإسلام دين يوازن بين جوانب الشخصية الإنسانية من مادة، وعقل، وروح، ويبني حضارة المسلم على أساس تلك الموازنة، نتكلم اليوم عن أساليب القرآن الكريم في دعوته إلى التفكّر في الآيات الكونية.

الأمر المباشر بالنظر

     والأمر يفيد الوجوب كما يقرر الأصوليون، ومن آيات الأمر بالنظر: {قل انظروا ماذا في السّماوات والأرض وما تغني الآيات والنُّذُر عن قوم لا يؤمنون}(يونس101)، وقوله -تعالى-: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} (الانعام99)، وقوله -تعالى-: {فلينظر الإنسان إلى طعامه}(عبس: 24)، وقوله -تعالى-: {فلينظر الإنسان ممَّ خُلق}(القيامة).

الأمر المباشر بالتفكير

ومن ذلك قول الله -تعالى-: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}.

الاستفهام الإنكاري

     ومن الأساليب القرآنية أيضًا الاستفهام الإنكاري أو التقريعي مثل قوله -تعالى- في آيات عدة: «ألم تر,أولم يروا, ألم يروا,أولم ير, أولم ينظروا, أفلا ينظرون» ونذكر من ذلك قول الله -تعالى-: {ألم تر أنّ الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزِّل من السَّماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار}(النور: 43)، وقوله -تعالى-: {ألم يروا إلى الطّير مسخَّرات في جوِّ السّماء ما يمسكهن إلا الله إنّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}(النحل: 79)، وقوله -تعالى-: {أولم يروا أناّ خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذلّلناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون}(يس: 71-73)، إلى غير ذلك من الآيات.

القسم بالمخلوقات

     ومن أساليب القرآن أيضًا القسم بالمخلوقات للفت الانتباه إلى ما فيها من دلائل باهرة على قدرة الله -عز وجل-، وقد أقسم الله -سبحانه- في القرآن الكريم بأشياء كثيرة كالشمس, والقمر, والليل, والضحى, والزمان والسماء والنجوم....إلخ.

تسمية سور القرآن

     ومن ذلك أيضًا، تسمية سور القرآن بأسماء الكائنات الحية والظواهر الطبيعية، تنبيها للعقول على أهميتها في الدين والدنيا مثل: الإنسان، البقرة, الأنعام, النحل, العنكبوت, السماء, النجم, الطارق, الشمس, الضحى, الليل, الفجر, العصر, الرعد, الطور, الزلزلة... إلخ.

ذمُّ الذين لا يتفكرون

     وقد ذم القرآن الكريم الذين لا ينظرون ولا يتفكرون ولا يعتبرون؛ فوصفهم بالعمي والصم والبكم، وأنهم أضل من الأنعام قال -تعالى-: {إنَّ شرَّ الدَّواب عند الله الصُّمُّ البكم الذين لا يعقلون}(الأنفال: 22)، وقوله -تعالى-: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}(الحج: 46).

     -وقوله -تعالى-: {ولقد ذرأنا لجهنَّم كثيرا من الجنِّ والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}(الأعراف: 179)، وإن كان ترك التفكير والنظر في آيات الله من أسباب دخول جهنم؛ فهذا يعني أن التفكر والتأمل في الكون، ومخلوقاته من أعظم الفرائض والواجبات في الإسلام.

تكرير الكلمات والمعاني

     ومن الأساليب القرآنية كذلك تكرير الكلمات والمعاني المحفزة على التعقل والنظر، وكذلك أسماء الأشياء موضوع النظر والاعتبار؛ فمثلا يعقلون وردت (22مرة) في القرآن, يتفكرون (10مرات)، ينظر بمشتقاتها وتصاريفها أكثر من (36مرة), اسم السماء والسماوات أكثرمن(300مرة), وهذا تأكيد على النظر، وتنبيه على قيمة الأشياء المنظورة إيمانيا.

أسباب الانصراف عن التفكر

مادامت الآيات الدالة على الحق بهذا الكم، وهذا الوضوح فما الذي يصرف الناس عن الاهتمام بها والاستفادة منها في بناء الإيمان؟ نجد الجواب في القرآن أيضا:

(1) الغفلة

     وهي الانغماس في متطلبات الحياة وأهوائها والانشغال بها عن التفكير في دلائل الحق، قال -تعالى-: {إنَّ الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنُّوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون}(يونس: 7-8)، وقال -تعالى-: {وإن كثيرا من النَّاس عن آياتنا لغافلون}(يونس: 92).

(2) الإعراض

     وهو النفور والهروب من دلائل الحق جحودا له، أو كسلا عن مشقة التفكير وتبعات التكليف، يقول -تعالى: -{وكأيٍّ من آية في السَّماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}(يونس: 105)، وقوله -تعالى-: {وجعلنا السَّماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون} (الانبياء32)، وقوله -تعالى-: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين}(الأنعام 64).

(3) الكبر والغرور والعناد

     قد يعرفون آيات الله، ولكن ينكرون ما تدل عليه من حق مثل الكثير من علماء الغرب الآن، قال -تعالى-: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبَّرون في الأرض بغير الحقِّ وإن يروا كلَّ آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغيِّ يتَّخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}(الأعراف 146)، وقوله -تعالى-: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها}(النحل 83)، وقوله -تعالى-: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوًّا} (النمل: 14).

(4) اتباع الهوى

     ومعناه استحسان الآراء والمواقف والسلوك بالاشتهاء واتباع هوى النفس  من غير الاستناد إلى علم وعقل وفكر، جاء في تفسير الطبري عند تفسيره لقوله -تعالى-: {يتّبعون أهواءهم}، قال: أي آراء قلوبهم وما يستحسنونه ويحببه لهم  الشيطان، قال -عز وجل-: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنَّما يتبعون أهواءهم ومن أضلُّ ممن اتّبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين}(القصص: 50)، وقوله -تعالى-: {فلا يصدنَّك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى}(طه: 16).

(5) اتباع الشيطان وكثرة المعاصي

     فالشيطان يصد عن سبيل الله، والمعاصي تعمي  القلب، أي تذهب نور العقل، قال -عز وجل-: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها  فأتبعه الشَّيطان فكان من الغاوين}(الأعراف: 175)، وعن الذنوب يقول: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم}(المطففين: 14-15).

(6) الجمود العقلي والتقليد الأعمى

     أي اتباع العادة والمألوف ولو كانت باطلا من غير تبصر، كمن قلدوا آباءهم وأسيادهم في عبادة الأحجار والأبقار قديما وحديثا، وكمن يقلد الغرب في إلحاده من أبنائنا قال -تعالى-: {وإذا قيل لهم اتَّبعوا ما أنزل الله قالوا  بل نتَّبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون}(البقرة).

(7) الجهل

فالجاهل لا يعرف قيمة الآيات، ولا يفهم مدلولها قال -تعالى-: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}(فاطر28).

فرض وعبادة

     نستخلص مما سبق أن النظر والتفكر في كتاب الله المنظور(الكون وما فيه من مخلوقات وظواهر) فرض وعبادة من أعظم العبادات في الإسلام، مثل: النظر والتفكر والتدبر في كتاب الله المقروء (القرآن)،  جاء في حديث  نبوي شريف «لا عبادة كالتفكير»(أخرجه ابن حبان عن علي بن أبي طالب)،  وقال ابن عباس رضي الله عنه : «فكر ساعة خير من قيام ليلة» وأدرك العقاد -رحمه الله- مكانة التفكير في الإسلام فألف  كتابا  سماه: (التفكير فريضة إسلامية)، هذا الموقف الإسلامي من العقل والتفكير في الكون يؤدي حتما إلى نتيجتين، هما ركنا الحضارة الإنسانية الراشدة، وجناحا الرقي البشري.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك