مظلوماً .. منتصراً
- الظلم من الكبائر، وهو ظلماتٌ يوم القيامة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «اتَّقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظُلمات يوم القيامة»، وقال -عليه الصلاة والسلام-: يقول الله -عز وجل- في حديثه القدسي: «يا عبادي، إني حرمتُ الظلم على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا؛ فلا تظالموا».
- وفي آية 19 من سورة (الفرقان) قال -تعالى-: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا}، وأيضا في آية 8 من سورة الشورى: {وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير}؛ فالظلم شرُّه عظيم، وعاقبته وخيمة، قال صلى الله عليه وسلم : «اتَّقُوا الظُلمَ ما اسْتَطَعْتُمْ فإنَّ العبدَ يَجِيءُ بِالحَسَناتِ يومَ القيامةِ يرَى أنَّها سَتُنْجِيهِ فما يزالُ عَبْدٌ يَقُومُ يقولُ: يا رَبِّ ظَلَمَنِي عبدُكَ مَظْلَمَةً؛ فيقولُ: أتمُوا من حَسَناتِه، ما يزالُ كذلكَ حتى ما يَبْقَى لهُ حسنةُ مِنَ الذنوبِ».
- والظالمون لا يهديهم الله -تعالى- ولا يحبهم ، قال -تعالى-: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(البقرة: 258)، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (آل عمران: 57)
- ومن أعظم الظلم وأكبره وأشنعه، الشرك بالله العظيم، قال -تعالى-: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}(لقمان: 13).
- وقد وردت كلمة (مظلوما) مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله -تعالى- في الآية (33) من سورة الإسراء: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا}.
- و(الحق) هنا ما قرره الشرع من إقامة الحدود على القاتل والزاني المحصن وقتل المرتد، والمظلوم هنا من قتل بغير هذه الثلاثة؛ فقد جعل الله لولي المقتول سلطانا على قاتل وليه؛ فإن شاء استقاد منه فقتله بوليه، وإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذ الدية. ويسمى في الشرع القود، والإسراف في القتل بأن يقتل غير قاتله، أو التمثيل بالمقتول، قصاصا أو قتل اثنين بواحد.
- وولي المقتول هنا هو المنصور على القاتل، وقيل بل المقصود بها المقتول، وقيل بل إن دم القتيل كان منصورا على القاتل.
- وللمظلوم أن يدعو على ظالمه؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، كما له أن يتخذ الأسباب المشروعة لاسترداد حقه من الجهات المختصة.
- قال الله -سبحانه-: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} (النساء: 148).
- أي من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان، أو أن يقول: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد من ظلمي، وله أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له.
- •وقال -تعالى-: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ}(الشورى: 41).
- وقال صلى الله عليه وسلم : «مطل الغني ظلم»؛ فالموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ورفض السداد فقد ظلم، وذلك يبيح أن يتكلم عنه كأن يقال: إن فلانا لا يسدد ما عليه ويماطل ويأكل حقوق الناس .
- ثم إن من عظمة هذه الشريعة أنها منعت الظلم حتى ولو نحو البهائم؛ فعن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ذات يوم خلفه فأسرَّ إليَّ حديثا لا أخبر به أحدا أبدا، وكان رسول الله أحب ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل؛ فدخل يوما حائطا من حيطان الأنصار فأتى جملٌ قد أتاه؛ فجرجر وذرفت عيناه، وقال بهز وعفان: فلما رأى رسولَ الله حنَّ وذرفت عيناه؛ فمسح رسول الله سراته وذفراه فسكن؛ فقال: «من صاحب الجمل؟»؛ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله؛ فقال: «أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله لك؟! إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه»!
- إن إقامة العدل وعدم الظلم مع أي أحد هو من الدعوة إلى الله وأساس المجتمعات المسلمة، وإن نصر المظلوم والدفاع عنه من أوجب الواجبات على المسلمين، ولاشك أنه سبيل إلى الأمن والاستقرار في المجتمعات الحية.
•قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «إن العدل هو الذي أُنزِلت به الكتب، وأُرسلت به الرسل، وضده الظلم، وهو محرم في كتاب الله -تعالى- وفي سنة نبيه محمد -صلى الله عليه وآله وسلم».
لندن 24/6/2019م
لاتوجد تعليقات