رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 22 أكتوبر، 2019 0 تعليق

الضابط الثاني والعشرون – الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية – لا يُشترط قبول الموقوف عليه لانعقاد الوقف على الصحيح


باب الوقف من الأبواب المهمة التي ينبغي تقرير ضوابطها؛ ذلك أنّ عامّة أحكام الوقف اجتهاديّة، فلا مناص من الانطلاق في تقريرها من أصول الشريعة العامّة، الضابطة لباب المصالح والمنافع على وجه الخصوص، ثمّ من القواعد الفقهيّة الكلّيّة، ثم يترجم كلّ ذلك على هيئة ضوابط خاصّة بباب الوقف، وهو ما سنتناوله في هذه السلسلة المباركة إن شاء الله، واليوم مع الضوابط المتعلّقة بالموقوف عليه والضابط الرابع منها وهو: لا يُشترط قبول الموقوف عليه لانعقاد الوقف على الصحيح.

معنى الضابط

     الوقف يقع صحيحًا منعقدًا بمجرّد إنشائه من الواقف المؤهّل لإنشائه، ولا يفتقر إلى قبول الموقوف عليه من أجل صحّته على القول الراجح عند أهل العلم؛ ومحلّ هذا الضابط والعمل به على القول الراجح، هو ما إذا كان الوقف على معيّنٍ، أمّا إذا كان الوقف على جهةٍ عامّةٍ، فلا يرد فيه الخلاف أصلاً، قال ابن القيّم -رحمه الله-: «الوقف شبيه العتق والتحرير؛ من حيث إنّه يمتنع نقل الملك في رقبته، ولهذا لا يفتقر إلى قبولٍ إذا كان على غير معيَّن اتفاقًا»، وهذا الاتفاق المحكيُّ هنا يوافقُه المنقول في معتمَد المذاهب الأربعة.

قبول الموقوف

     قال ابن عابدين: «لا يشترط قبول الموقوف عليه لو غير معين؛ كالفقراء»، وقال الدردير: «...(ولا) يشترط (قبول مستحقّه)؛ لأنّه قد لا يكون موجوداً، وقد لا يُتصوَّر منه القَبول كالمسجد، ولذا صحَّ على الفقراء...»، وقال الخطيب الشربيني: «أما الوقفُ على جهةٍ عامَّةٍ كالفقراء، أو على مسجدٍ أو نحوِه، فلا يُشترط فيه القَبُول جزماً، لتعَذُّره...»، وقال الموفّق: «وقال أبو الخطّاب: إنْ كان الوَقْف على غير معيَّن، كالمساكين، أو من لا يُتصوَّر منه القبول كالمساجد والقناطر، لم يفتقر إلى قبول...».

الوقف على مُعيَّنٍ

     أمّا إذا كان الوقف على مُعيَّنٍ: فقد ذهب الحنابلة في المعتمد إلى أنّه لا يُشترط القبول لانعقاده، قال الموفّق: «وإنْ كان على آدميٍّ معيّن، ففي اشتراط القبول وجهان: أحدُهما: اشتراطُه؛ لأنّه تبرُّع لآدميٍّ معيّن، فكان من شرطه القبول، كالهبة والوصية، يحقّقه أنّ الوصيّة إنْ كانت لآدميّ معيّن، وقفت على قبوله، وإذا كانت لغير معيّن أو لمسجد أو نحوه، لم تفتقر إلى قبول، كذا هاهنا.

- والوجه الثاني: لا يشترط القبول؛ لأنّه أحد نوعَيْ الوقف، فلم يشترط له القبول، كالنوع الآخر، ولأنّه إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث، فلم يعتبر فيه القبول، كالعتق، وبهذا فارق الهبة والوصية.

اشتراط القبول

     إذا وقف وقفًا، فلا يخلو: إمّا أنْ يكون على آدميٍّ معيّن، أو غيرِه؛ فإنْ كان على غيرِ معيّن، فقطع المصنّف هنا أنّه لا يُشترط القبول، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب»، وعدم اشتراط القبول هو أحد وجهَيْن في مذهب الشافعيّة، وذهب الشافعيّة في المعتمد إلى اشتراط القبول، قال النّووي: «وإنْ كان الوقف على شخص، أو جماعة معينين، فوجهان؛ أصحُّهما عند الإمام وآخرين: اشتراط القبول، فعلى هذا، فليكن متّصلاً بالإيجاب كما في البيع، والهبة.

- والثاني: لا يشترط كالعتق، وبه قطع البغوي، والروياني، قال الروياني: لا يحتاج لزوم الوقف إلى القبول، لكن لا يُمْلَكُ عليه إلا بالاختيار، ويكفي الأخذُ دليلاً على الاختيار، وخصّ المتولِّي الوجهَيْن بقولنا: ينتقل الملك في الموقوف إلى الموقوف عليه، وإلا فلا يشترط قطعا.

قلت: صحّح الرافعي في (المحرر) الاشتراط، والله أعلم».

المعتمد هو الاشتراط

     فيه: أنّ المعتمد هو الاشتراط، وأنّ بعض الشافعيّة جعل البحث في الاشتراطِ ذا معنىً، إذا تمّ تفريعه على القول بأنّ رقبة الموقوف تنتقل إلى الموقوف عليه، ليصحّ قياسُه بالهبة، فإنْ قيل بأن الموقوف عليه لا يملك الموقوف، فلا معنى للبحث في قبولِه؛ لأنّ التبرُّع بالتمليك هو الذي يفتقر إلى ذلك، وقد سبق أنّ الوقف لا يُملَك، وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ قبول الموقوف عليه شرطٌ.

     قال ابن عابدين: «...فلو لشخصٍ بعينِه وآخرُه للفقراء، اشتُرط قَبوله في حقّه، فإنْ قَبِلَه فالغَلَّة له، وإنْ ردَّه فللفقراء، ومن قَبِل ليس له الرَّدُّ بعدَه، ومن ردَّه أوَّلَ الأمر ليس له القَبُول بعدَه»، وقال خليل بن إسحق: «...الموقوف عليه، ولا يُشترط قَبول الموقوف عليه إذا كان غير معين كالفقراء ونحوهم، إذْ لو اشتُرط لما صحَّ الوقف، ولما صحّ أيضاً على المساجد وغيرها، إلّا المعيَّن فيُشترط قَبوله».

مَحْمَل اشتراطِ القبولِ

     والحقُّ أنّ مَحْمَلَ اشتراطِ القبولِ ليس واحداً حتى عند القائلين باشتراطِه، وإليك بيان ذلك: أمّا عند الحنفيّة، فإنّهم على الرغم من اشتراط القبول كما مرّ، فإنّهم جعلوه شرطاً لاستحقاق الموقوف عليه الغلّة، لا أنّه شرطٌ لصحّة الوقف ! بل الوقف عندهم ينعقد بإرادة الواقف المنفردة، فإنْ كان على معيّنٍ فردَّه، انصرفَ إلى الفقراء، فعلى الحقيقةِ اشتراطُ قبول الموقوف عليه المعيّن هو لاستحقاقه، وليس لصحّة الوقف ولا للُزُومه.

      ففي (الفتاوى الهندية)(2/429): «إذا وقفَ على قومٍ فلم يقبلوا، فهذا على وجهين: إما أن يردّ كلّهم أو بعضُهم، فإنْ ردّ كلهم كان الوقف جائزًا، وتكون الغلّة للفقراء، وإذا ردّ بعضهم، فإنْ كان الاسم ينطلق على الباقين فالغلّة تكون للباقين، وإنْ كان الاسم لا ينطلق على الباقين فنصيب الذي لا يقبل يُصرف إلى الفقراء؛ وبيانُه أنّه إذا قال: لولد عبد الله، فردّ بعضُهم، كان جميعُ الغلّة للباقين، ولو قال: لزيد وعمرو فلم يقبل زيد، صُرف نصيبُه إلى الفقراء». اهـ

شرط للاستحقاق لا للصحّة

     وكذا عند المالكيّة، فإنّهم جعلوه شرطاً للاستحقاق لا للصحّة، قال الخرشي: «فإنْ ردَّ الموقوف عليه المعيّن ما وقفه الغير عليه في حياة الواقف أو بعد موته، فإنّ الوقف يرجع حبساً للفقراء والمساكين»، والمفهوم نفسُه قرّره وصرّح به الإمام السبكي -رحمه الله-، من الشافعيّة، فقال: «وقال الماوردي -رحمه الله-: يتمّ الحبس وإنْ لم يُقبض، أما القبول فليس بشرط في لزوم الوقف، وإنّما هو شرطٌ في تمليك الغلّة عند حصولها؛ لأنّ الوقف إزالة ملك على وجه القربة فأشبه العتق، والغلّة تمليك، فروعي فيه القبول كالوصايا، وليس القبول هنا لفظاً معتبراً، بل قَبول رضا واختيار، وهو أن يأخذ الغلّة إذا أُعطيها، أو يظهر منه قبل الأخذ ما يدلّ على الرّضا والاختيار».

القبول ليس شرطًا

     ومن هنا يتبيّن لنا أنّ القبول ليس شرطاً لصحّة الوقف، وأنّ من أطلقَ القول بأنّ الحنفيّة والمالكيّة والشافعيّة يشترطونه لانعقاد الوقف لم يكن إطلاقه دقيقاً؛ لأنّهم شرحوا مرادهم بالقبول، وأنّه ليس على المعنى الاصطلاحيّ المذكور عندهم في سائر عقود المعاوضات والتبرُّعات، وهذا كلّه إذا أطلق الواقفُ الوقف والحبسَ، وظهر من إرادته أنّه لا يريدُ شخصاً بعينه ولا يريد سواه، وإنّما أراد الحبسَ مطلقاً، وخصّ المعيّن بالاستحقاق ابتداءً.

أمّا إنْ ظهر أنّه يريدُ فلانًا بعينه، وكأنّه علّق عقد الوقف على قبوله، فقد ذهب بعضهم إلى شمول هذه الأمر بتفصيلٍ آخر، يظهر فيه ثمرةٌ لاشتراط القبول على معناه الاصطلاحيّ، وهو أحد قولَيْن في مذهب مالك، ووجه عند الشافعيّة، ورواية عند الحنابلة.

الراجح من القولَيْن

     قال الدسوقي: «ثمّ إنّ الراجح من القولَيْن قول مالك، وحاصله: أنّه إنْ قَبِله المعيّن الأهلُ اختَصَّ به، فإنْ ردَّه كان حبساً على غيره، وهذا إذا جعله الواقف حبساً سواءً قَبِلَه من عيّن له أم لا، وأمّا إنْ قَصَدَه بخصوصه، فإنْ ردَّه المعيّن عاد ملكاً للمحبِّس، كما ذكره ابن رشد في نوازله، ونقله الموَّاق، قال المسناوي: وبهذا يُجمع بين ما ورد في ذلك من الروايات المختلفة».

حقيقة الوقف

     ومنشأ الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى حقيقة الوقف: هل هو عقد تبرُّع بالتمليك، فتكفي فيه الإرادة المنفردة كالعتق، أم هو كالهبة فيفتقر إلى القبول لصحّة التملُّك؟ ومعلومٌ تردُّد الوقف بين هذين الأصلين وما يشبههما، إلّا أنّ الميل به نحو التخفيف في شروطه ترغيباً في اتّساع دائرة العطاء والإحسان، كما يذهب إليه المالكيّة في معظم أحكامه التي كثُر اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة لقولهم فيها.

     وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان أبو طلحة أكثرَ أنصاريٍّ بالمدينة مالاً من نخلٍ، أحبُّ مالِه إليه بَيْرُحَاء، مستقبلة المسجد، وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب. قال أنس: فلما نزلت: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّون} قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إنّ الله يقول: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّون}، وإنّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحَاء، وإنّها صدقةٌ لله أرجو برّها وذُخْرها عند الله، فضَعْهَا حيث أراكَ الله. فقال: «بخ! ذلك مال رابح –أو: رايح-، وقد سمعتُ ما قلت وإنّي أرى أن تجعلها في الأقربين».

     قال أبو طلحة: أفعلُ ذلك يا رسول الله، فقَسَمَها أبو طلحة في أقاربِه وفي بني عمّه، قال الحافظ: «وفي قصّة أبي طلحة من الفوائد:...أنّ الوقف لا يحتاج في انعقادِه إلى قبول الموقوف عليه...»، وهذا القول هو الراجح، فإنّ عموم الأدلّة على مشروعيّة الوقف لم تعلّق انعقادَه على قبول أحد، بل ما يدلُّ في العقود الأخرى على توقُّف صحّتها على القبول، يصلُح إذا ما عُدِّيَ إلى باب الوقف لأن يكون شرطاً لاستحقاق الغلّة كما تقدّم، لا لصحّة الوقف، وهو المعتمد عند عامّة الفقهاء، وإذا جُعل الوقف على معيّنٍ فردّه، فإنّ التصرُّف فيه حينئذ يكون كالتصرُّف في الوقف المنقطع الابتداء، وسيأتي إن شاء الله.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك